فالتعذيب لا يستهدف الجسد وحده، بل يهدم إحساس الإنسان بالأمان، ويشوّه علاقته بجسده، وبالآخرين، وبالزمن نفسه.
لذلك، قد يحمل من تعرض للتعذيب سجنه معه إلى البيت، وإلى النوم، وإلى العمل، وإلى نظرات الناس، وحتى إلى صمته الطويل.
وفي اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، لا يكفي أن نتذكر من خرجوا من السجون والمعتقلات.
فالسؤال الأعمق هو:ماذا يحدث لهم بعد أن تُفتح أبواب السجون؟ ومن يساعدهم على عبور ما تبقى من التجربة؟جسد خرج.
وذاكرة بقيت في الداخليُخلّف التعذيب ندوبًا لا تتوزع بالتساوي بين الجسد والذاكرة.
فقد تلتئم الإصابات، لكن الذاكرة لا تعترف بالمواعيد الطبية.
قد تعود أصوات فجأة، أو توقظ رائحة قديمة خوفًا دفينًا، أو يتحول باب مغلق إلى سبب لضيق الصدر، ويصبح الليل أطول مما يحتمله الآخرون.
بعض من تعرضوا للتعذيب لا ينامون كما كانوا ينامون.
يستيقظون مرارًا من دون سبب ظاهر، ويتجنبون الأماكن الضيقة، وينزعجون من اللمس المفاجئ، ويراقبون المداخل والمخارج في كل غرفة.
ولا يعود العالم بالنسبة إليهم مكانًا عاديًا، بل مساحة تُفحَص باستمرار: من يقترب؟ من يراقب؟ ومن يمكن الوثوق به؟ ولهذا، تبدو عبارة" انتهى الأمر" قاسية أحيانًا، حتى حين تُقال بحسن نية.
فما انتهى هو الاحتجاز المادي، أما معركة استعادة الأمان فقد تبدأ بعده مباشرة.
العائلة لا تعرف دائمًا كيف تستقبل العائدغالبًا ما تنتظر العائلة لحظة الإفراج بوصفها نهاية للألم، بينما تكون في كثير من الأحيان بداية مرحلة أكثر تعقيدًا.
يعود الشخص، لكن ليس كما غادر، وقد تعود إليه أسرته، لكنها لا تعرف دائمًا كيف تقترب منه.
الأم تريد الاطمئنان، والشريك يريد الحديث، والأبناء يبحثون عن الصورة القديمة، والأصدقاء ينتظرون الحكاية.
وفي المقابل، قد لا يملك المعتقل السابق القدرة على الكلام، أو قد يشعر بأن الحديث يعيد التجربة بدل أن يحرره منها.
وقد يغضب من أسئلة بسيطة، أو ينسحب من جلسات عائلية، أو يبدو حاضرًا بجسده وغائبًا في داخله.
هنا تظهر فجوة صامتة بين الحب والعجز.
فالعائلة تريد المساعدة، لكنها قد تضغط من دون أن تدري.
والمجتمع يريد قصة واضحة: ماذا حدث؟ كيف صمدت؟ كيف خرجت؟ لكنه لا ينتبه إلى أن بعض القصص لا تُروى مرة واحدة، ولا أمام الجميع، وربما لا تُروى أصلًا إلا حين يشعر صاحبها بأنه لم يعد مهددًا بالحكم عليه.
وصمة لا تقل قسوة عن الألملا يتعامل الجميع مع ضحايا التعذيب بوصفهم أصحاب حق.
ففي بعض البيئات، قد يجدون أنفسهم محاصرين بأسئلة لا تقل قسوة عن التعذيب نفسه: لماذا اعتُقل؟ ماذا فعل؟ هل اعترف؟ هل تغيّر؟ هل صار خطرًا؟ أسئلة تحوّل الضحية من شخص تعرض لانتهاك إلى شخص مطالب بتبرير نفسه.
الوصمة هنا امتداد للعنف.
فهي تعيد عزله بعد خروجه، وتدفعه إلى الصمت، وتجعله يشعر بأن عليه إخفاء ما حدث كي يستطيع العيش.
وقد تكون أشد قسوة على النساء، أو على من تعرضوا لعنف جنسي، أو على من يخشون أن يتحول الألم إلى مادة للفضيحة الاجتماعية بدل أن يكون سببًا للحماية.
لذلك، لا تعني مساندة ضحايا التعذيب التعاطف العابر فقط، بل الاعتراف أولًا بأن ما حدث لهم ليس عارًا عليهم، وإنما جريمة ارتُكبت بحقهم.
وتعني أن يُرفع عنهم عبء التبرير، وأن يُعاد وضعهم في مكانهم الصحيح: أشخاص يحتاجون إلى إنصاف ورعاية وحماية، لا إلى امتحان جديد في الشرح والإثبات.
الخروج لا يعيد العمل والحياة تلقائيًاحين يخرج المعتقل السابق من السجن، يكتشف أن الحياة التي توقفت لم تكن تنتظره كما تركها.
ربما فقد عمله، أو انقطعت دراسته، أو تراكمت ديونه، أو تغيّرت عائلته في غيابه.
وقد يحتاج إلى أوراق رسمية، أو علاج طويل، أو مساعدة قانونية، أو بيئة عمل تدرك هشاشته المؤقتة من دون أن تحوله إلى عبء.
الأثر الاقتصادي للتعذيب قليل الظهور في النقاش العام، لكنه حاضر بقوة في حياة الضحايا.
فالألم قد يمنع العمل المنتظم، والقلق قد يصعّب التركيز، والملاحقة الأمنية السابقة قد تغلق أبوابًا كثيرة.
وفي أحيان كثيرة، لا يُعاقَب الإنسان مرة واحدة داخل السجن، بل يُدفع بعد خروجه إلى هامش اجتماعي واقتصادي طويل.
ولهذا، تصبح إعادة التأهيل أكثر من علاج نفسي أو طبي.
إنها مسار كامل لاستعادة القدرة على الحياة: علاج، ودعم قانوني، وحماية اجتماعية، وفرصة عمل، وتعليم، وبيئة لا تختزل الإنسان في تجربته، ولا تطالبه بأن يصبح" طبيعيًا" فورًا.
لماذا نخاف من حكايات التعذيب؟ربما يتجنب كثيرون سماع شهادات الضحايا لأن التعذيب يكشف حقيقة مزعجة: أن الإنسان يمكن أن يُكسر داخل مؤسسة، وباسم الأمن أو التحقيق أو السياسة أو الحرب.
ولهذا يلجأ المجتمع أحيانًا إلى النسيان، أو التخفيف، أو تبرير ما حدث بحجة أن" الظروف كانت صعبة".
غير أن أخطر ما في هذا النسيان أنه يحمي الجريمة أكثر مما يطوي صفحتها.
فحين يصبح التعذيب مجرد تفصيل في الصراع، أو خبرًا قديمًا، أو رواية يشكك فيها الناس، يفقد الضحايا حقهم في أن يُنظر إليهم كبشر، لا كهوامش في معركة أكبر.
والاستماع إلى الضحايا لا يعني استهلاك ألمهم، ولا مطالبتهم بسرد ما لا يريدون قوله.
بل يعني خلق مساحة آمنة لمن يريد أن يتكلم، واحترام صمت من لا يستطيع، والتعامل مع التجربة بوصفها جرحًا عامًا لا خصوصية فردية فقط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك