في الوقت الذي لا يزال فيه لبنان يكافح لإزالة آثار واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية والمالية والسياسية تعقيداً في تاريخه، ومع استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة وما خلّفته من أضرار واسعة في المناطق الحدودية والضاحية الجنوبية وأجزاء أخرى من البلاد، أقرّت لجنة المال والموازنة مشروع" الإقامة الذهبية"، الذي يتيح للأجانب الحصول على إقامة ضريبية مقابل استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار، إضافة إلى رسوم سنوية لا تقل عن 50 ألف دولار لكل فرد من أفراد العائلة المستفيدين من هذه الإقامة.
ظاهرياً، تبدو الفكرة جزءاً من السياسات الاقتصادية الحديثة الهادفة إلى استقطاب الرساميل الأجنبية وتحفيز النشاط الاقتصادي.
فبرامج الإقامة الذهبية ليست ابتكاراً لبنانياً، بل اعتمدتها دول عديدة حول العالم، من بينها البرتغال وإسبانيا واليونان والإمارات، واستطاعت عبرها جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات العقارية والمالية، فضلاً عن استقطاب رجال أعمال وأصحاب ثروات من مختلف الجنسيات.
لكن المقارنة بين لبنان وهذه الدول تكشف فجوة هائلة في الظروف والمعطيات.
فنجاح برامج الإقامة الذهبية في التجارب الدولية لم يكن قائماً على منح الإقامة بحد ذاتها، بل على وجود عناصر جذب أساسية تشمل الاستقرار السياسي والأمني، وفعالية المؤسسات، وتطور البنية التحتية، ووضوح القوانين، وسهولة ممارسة الأعمال، فضلاً عن نظام مصرفي موثوق قادر على حماية الأموال وتسهيل الحركة المالية للمستثمرين.
أما في لبنان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي سيحصل عليه المستثمر فعلياً مقابل نصف مليون دولار؟فالبلاد لا تزال تعيش تداعيات انهيار مالي غير مسبوق أدى إلى تبخر جزء كبير من ودائع المواطنين والمقيمين، فيما لم تُقَرّ حتى اليوم خطة متكاملة للتعافي المالي أو معالجة أزمة القطاع المصرفي بشكل نهائي.
كذلك فإن الكهرباء لا تزال تؤمَّن لساعات محدودة في معظم المناطق، وتعاني شبكات المياه والاتصالات من مشكلات مزمنة، بينما تشهد الخدمات العامة تراجعاً مستمراً نتيجة ضعف التمويل وغياب الإصلاحات.
ويزداد المشهد تعقيداً مع استمرار التوترات الأمنية على الحدود الجنوبية وما رافقها من حرب مدمرة خلّفت أضراراً واسعة في المنازل والمؤسسات والبنى التحتية.
وحتى اليوم، لا تزال عملية إعادة الإعمار تسير ببطء شديد، وسط محدودية الموارد المالية للدولة وعدم توفر التمويل الكافي لإعادة تأهيل المناطق المتضررة بشكل كامل.
في مثل هذه الظروف، يبدو مشروع الإقامة الذهبية أشبه بمحاولة تسويق منتج فاخر في سوق يفتقر إلى أبسط مقومات الثقة.
فالمستثمر الأجنبي لا يبحث فقط عن بطاقة إقامة أو امتياز ضريبي، بل يبحث قبل كل شيء عن بيئة مستقرة تضمن استمرارية أعماله وحماية أصوله وقدرته على التخطيط للمستقبل.
وبحسب التجارب الدولية، فإن أصحاب الثروات العالمية يختارون وجهاتهم الاستثمارية بناءً على مجموعة واسعة من المعايير، أبرزها الاستقرار القانوني والمالي، وسهولة الوصول إلى الخدمات، ومستوى التعليم والصحة، وجودة الحياة، وشفافية المؤسسات العامة.
وهذه عناصر لا يمكن تعويض غيابها بمجرد منح إقامة أو تخفيضات ضريبية.
ولكن، المفارقة أن لبنان يمتلك بالفعل العديد من المقومات التي يمكن أن تجعله وجهة جاذبة للاستثمارات إذا ما أُحسن استثمارها.
فموقعه الجغرافي الاستراتيجي، وطاقاته البشرية، وانفتاح اقتصاده، وقطاعه الخاص الحيوي، جميعها تشكل نقاط قوة حقيقية.
إلا أن هذه الميزات بقيت معطلة بفعل الأزمات المتراكمة وسوء الإدارة وغياب الإصلاحات البنيوية المطلوبة.
ومن هنا، فإن الأولوية الاقتصادية لا ينبغي أن تكون في تسويق الإقامة الذهبية بقدر ما يجب أن تكون في استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
فإصلاح القضاء، وإقرار خطة واضحة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحسين البنية التحتية، وتأمين الكهرباء بشكل مستدام، وتثبيت الاستقرار التشريعي والضريبي، كلها خطوات أساسية تسبق أي محاولة ناجحة لاستقطاب المستثمرين الأجانب.
ومن الناحية الاقتصادية، لا يمكن اعتبار مشروع الإقامة الذهبية فكرة خاطئة من حيث المبدأ، بل قد يشكل في المستقبل أداة إضافية لدعم الاقتصاد وجذب الرساميل.
إلا أن نجاحه يبقى مرتبطاً بالسياق الذي يُطرح فيه.
وفي الحالة اللبنانية الحالية، يبدو المشروع أقرب إلى معالجة شكلية لمشكلة عميقة الجذور، أو محاولة لتسويق فرصة استثمارية قبل استكمال مقوماتها الأساسية.
فالرساميل العالمية لا تنجذب إلى الشعارات بقدر ما تنجذب إلى الوقائع.
والمستثمر الذي يُطلب منه ضخ نصف مليون دولار في بلد ما، يريد أولاً أن يطمئن إلى أن هذا البلد قادر على حماية استثماره وتوفير بيئة عمل مستقرة وآمنة.
لذلك، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس كيف نبيع الإقامة الذهبية، بل كيف نعيد بناء الدولة التي تجعل هذه الإقامة ذات قيمة حقيقية.
وقبل البحث عن مشترين للإقامة الذهبية، قد يكون من الأجدى للبنان أن يؤمّن الحد الأدنى من مقومات الإقامة العادية لمواطنيه والمقيمين فيه، لأن بناء الثقة يبقى الاستثمار الأكثر ربحية واستدامة لأي اقتصاد يسعى للنهوض من أزماته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك