زين العابدين صالح عبد الرحمنإن النخب السياسية السودانية التي فشلت في مسارها التاريخي في تقديم مشاريع سياسية جاذبة لأغلبية الشعب، لوضع عجلات التنمية في مسار النهضة، هي غير جديرة بقيادة دولها، لأنها قد عجزت أن تقدم تبريرا لهذا العجز، أو تبين أسباب فشلها، إن إدراكها للعجز، هو الذي دفعها لكي تذهب و تستجدي الخارج أن يشكل لها رافعة إلي السلطة، لأنها تخاف من مواجهة الشعب.
و هذه النخبة هي تعلم أن التاريخ الإنساني كله لم يقدم نموذجا واحدا، يؤكد بأن الخارج استطاع أن يصنع دولة ناهضة في غياب تصورات آهلها.
الخارج عندما يتحرك لا يبحث إلا عن مصالحه الخاصة، و من أجل هذه المصالح يحاول أن يحدث أختراقات في مجتمعات الدول لكي يجد له عناصر تقف مع مشروعه التأمري على مصالح دولهم.
المطروح ألان في السودان؛ و في ظل الحرب و التأمر على البلاد، هناك مشروعان الأول تقوده القوات المسلحة تحت راية محاربة التأمر الخارجي، و تعزيز سيادة البلاد، و يلتف حول هذا المشروع قاعدة كبيرة من الشعب، الذي يقدم المستنفرين و المقاومة الشعبية.
و هناك مشروع تقوده الأمارات تحت مظلة هذا المشروع تأتي ميليشيا آل دقلو و و تيارات أخرى لا تملك قواعد شعبية، و لكنها تعزز مكانتها من خلال حركة الميليشيا العسكرية، و هي تستجدي الخارج أن يتدخل بشتى الطرق في الشأن السوداني، و بهدف الوصول إلي تسوية سياسية يعيدها إلي الساحة السياسية مرة أخرى، و في نفس الوقت يضمن للخارج الوصول للمصالح التي يبحث عنها.
إن طواف لنخب على مدن العالم لمناقشة القضية السودانية، يوضح حالة الفقر السياسي التي تعيش فيه هذه النخب في السودان، و تبين تواضع مقدراتها التي جعلتها تطوف في العالم لكي تجد لها موطيء قدم في دولتها لكي تمارس الفعل السياسي.
رغم أن تجارب السودان أكدت أن التغيير لا يتم إلا من داخل السودان.
و العجز السياسي ليس حالة طارئة في السودان، إنما هو حالة لها اسبابها البنيوية.
أولها إنها قيادات فشلت في تقيم تجربتها السياسي لكي تبين أسباب الفشل.
و الثاني ÷ي قوى سياسي لا تملك مشاريع سياسية واضحة غير إنها تبحث عن مواقع لها في أية سلطة كانت.
أيضا هي قوى سياسية تتعارض شعاراتها الديمقراطية مع غياب المواعين الديمقراطية داخل مؤسساتها السياسية.
هناك قوى سياسية أصبحت مرجعياتها الفكرية و السياسية خارج أسوار التاريخ، و هؤلاء أصبحوا يشكلون أكبرعائقا لذات الشعارات التي يرفعونها.
إذا، نظرنا للقوى السياسية التي تؤيد الجيش في معركته ضد التدخلات الخارجية، و دعم الميليشيا، نجد أيضا؛ إنها قوى سياسية تفتقد للرؤية و المشروع السياسي، فهي قوى تنشط عندما يتم استدعائها، و لا تمثل قاعدة شعبية عريضة لأنها لم تجرب أن تعرض نفسها لجماهيرها عبر مؤتمرات عامة، فقياداتها جاءت في غياب قاعدتها، و هؤلاء أيضا يبحثون عن مناصب تقدمها لهم قيادة الجيش، الأمر الذي يربك الساحة السياسية، و يجعل الرؤى المقدمة لمعالجة الأزمة السياسية تنحصر في قيادة الجيش أو دول الخارج التي تسعى لتسوية سياسية ترفع بها الذين يدورون في محورها للسلطة حتى تضمن تحقيق مصالحها.
أن التغييرات التي تحدث في منطقة الشرق الأوسط جراء حرب أمريكا و إسرائيل ضد إيران، قد بينت أن المنطقة تمر بمنعرجات عديدة، و سوف تؤدي إلي تغييرات جوهرية في التحالفات المستقبلية، و هذه التغييرات لها أيضا انعكاساتها على الحرب الدائرة في السودان.
و ليس هناك قوى قادرة أن تفرض على الشعوب حلولا لا تقبلها، و لا أن تجبر أية شعب أن يتبنى تصوراتها، و الشعوب هي وحدها القادرة على معالجة آزماتها.
و هي وحدها التي تستطيع أن تقود نهضتها.
لكن العقليات التي تسلقت عبر التاريخ على أكتاف منصات الخارج، لا تستطيع أن تدرك إنها واقعة في آزمة أعمق، و سوف تكون خارج دائرة التاريخ.
أما الشعارات التي ترفع عن الحكم المدني، هي شعارات زائفة، لآن هؤلاء كانوا يحكمون تحت ظل هذه الشعارات، و عجزوا أن يحققوا معبر واحد للمدنية أو عجز هو فشلهم في تكوين المجلس التشريعي الذي يراقب السلطة التنفيذية و يقدم التشريعات المطلوبة عجزوا أن يشكلوا المحكمة الدستورية و المؤسسة العدلية.
هذا الفشل جعل شعاراتهم جوفاء دون مضامين.
و لذلك محاولة التصنيف السياسي، بأن هناك قوى ساعية من أجل تحقيق المدنية و قوى أخرى تريد الحكم العسكري.
تغبيش للوعي و العقل السياسي.
لآن تأييد الجيش باعتباره المؤسسة التي يقع عيها عبء الحفاظ على سيادة الدولة، و التصدي للمؤامرات الخارجية ضد الدولة.
أما التصور للحكم المدني له أشكال عديدة، منها الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية وفقا لدستور 2005 الذي شاركت في صياغته كل القوى السياسية، و تعد نقلة دستورية للحكم، و مطالب رئيس الجمهورية أن يشكل المفوضيات المطلوبة و التحضير إلي الانتخابات العامة، التي يختار فيها الشعب القيادة التي يريدها.
ثم يدعو إلي مؤتمر دستوري تشارك فيه كل القوى السياسية… أو أن تتم الدعوة بعد وقف الحرب إلي انتخابات المجالس المحلية، أيضا لمشاركة أكبر قطاع من الجماهير في العملية السياسية، و يتم ترفيع الانتخابات إلي المحليات و الأقاليم ثم الانتخابات العامة، حتى يكون الحديث عبر القنوات الدستورية المنتخبة.
و هي التي تجعل الخارج بعيدا عن السياسات الداخلية للبلاد.
إن إجراء الانتخابات في المجالس المحلية و المحليات، و أيضا للنقابات و الاتحادات و الإدارات الأهلية، و حتى الأندية الرياضية و اندية الأحياء، و غيرها من المؤسسات، هي الخطوة التي تؤسس للعملية المدنيةفي البلاد.
و ليست شعارات تحاول بها أحزاب ليس لها قواعد اجتماعية أن تملأ الفضاء بشعارات هي نفسها لا تحققها في الواقع.
المدنية تأتي بعد وقف الحزب و دحر التأمر، و كل المشاركين فيه، و تأتي عبر انتخابات دستورية.
نسأل الله حسن البصيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك