بين خيوط الدخان المتصاعد من بساتين تفحمت بمبيدات الاحتلال الإسرائيلي، وأصوات جرافات خط" سوفا 53" التوسعي (وهو خط عازل تمتدُّ جرافاته على طول الشريط الحدودي)، يخرج مزارع ريف القنيطرة هذا العام بمفارقة إنسانية واقتصادية: موسم كرز يوصف بـ" التاريخي والاستثنائي" يتحدى جغرافيا الخنادق ليتحول المحصول من لقمة عيش إلى وثيقة ملكية حية يأبى أصحابها مغادرتها.
مفارقة الذهب الأحمر في أرض السمومتتجلى في القنيطرة هذا العام مفارقة تبرز التناقض الكبير بين وفرة الإنتاج والخسائر؛ ففي الوقت الذي يصعد فيه الاحتلال الإسرائيلي من هجماته الميدانية والبيئية التدميرية،يفيض" الذهب الأحمر" متحدياً كل أدوات الموت، ووفقاً لبيانات رسمية من مدير مديرية الزراعة في محافظة القنيطرة، المهندس" أحمد الرحال" لموقع تلفزيون سوريا فإن إنتاج الكرز حقق هذا الموسم قفزة نوعية وفرقاً شاسعاً مقارنة بالسنوات الماضية، حيث وصل إجمالي الإنتاج إلى نحو 3,320 طناً (720 طناً مرويا، و2,600 طن بعل)، مدفوعاً بهطولات مطرية سخية استمرت حتى شهر أيار، وعناية فائقة من الفلاحين الذين تحدوا الظروف وموجات البرد الأخيرة التي تركت أثراً بسيطاً فقط بفضل الرعاية المستمرة.
هذا التميز الإنتاجي القياسي، الذي تركز بقوة في" مجمع مزارع الأمل" وجباتا الخشب، نجا بأعجوبة من حرب غير معلنة شنها الاحتلال لإبادة المحاصيل؛ حيث أوضح مدير الزراعة أن طائرات وآليات الاحتلال رشت مبيدات عشبية استهدفت مساحات شاسعة، لكن محصول الكرز نجا لأن الرش تزامن مع مرحلة" الخشب والبراعم" قبل تفتح الأوراق والإزهار.
وفي مقابل نجاة الكرز، تكبدت المراعي والمحاصيل الأخرى خسائر فادحة؛ حيث وثقت مديرية الزراعة تضرر 3,720 دونماً من المراعي، و1,023 دونماً من المحاصيل الزراعية، إضافة إلى تضرر 140 شجرة مثمرة معظمها من الزيتون.
وفي خطوة لتوثيق هذا الانتهاك، أكد الرحال أن عينات من التربة جُمعت وأُرسلت إلى العاصمة دمشق لتحليلها، وتبين منها رش مبيد عشبي.
وعود معلقة على خطوط التماسوخلف هذه الأرقام، تبذل الوحدة الإرشادية في منطقة طرنجة التي تقع مباشرة على خط المواجهة المحاذي للجولان السوري المحتل من قبل إسرائيل جهوداً مستمرة لدعم المزارعين ومساعدتهم على الصمود في أراضيهم.
ويشير خليل بكر، المشرف في الوحدة الإرشادية لمنطقة" الطرنجة" بريف القنيطرة الشمالي، إلى أن نطاق عمل الوحدة يتسع ليشمل الإشراف المباشر وتقديم الخدمات لقرى (جباتا الخشب، أوفانيا، كودنة، ومزارع الأمل).
وتعمل الوحدة بكامل طاقتها لتقديم الإرشادات الفنية والتوعوية للأهالي ومحاولة مساعدتهم بشتى الوسائل، إلا أن هذه الخدمات لا تحقق الفائدة المرجوة منها للمركز أو الأهالي بسبب الصعوبات الميدانية البالغة؛ فالمنطقة تقع مباشرة على خطوط التماس الساخنة مع الاحتلال الإسرائيلي، وتواجه الأراضي هناك عمليات تجريف متواصلة وحفراً للأنفاق وعزلاً قسرياً خلف خنادق الاحتلال، مما يمنع المزارعين والرعاة كلياً من الوصول إلى أراضيهم القريبة من الحدود والاستفادة من الدعم الإرشادي.
ويضيف بكر في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا: " لقد قدمنا للمزارعين في كافة القرى التابعة لمركزنا كل ما نملك من إرشادات وتوجيهات، لكنهم اليوم يطالبوننا بمنح ومساعدات حقيقية تعينهم على البقاء والصمود فوق ما تبقى من أراضيهم المستهدفة وحتى اللحظة، لم تصلنا أي منحة مخصصة للثروة الحيوانية، ولا أي مساعدات زراعية عينية تسد رمق أراضيهم.
لقد أصبحنا في موقف مخجل ومحرج جداً أمام الفلاحين؛ فهم موعودون رسميّاً بهذه المنح منذ فترة طويلة كدعم للاستقرار على الحدود، ولكن على أرض الواقع لم يأتِ أي شيء حتى الآن.
مزارعون يخشون الملاحقة وجرافات تبتلع التاريخوفي شهادة حية، صرّح أحد مزارعي المنطقة – الذي فضّل عدم الكشف عن هويته خوفاً من الملاحقة والانتقام الإسرائيلي – قائلاً: " أنا أخشى أن تلاحقني إسرائيل إن عُرف اسمي، لكن الواقع مرير؛ ففي البداية سمحوا لنا بزراعة أراضينا ورعي مواشينا في أثناء حفر الخندق تلافياً لأي صدام، وبمجرد اكتماله فرضوا حظراً مطبقاً، ومنعوا أي أحد من الاقتراب، وبدأوا بقلع الأشجار".
تسببت هذه السياسة العدوانية في خسارة نحو 10,000 دونم من أراضي الفلاحين المتاخمة للشريط الحدودي، والتي باتت معزولة تماماً غرب الخندق أو جُرفت بالكامل.
ولم تتوقف الجرافات عند الملكيات الخاصة، بل التهمت أكبر محمية طبيعية في المنطقة بين طرنجة وجباتا الخشب، حيث جرف الاحتلال 3,000 دونم من أرض الحرش، وأباد أشجار سنديان معمرة يمتد عمرها لمئات السنين، إلى جانب حقول التفاح والكرز، وسط توغلات مستمرة واحتجاز لقطعان الأبقار والأغنام للتضييق على الرعاة.
" أبا عن جد لن نترك أرضنا"في وسط هذا الحصار المطبق، يقود الفلاح محمد جميل الحسن ملحمة ثبات ملهمة في الحقول المتاخمة للشريط، مجسداً قصة نجاح حقيقية رغم التحديات الأمنية والاقتصادية يقول محمد إن" الكرم الإلهي أمطر الأرض برطوبة ممتدة حتى الصيف لتنقذ موسمهم، وتعوضهم عن جفاف العام الماضي القاسي الذي تسبب في موت وتضرر أكثر من 20 شجرة كرز لديه دون أن يلتفت إليهم أحد أو يحصلوا على أي تعويض".
ينتج محمد هذا العام 800 كيلوغراماً من الكرز، ويمتلك بين 600 إلى 700 شجرة زيتون تعتبر شريان حياته ومصدر رزقه الوحيد.
يتحدث لموقع تلفزيون سوريا وهو يرقب سرية عسكرية ترابط بالقرب من الحدود: " أبا عن جد عشنا ونزرع هنا، لمن أترك أشجار الزيتون هذه؟ أنا رجل متقاعد وراتبي التقاعدي البالغ 800,000 ليرة سورية لا يكفيني.
فرحنا كثيراً بسقوط النظام، وبداية عهد الدولة الجديدة، لكن إسرائيل لا تتركنا نهدأ أبداً وتريد اقتلاعنا من جذورنا".
ويضيف محمد مشتكياً من وطأة التكاليف الاقتصادية وغياب المساعدات الأساسية، مطالباً بدعم المحروقات، والبذار، وضبط الأسواق لحماية عرق المزارعين من استغلال التجار: " التاجر يأخذ مني كيلو الكرز بـ 20 ألف ليرة فقط، ويعود ليبيعه في السوق بـ 35 ألفاً، وهذا خسارة وقهر حقيقي للفلاح الذي يتعب ويعرق طوال الموسم ليحصد غيره الأرباح".
جرح الأسر ومرارة التكلفة والسمومتقاطعاً مع شهادة محمد جميل، يقف المزارع حسن سعد الدين (أبو صدام) شاهداً حياً على تلازم قضية الأرض بالإنسان وصمود أصحاب الحق.
أبو صدام ليس مجرد مزارع متضرر، بل هو والد الأسير" صدام"؛ الابن الذي اعتقله الاحتلال الإسرائيلي غدراً عندما كان فتى بعمر 17 عاماً وهو يرعى الأبقار عند" البايكة" (الحظيرة) القريبة من الشريط، وذلك قبل التحرير.
اضطر أبو صدام لمغادرة لقائنا مستعجلاً ليلحق بوقفة احتجاجية لأهالي الأسرى عند مقر الأمم المتحدة (UN) في" نبع الفوار"، لكنه أخبرنا قبل الرحيل بأن الاحتلال رش أرضه بالطيران، ممرراً مبيدات كيميائية قضت على زرعه تماماً وتحدث بحرقة: " رشوا بين 40 إلى 50 دونماً زرعتها بأغلى مواد الحبوب وكبّدتني ملايين الليرات، ولم أحصد منها سوى 3 دونمات و900 متر فقط،
يمتد الوجع والاعتداء إلى منطقة" عش الغراب" شمال غرب جباتا الخشب، حيث صادر الاحتلال محمية هناك تقدر بـ 2,500 دونم وجرف أراضيها بالكامل ومنع الأهالي من دخولها، بعد أن كان أبو صدام يقطف منها وحدها 500 كيلوغرام من الكرز و14 طناً من الزيتون سنوياً.
يتحدث أبو صدام بعتب وجدية واضحة، متأملاً من دولتنا الجديدة الصاعدة أن تقف مع فلاحيها: " جباتا الخشب قدمت قوافل من الشهداء وهي مهد الثورة بالقنيطرة، فلماذا هذا التهميش اليوم؟ لم يعوضنا أحد ولو بعشر ليرات" ويقارن بمرارة: " في الزبداني وزعوا مئة عزاقة، نحن نريد فقط خمسين عزاقة للأراضي هنا لمواجهة هذا الدمار الزراعي واستصلاح ما دمرته الجرافات".
جذورنا أقوى من جنودهم وحقولنا لن تموتفي نهاية جولتي الميدانية، أقف هنا برفقة المزارع محمد جميل الحسن عند تخوم المواجهة المباشرة، ليوجه عدستي ونظري إلى الأمام نحو الغرب من محمية الحرش ليوثق المشهد بمرارة وتحدٍ: " انظري إلى هناك.
غرب الحرش تماماً، هناك سرية عسكرية كاملة للاحتلال الإسرائيلي تشرف مباشرة على حقولنا التي سرقوها منا إنها 362 دونماً من أغلى الأراضي المزروعة بالكامل بأشجار التفاح والكرز، والآن يقف جنود الاحتلال بأسلحتهم ليمنعونا من الذهاب إليها، أو رعاية أشجارها، أو الاقتراب منها نهائياً".
إن الوصول إلى الشريط الحدودي وغرب الخندق بات اليوم رحلة محفوفة بمخاطر الموت والملاحقة القضائية والأمنية الشديدة لمجرد توثيق الانتهاكات والحديث عنها علناً، ورغم الحواجز والسموم والخنادق الفاصلة لسرقة الأرض، يثبت فلاحو القنيطرة عبر أرقام إنتاجهم القياسية وصمودهم اليومي الخارق أن جذور أشجار الكرز والسنديان المعمرة في تراب الجولان أعمق بكثير من جرافات الاحتلال، متمسكين بترابهم بانتظار لفتة دعم حقيقية وتوزيع عادل للمنح من دولتهم الفتية لتثبيتهم في خط الدفاع الأول عن الأرض والوجود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك