تابعنا بقلق بالغ تلك التصريحات المتداولة التي تضمنت مطالبات صريحة للحكومة السودانية بإخلاء مناطق من مواطنين سودانيين وتسليم مواقع استراتيجية وثروات وطنية تمهيداً لمشروعات استثمارية مصرية.
إن هذه التصريحات، بصرف النظر عن تفاصيلها القانونية أو التعاقدية، تمثل مؤشراً خطيراً على حجم التراجع الذي أصاب مفهوم السيادة الوطنية في السودان خلال السنوات الأخيرة وتمثل إيضاً الموافقة المسبقة من حكومة بورتسودان لمصر باستعمال طيرانها لقتل المعدنين السودانيين.
في تطور أثار جدلاً واسعاً، دعا رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس حكومة بورتسودان إلى الوفاء بما وصفه بالتزاماتها المتعلقة بتسليم المواقع الاستثمارية المتعاقد عليها، بما في ذلك مواقع على ضفاف المقرن ومربعات الذهب شمال البلاد، باعتبارها شرطاً أساسياً لانطلاق الاستثمارات المصرية.
غير أن هذه التصريحات تجاوزت حدود الاستثمار في نظر كثيرين، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً وخطورة يتعلق بمصير السيادة السودانية وحدود سلطة المستثمر الأجنبي على الأرض والثروة والقرار الوطني.
إن الأرض السودانية ليست بنداً في عقد تجاري، وليست سلعة قابلة للتسليم والاستلام وفق رغبات المستثمرين أو أصحاب رؤوس الأموال.
فالأرض التي ارتوت بعرق السودانيين ودمائهم لا يجوز أن تتحول إلى موضوع أوامر وتوجيهات تصدر من خارج الإرادة الوطنية، ولا أن يصبح المواطن السوداني عقبة يجب إزاحتها لإفساح المجال أمام مشاريع تُدار بمنطق النفوذ لا بمنطق الشراكة المتكافئة.
إن ما يثير القلق الحقيقي ليس الاستثمار في حد ذاته، فالسودان بحاجة إلى التنمية ورؤوس الأموال، وإنما اللغة الآمرة والمتعالية التي توحي بأن على الدولة أن تُخلي الأرض وتُسلم المواقع وتُزيل السكان والمعدنيين من مناطق نشاطهم الاقتصادي حتى يتمكن الآخرون من مباشرة أعمالهم.
هذه ليست لغة شراكة بين دولتين مستقلتين، وإنما لغة تعكس اختلالاً عميقاً في موازين القوة وتراجعاً مقلقاً في قدرة الدولة على حماية حقوق مواطنيها وفرض سيادتها الكاملة على أراضيها.
لقد أصبح من المشروع أن يتساءل السودانيون: كيف وصلت البلاد إلى مرحلة يتحدث فيها مستثمرون أجانب عن إخلاء مناطق وتسليم مواقع استراتيجية وكأن الأمر إجراء إداري روتيني؟ ومن الذي منح أي جهة الحق في التعامل مع الموارد الوطنية وكأنها ملكية خاصة يمكن التصرف فيها بعيداً عن الإرادة الشعبية؟إن السيادة الوطنية لا تتجزأ، وأي تنازل عنها تحت أي مبرر اقتصادي أو سياسي يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات والضغوط التي تنتهي بتحويل الدولة إلى مجرد منفذ لرغبات أصحاب المصالح.
وما لم تستعد المؤسسات السودانية قرارها الوطني المستقل، فإن المخاوف من ضياع السيطرة الفعلية على الأرض والثروة ستظل قائمة ومشروعة.
ولعل ما جرى للمعدنين السودانيين من إعتداء غادر بواسطة الطيران المصري وجنوده المشاة لا يمكن فصله عن مشهد أوسع تتراجع فيه السيادة الوطنية أمام سطوة المصالح الأجنبية.
فبينما سُفكت دماء السودانيين على أرضهم، كانت ترتفع الأصوات المطالِبة بإخلاء المواقع وتسليمها للمستثمرين.
وهكذا بدا المواطن وكأنه يُزاح من أرضه ليحل محلّه رأس المال الأجنبي.
فالسيادة، في معناها الحقيقي، هي سيادة الشعب على أرضه وثرواته، لا سيادة المستثمر على القرار الوطني، ولا تحويل الوطن إلى مجرد مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الاقتصادية على حساب الحقوق التاريخية لأبنائه.
إن الشعب السوداني لم يقدم التضحيات عبر تاريخه الطويل من أجل أن تتحول ثرواته إلى موضوع مساومات، ولم يناضل من أجل الاستقلال حتى يُدار مستقبل بلاده من خلال إملاءات تصدر من أصحاب النفوذ الاقتصادي.
وعليه فإننا نؤكد أن حماية الأرض والثروات وحقوق المواطنين يجب أن تظل فوق كل اتفاق، وفوق كل استثمار، وفوق كل اعتبار سياسي أو مالي.
السودان دولة ذات سيادة، والسيادة لا تُسلَّم، ولا تُؤجَّر، ولا تُقايَض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك