بعد سنوات من الغموض والتجاذبات بين أنقرة وواشنطن في ملفات عدة، أبرزها العلاقات العسكرية والدفاعية، يبدو أن أزمة بيع الولايات المتحدة لتركيا طائرات مقاتلة ومستلزماتها في طريقها إلى الحل، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيته إسعاد نظيره التركي رجب طيب أردوغان، رداً على سؤال حول إمكانية بيع مستلزمات للمقاتلات إلى تركيا، وفقاً لتقارير إعلامية انتشرت خلال اليومين الماضيين.
وتأتي هذه التطورات قبيل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 تموز/يوليو المقبل، ومن المنتظر أن يشارك فيها الرئيس ترامب.
وقبيل الزيارة، نقلت وكالة رويترز موافقة الإدارة الأميركية في واشنطن على بيع محركات بقيمة مئات الملايين من الدولارات لطائرة" قآن" المقاتلة التركية محلية الصنع، فيما عززت تصريحات ترامب، التي أشاد فيها بالرئيس أردوغان، وقوله: " سأفعل شيئاً يُسعده كثيراً"، التوقعات بانضمام تركيا مجدداً إلى برنامج طائرات إف-35.
وقدم ترامب إخطاراً رسمياً إلى الكونغرس بشأن شراء محركات طائرات نفاثة لتركيا بقيمة 700 مليون دولار، فيما كانت رويترز قد أفادت بأن الإدارة الأميركية تعتزم تسريع بيع عشرات محركات الطائرات النفاثة لتركيا قبل قمة الناتو التي تستضيفها أنقرة، ومن المتوقع إتمام الصفقة خلال الأيام المقبلة.
وتقترب أزمة المقاتلات من إتمام عامها التاسع، منذ تصاعدها بين البلدين.
ومع تولي الرئيس ترامب الحكم بداية العام الماضي، تبادل تصريحات إيجابية مع أردوغان، وكذلك فعل مسؤولو ومؤسسات البلدين.
ورغم حالة التقارب، فإن الطرفين لم يحرزا أي تقدم ملموس على أرض الواقع في تجاوز الملفات العالقة، سواء برفع العقوبات الأميركية المفروضة وفق قانون" كاتسا" لمعاقبة الدول المتعاونة مع خصوم الولايات المتحدة، أو في ملفات شراء مقاتلات إف-16 وإف-35، كما لا يزال قطاع الصناعات الدفاعية التركية يعاني من تلك العقوبات، في ظل استمرار أزمة صواريخ إس-400 الروسية التي اشترتها تركيا سابقاً، والتي تُعد السبب الرئيسي للعقوبات المفروضة عليها.
في المقابل، اكتفت الولايات المتحدة بإنهاء ملف محاكمة مصرف" خلق بنك" بعد تسع سنوات من الإجراءات القضائية، وسجن مديره السابق في الأيام القليلة الماضية.
وكانت أنقرة قد انضمت إلى برنامج تصنيع مقاتلات إف-35 عام 2002، وتسلمت أولى المقاتلات عام 2018، لكن تسلمها منظومة إس-400 الروسية عام 2019 دفع واشنطن إلى فرض عقوبات عليها وإخراجها من برنامج التصنيع، كما أوقفت تسليم المقاتلات التي كان الطيارون الأتراك يتدربون عليها في الولايات المتحدة آنذاك.
وتقول أنقرة إنها أنفقت ملياراً و400 مليون دولار ثمناً للمقاتلات.
وبعد التقارب التركي الأميركي عقب الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، وموافقة تركيا على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف الناتو مقابل عدة شروط، تم تمرير صفقة شراء مقاتلات إف-16 جديدة، إلى جانب تحديث قرابة 80 مقاتلة عاملة لدى سلاح الجو التركي، بعد موافقة الكونغرس عليها، وهي مرحلة لا تزال مستمرة، لكنها لم تُستكمل بعد، ولا تزال نتائجها النهائية غير معروفة.
وتشمل العقوبات التي كشفت عنها وزارة الخزانة الأميركية عام 2020 رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، إذ مُنعت من الحصول على وثائق التصدير والقروض الأميركية، إضافة إلى القروض من المؤسسات المالية الدولية، كما شملت العقوبات مسؤولين، بينهم رئيس الصناعات الدفاعية السابق إسماعيل دمير وآخرون.
وفي مواجهة المواقف الأميركية المتشددة خلال السنوات الماضية، عملت تركيا على تطوير صناعاتها الدفاعية، إذ قادت العقوبات والحظر الأوروبي والأميركي والغربي عموماً إلى زيادة الاعتماد على الصناعات المحلية، ولا سيّما في قطاع الطائرات المسيّرة، إلى جانب تطوير المقاتلة الوطنية" قاان" من الجيل الخامس، التي خضعت لتجارب طيران، على أن تدخل الخدمة والإنتاج المتسلسل عام 2028، وفق ما هو معلن.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد استقبل الرئيس أردوغان في البيت الأبيض، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، في 25 أيلول/سبتمبر من العام الماضي، وسط أجواء ودية، وقال حينها: " تركيا ترغب في شراء طائرات إف-16 وإف-35 وغيرها، وسنناقش هذا الأمر معهم".
ويشدد مسؤولون أميركيون على أن منظومات إس-400 الروسية تشكل خطراً أمنياً على المقاتلات الأميركية، ومن المتوقع أن تتناول قمة الناتو التي تستضيفها تركيا ملفات الإنفاق الدفاعي داخل الحلف، وتقاسم الأعباء، وشكاوى الولايات المتحدة بشأن دور الحلفاء في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً خلال الحرب مع إيران.
وفي ظل غياب تعليق رسمي من أنقرة، قال أستاذ العلاقات الدولية في جامعة" 18 مارس"، أوفوك نجاتي تاشجي، لـ" العربي الجديد"، إن العقبات الأميركية والأسباب التي أدت إلى قرب حل الأزمة تعود إلى أن" أسباب المنع تُفسَّر بقضية منظومة إس-400، إلا أن المشكلة الحقيقية سياسية.
وعندما اتجهت تركيا إلى بدائل، فُرضت عليها عقوبات.
وأعتقد أن الولايات المتحدة أدركت هذا التغير في الظروف وحاجتها إلى تركيا، كما أن السبب الرئيسي لتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين هو افتقارهم إلى القوة العسكرية الكافية، إلى جانب التحديات السياسية المستمرة بينهم وبين واشنطن".
وأضاف: " استنزفت الولايات المتحدة كمية كبيرة من مخزونات الذخيرة الحيوية في الصراع الإيراني، ويُعتقد أن تعويضها سيستغرق ما لا يقل عن ثلاث إلى خمس سنوات.
كما يتزايد انعدام الثقة بالولايات المتحدة في أوروبا والخليج، فيما تبقى تركيا فاعلاً رئيسياً في هذه المنطقة".
وأكد أن" توجه الولايات المتحدة نحو نصف الكرة الغربي، وسحب قواتها من مختلف أنحاء العالم، وتركيزها على جبهة المحيط الهادئ، لا يعني أنها ستتجاهل بقية العالم بصفتها قوة مهيمنة.
وتعد تركيا دولة محورية بفضل قوتها العسكرية ونفوذها الإقليمي، وقدراتها الدفاعية التي طورتها خلال العقد الماضي، ولذلك تعد مقاتلات إف-16، أو حتى إف-35، قضايا ثانوية للغاية أمام التعاون مع تركيا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك