{ في بيت محرقي بسيط ينتمي إلى طبقة الغواصين، انبثقت موهبته الشعرية في ديوانه الأول (أنين الصواري) في 1969، التي عبَّرت عن تجربة الإنسان ومعاناته من خلال أنين الغواصين ومعاناتهم، كما لعب الوطن منطلقا لمضامينه الوطنية وقضايا الإنسان، ودفع مضامين الواقعية بقصائد ذات توجه رمزي ورومانسي عاطفي، ليتشكل مساره الشعري بإضاءات موطن والذاكرة والإنسان كما في (إضاءة لذاكرة الوطن) وديوان (عصافير المسا) و(ويتشابه الشجر)! و(عطش النخيل) و(في وداع السيدة الخضراء) و(حورية العاشق)! وكان همه الشِعري والأدبي كبيراً، ليدمج بين الموهبة والعمل المؤسسي، فأسهم في تأسيس (أسرة الأدباء والكتاب) 1969، وعمل بضع سنوات معدّاً ومقدّماً لبرنامج بالعامية يضيء من خلاله المواويل الشعبية، ومن منا لا يتذكر ذلك البرنامج الإذاعي الدافئ بصوت علي خليفة (ظمأ الأوتار)؟ ! { اشتغل على الثقافة والشعر وبادر في دعم وتشجيع وتأسيس مؤسسات وروافد ومجلات أدبية وتراثية وشعبية في البحرين وفي الخليج، بل وعمل بكل جهد لإيصال صوت تلك الثقافة إلى العالم! حتى أصبح من أهم الأسماء الإبداعية في الشعر (فصحى وعامية).
ترأس (المنظمة الدولية للفن الشعبي (157)، وهو الذي نظم الكثير من الفعاليات والمؤتمرات احتفاءً بالتراث الخليجي وإيصاله إلى العالم كجزء من ثقافات الشعوب وأصالتها، في الوقت ذاته الذي كان يرعى مجلة (المأثورات الشعبية) ومجلة (الثقافة الشعبية) بأفكار وطموحات تعتني بحفظ الذاكرة والتأسيس لثقافة إنسانية مشتركة تجمع الاختلافات والتنوعات في بوتقة ثقافية واحدة! { المستشرقة البولندية د.
بربارا بيكو لسكي قالت عنه: (الشاعر البحريني علي عبد الله خليفة واحد من أبرز الشعراء المعاصرين الذين رسموا أفق الحركة الشعرية الحديثة في مملكة البحرين).
أكثر من خمسة عقود وهو يفتح أبواب الشعر والكلمة والتأسيس ويقود المبادرات ليخترق بصوته ونشاطه الثقافي كل الأسوار العالية، بنفس وإحساس ولغة شفيفة، غاية في الشفافية مثل روحه، وعمق يشبه عمق وغموض المحيطات، وبصيرة تحرّك خارطة الشاعر وعوالم الجمال! { وبين الوطن والشغف بتسجيل ذاكرته وتراثه وثقافته الشعبية، كان تحرّكه بين الشعر والفعاليات الثقافية يتنامى طوال العقود الماضية، يجمع في موسيقى قلبه ألحان المشاعر العميقة والملحمية والرمزية والأسطورية، لتشكل خرائط روحه تلك خرائط الوطن وبعيون مليئة بالشغف والطموح، وعمق الصوت كما في (ظمأ الأوتار)، وحب للبحرين ولمدينة المحرق حيث كانت ولادته وحياته الأولى، وتوزعّه الأول بين هواجس موهبته وطموحاته، وهواجس العائلة التي لا بدّ أن يعمل مبكراً لكي يساعدها، وهواجس الوطن الذي يتشكل في وعيه عبر حب وتعلق عميقين! { علي عبد الله خليفة، مازلت أذكر لقائي الأول به في «دار الغد»، ومجلة «كتابات» التي ساهمت فيها بتشجيع منه ببعض القصص للأطفال، وبعض المقالات، وقد تحولت لاحقاً إلى مشروع «كلمات» أصدرته أسرة الأدباء والكتاب! مازلت أذكر ذلك البريق في عينيه والدماثة في خلقه، والدفء في صوته وهو يشجعني على الانطلاقة الأدبية، وعضوية أسرة الأدباء، لتكون تلك هي البداية التي استمرّت معها لقاءات أخرى في بيت «علام عبدالله» الشاعر البحريني الصديق وبرفقة صديقة الدرب الطويل حمدة خميس ووجوه أدبية أخرى، ولتصبح الصداقة بصمة أخرى في حياتي.
{ كان ذلك اللقاء الجميل في بيته عام 2005 حين جمع الشاعر الكبير «محمود درويش» بالأدباء والمثقفين في بيته، ومازلت أذكر ذلك اللقاء الحميمي خاصة عندما دخل محمود درويش صالة تجمعنا فإذا أول شيء يقوله: «فوزية رشيد» هنا! وقد كانت تجمعني به قبل ذلك لقاءات سابقة من بينها لقاء «معرض فرانكفورت» 2004.
وفي مرة لاحقة دعوتُ مجموعة من الأدباء للقاء إثر أحداث 2011، للتفكرّ في موقف إدارة أسرة الأدباء السلبي آنذاك، وحين تحدثت مع علي خليفة، سرعان ما بارك الفكرة وأبدى استعداده أن نلتقي في بيته وكان الأمر كذلك، وقد كتبت في حينه عدة مقالات توضح ما جرى! وكم كان قبل ذلك اللقاء السنوي لأسرة الأدباء يحمل فينا جميعاً دهشة الكلمة وسطوتها وقوتها في حياتنا، والفرح بذلك الدور الريادي لأسرة الأدباء التي كان لـعلي خليفة البصمة الواضحة فيها منذ التأسيس، وكان لي شرف رئاسة الأسرة ذاتها يوماً.
{ السؤال الذي أضاء قلبي وأنا أودعه في المقبرة يوم دفنه هو: هل مثل هذا الإنسان يرحل فعلاً؟ ! ما ألهمني تجاوز ثقل الحزن وهو ثقيل جداً هو أن علي خليفة ترك بصمة عميقة في الوطن وذاكرته، وفي ترابه، وفي روح أصدقائه ومعارفه والأجيال الشابة، هي بصمة لا تغادر هواء وتراب الوطن لأنه كان عاشقاً حقيقياً له، وكان يوزع عطاءاته شعراً وإحساساً وتأسيساً، وتحمل وجه الوطن والخليج معه أينما توجه في الفعاليات العالمية، لا لينال الجوائز من هنا وهناك، وإنما ليحضن الجائزة الأكبر في كل خطوة يخطوها، وهي حب الناس له، ومباركة الوطن والخليج لكل عطاءاته المهمة! مثله لا يرحل لأنه باقٍ ما دامت ذاكرة الوطن وشعبه باقية! وما دام عطاؤه مسجلاً بين العطاءات الشعرية المهمة في المنطقة العربية.
رحم الله علي عبدالله خليفة، وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك