لم يكن التعذيب في سوريا تجربة تنتهي بمجرد الخروج من الزنزانة.
فبالنسبة إلى كثير من الناجين، خرج الجسد من السجن، لكن الذاكرة بقيت عالقة هناك؛ في صوت الباب الحديدي، والعتمة، ورائحة العفن، والخوف من اللمس، وقلق يستيقظ فجأة بعد سنوات كأن الخطر لم يغادر.
في اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، لا تبدو القضية السورية مجرد ملف حقوقي أو سجل انتهاكات، بل سؤالاً مفتوحاً عن الكلفة العميقة للعنف حين يتحول إلى سياسة ممنهجة: ماذا يترك التعذيب في أجساد الناجين؟ وكيف يعيد تشكيل ذاكرتهم وعلاقاتهم وحياتهم اليومية؟ وهل يمكن للعدالة أن تكون جزءاً من طريق التعافي، لا مجرد مسار قضائي بعيد؟توضح أدبيات الطب النفسي المرتبطة بالصدمة أن التعذيب لا يستهدف الجسد وحده، بل يهاجم إحساس الإنسان بالأمان والسيطرة والكرامة.
لذلك لا تظهر آثاره فقط في الندوب والكسور والإعاقات، بل أيضاً في اضطرابات النوم، ونوبات الهلع، واسترجاع المشاهد، وتجنب الأماكن والأصوات، وفقدان الثقة بالآخرين، والشعور الدائم بأن الخطر قد يعود في أي لحظة.
وفي الحالة السورية، حيث وثقت منظمات حقوقية مقتل عشرات الآلاف تحت التعذيب أو نتيجة للإهمال الطبي داخل مراكز الاحتجاز، وحيث لا يزال مصير أعداد كبيرة من المعتقلين والمختفين قسرياً مجهولاً، يصبح الحديث عن الناجين حديثاً عن مجتمع كامل يحمل آثار الانتهاك، لا عن أفراد خرجوا من تجربة قاسية وانتهت.
يترك التعذيب في كثير من الحالات آثاراً مادية مباشرة؛ كسوراً غير معالجة، آلاماً مزمنة، إصابات عصبية، مشكلات في الحركة، فقدان أسنان، آثار حروق، أمراضاً جلدية، أو تدهوراً صحياً مرتبطاً بالحرمان من الطعام والدواء والرعاية الطبية.
لكن غياب الندبة الظاهرة لا يعني غياب التعذيب.
فكثير من الأساليب تُستخدم لإحداث ألم شديد من دون ترك أثر دائم، أو تترك آثاراً يصعب إثباتها بعد مرور الوقت.
ولهذا تعتمد الأدبيات الطبية والحقوقية، وفي مقدمتها بروتوكول إسطنبول، على الربط بين الفحص الجسدي والنفسي والشهادة والسياق العام لتوثيق آثار التعذيب بطريقة مهنية.
في سوريا، لا يمكن فصل الجسد عن ظروف الاحتجاز نفسها: الاكتظاظ، التجويع، الحرمان من العلاج، العزل، الضرب، التعليق، الصعق، والإذلال المتكرر.
هذه الممارسات لا تنتج ألماً عابراً فقط، بل تعيد تشكيل علاقة الإنسان بجسده؛ جسد يتألم بلا سبب ظاهر، أو يرتجف عند سماع صوت مرتفع، أو يستجيب للخوف قبل أن يحدد العقل مصدره.
لا يتذكر الناجون من التعذيب تجاربهم كما يتذكر الإنسان حدثاً عادياً في الماضي.
فبعد العنف الشديد، قد تتحول الذاكرة إلى شظايا: مشهد خاطف، صوت، رائحة، إحساس جسدي، أو كابوس يتكرر.
وقد يعيش الناجي لحظة الاسترجاع لا كذكرى قديمة، بل كخطر حاضر.
لهذا قد يبدو الناجي متماسكاً في لحظة، ثم ينهار أمام تفصيل صغير: باب يُغلق بقوة، سؤال مباشر، غرفة ضيقة، ضوء حاد، أو كلمة تعيده إلى لحظة التحقيق.
هذه الاستجابات لا تعني ضعفاً شخصياً، بل تعكس الطريقة التي يتعامل بها الدماغ والجهاز العصبي مع الخطر الشديد حين يتكرر ويطول.
وتؤكد أدبيات الصدمة أن التعذيب يهاجم ثلاثة أعمدة أساسية في حياة الإنسان: الإحساس بالأمان، والثقة بالآخرين، والقدرة على التحكم بالذات.
لذلك لا يكون التعافي مجرد نسيان لما حدث، بل إعادة بناء بطيئة لهذه الأعمدة في بيئة آمنة، ومع دعم نفسي واجتماعي وقانوني مستمر.
الناجون بين الكلام والصمتلا يتحدث كل الناجين عن تجاربهم، وليس الصمت دليلاً على النسيان.
فبعضهم يصمت خوفاً من الوصمة، وبعضهم خوفاً على عائلته، وآخرون لأنهم لا يجدون لغة قادرة على حمل التجربة، أو لأنهم يشعرون بأن المجتمع يريد سماع التفاصيل الصادمة أكثر مما يريد فهم آثارها.
ومن أكثر الأعراض التي تشير إليها دراسات الناجين من العنف الشديد ما يُعرف بـ" ذنب الناجي": لماذا خرجت أنا وبقي غيري؟ لماذا عشت في حين مات صديق أو أخ أو جار في الزنزانة نفسها؟ هذا الشعور قد يرافق الناجين سنوات طويلة، خصوصاً عندما يبقى مصير آلاف المختفين مجهولاً، وعندما لا تحصل العائلات على جواب واضح عن مكان أبنائها أو ظروف موتهم.
في الحالة السورية، يتضاعف هذا العبء بسبب استمرار ملف المفقودين.
فالناجي لا يحمل ذاكرته فقط، بل قد يصبح حاملاً لذاكرة آخرين: أسماء رآها في المعتقل، وجوهاً اختفت، رسائل لم تصل، وأمهات ينتظرن خبراً قد يكون هو آخر من يعرف جزءاً منه.
التعذيب لا يصيب الشخص المعتقل وحده، فعائلته تعيش شكلاً آخر من العذاب: انتظار طويل، خوف من السؤال، بحث بين السجون والأفرع والوسطاء، وابتزاز أحياناً، ثم احتمال تلقي خبر الوفاة بلا جثمان أو تفسير.
وتصف دراسات الاختفاء القسري هذه الحالة بأنها شكل من" الفقدان المعلّق".
فالعائلة لا تستطيع أن تحزن كما ينبغي، ولا أن تطمئن كما ينبغي؛ لا جنازة مؤكدة، ولا قبر، ولا رواية كاملة، ولا يقين.
وفي هذا الفراغ، تتحول الحياة اليومية إلى انتظار دائم.
الأمهات والزوجات والآباء والأبناء ليسوا شهوداً خارجيين على التعذيب، بل ضحايا غير مباشرين له.
فكل طرق على الباب قد يحمل خبراً، وكل قائمة أسماء قد تفتح احتمالاً جديداً، وكل شهادة ناجٍ قد تتحول إلى أمل أو صدمة.
يدفع الأطفال ثمناً خاصاً في ملف التعذيب والاختفاء القسري.
فقد يكبر الطفل مع أب مفقود، أو أم معتقلة، أو ذاكرة عائلية مثقلة بالخوف.
وقد يعيش سنواته الأولى في بيت يتجنب الكلام، أو ينتظر خبراً، أو يخشى السؤال عن الغائب.
وتشير دراسات الصدمة العابرة للأجيال إلى أن أثر العنف الشديد قد ينتقل إلى الأطفال عبر البيئة العائلية: القلق، الصمت، الانسحاب، التوتر الدائم، اضطرابات النوم، التراجع الدراسي، أو الخوف المبكر من السلطة والأماكن المغلقة.
لا يعني ذلك أن الصدمة قدر محتوم، لكنه يوضح أن التعذيب لا ينتهي عند حدود الضحية المباشرة.
وفي سوريا، حيث عاش أطفال كثيرون تجربة فقدان أو اعتقال أحد الوالدين، تصبح الرعاية النفسية والاجتماعية للأطفال جزءاً من العدالة، لا ملفاً خدمياً ثانوياً.
في المجتمعات الخارجة من العنف، غالباً ما يُنظر إلى الدعم النفسي بوصفه أمراً ثانوياً مقارنة بالغذاء والسكن والعمل.
لكن خبراء الصدمة يرون أن تجاهل العلاج النفسي والاجتماعي يترك آثار التعذيب تتحول إلى مشكلات طويلة الأمد: عزلة، اكتئاب، غضب، اضطرابات أسرية، إدمان، أو عجز عن العودة إلى العمل والحياة العامة.
ولا يعني العلاج أن ينسى الناجي ما حدث، بل أن يستعيد القدرة على العيش مع الذاكرة من دون أن تسيطر عليه بالكامل.
وهذا يحتاج إلى خدمات متخصصة، ومراكز علاج آمنة، ومعالجين مدربين على التعامل مع ضحايا التعذيب، إضافة إلى دعم اجتماعي لا يحمّل الناجي مسؤولية تعافيه وحده.
كما أن التعافي لا يخص الأفراد فقط.
فالمجتمع الذي تعرض لسنوات من الاعتقال والخوف يحتاج هو أيضاً إلى ترميم ثقته بالقانون والمؤسسات واللغة العامة.
وحين يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية، لا يكفي أن تُفتح أبواب السجون؛ يجب أيضاً أن تُفتح مسارات العلاج والاعتراف والإنصاف.
لا يستطيع العلاج النفسي وحده أن يحمل عبء التعذيب إذا بقيت الحقيقة غائبة والمرتكبون خارج المساءلة.
لذلك يرى مختصون في العدالة الانتقالية أن التعافي الفردي والجماعي يحتاج إلى مسارات مترابطة: كشف الحقيقة، محاسبة المسؤولين، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
بالنسبة إلى الناجين وعائلات الضحايا، لا تكون العدالة فكرة مجردة.
إنها حق في معرفة المصير، وحق في الاعتراف، وحق في الحصول على ملف أو وثيقة أو شهادة وفاة حقيقية، وحق في العلاج والتعويض والحماية، وهي أيضاً حق في أن تُروى القصة من دون إنكار أو تشويه أو مساواة بين الضحية والجلاّد.
في سوريا، تتوزع مسارات العدالة بين محاكمات خارجية استندت إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، وجهود أممية لتوثيق الجرائم والمفقودين، ومطالبات سورية بمسار عدالة انتقالية يضع الضحايا في المركز.
غير أن التحدي الأكبر يبقى في تحويل العدالة من عنوان سياسي إلى حق ملموس يصل إلى الناجين والعائلات.
لا تُقاس كلفة التعذيب في سوريا بعدد الضحايا فقط، على فداحة هذا العدد، بل بما تركه في حياة الناجين والعائلات والمجتمع: أجساد تحمل الألم، وذاكرة تستعيد الخطر، وأطفال يكبرون على غياب الآباء، وأمهات ينتظرن خبراً، وناجون يعيشون بين الرغبة في الكلام والخوف من العودة إلى الجرح.
لكن هذه الكلفة لا تعني أن المستقبل مغلق.
فكل شهادة تُحفظ بكرامة، وكل ملف يوثّق بدقة، وكل ناجٍ يحصل على علاج، وكل عائلة تعرف مصير ابنها، وكل محاكمة عادلة تكسر دائرة الإفلات من العقاب، هي خطوة في طريق طويل نحو ترميم ما حطمه التعذيب.
في النهاية، لا تبدأ العدالة من قاعة المحكمة وحدها، بل تبدأ أيضاً من الاعتراف بأن الندوب ليست ضعفاً، وأن الذاكرة ليست عبئاً شخصياً، وأن الناجين لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى الحقيقة والحماية والإنصاف.
وبين الجسد الذي خرج من الزنزانة والذاكرة التي لم تغادرها بعد، تقف سوريا أمام امتحانها الأصعب: كيف تحوّل الألم الموثق إلى عدالة، والصدمة الفردية إلى ذاكرة وطنية لا تسمح بتكرار الجريمة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك