تبنى العلاقات الدولية على جذور تاريخية عميقة، وتعد العلاقات العمانية الفرنسية نموذجا بارزا؛ حيث تمتد منذ نحو ثلاثة قرون، وبدأت في سياق التنافس الاستعماري الأوروبي على النفوذ والتجارة في المحيط الهندي، ورغم أن معظم العلاقات العربية الأولى مع الدول الأوروبية كانت محكومة بتقاسم الحصص والإملاءات، إلا أن سلطنة عُمان حافظت على سيادتها واعتمدت سياسة متوازنة تجمع بين التهدئة والمسايرة وتنمية المصالح التجارية المتبادلة.
بدأت الاتصالات الأولى في القرن السابع عشر مع شركة الهند الشرقية الفرنسية التي أسسها جان باتيست كولبير في عام 1664م في عهد لويس الرابع عشر، وكان موقع مسقط الإستراتيجي يجعلها محطة حيوية لتأمين خطوط التجارة الفرنسية نحو الهند، أما الأساس الفعلي للعلاقة فكان التبادل التجاري، خصوصًا عبر جزيرة موريشيوس.
تعززت العلاقات في عهد الإمام أحمد بن سعيد (مؤسس الدولة البوسعيدية) في منتصف القرن الثامن عشر، إذ أدرك نفع الصداقة الفرنسية لمواجهة المنافسة البريطانية والهولندية، ورغم حرص سلاطين عُمان اللاحقين على علاقات متكافئة، إلا أن هذه الجهود واجهت معارضة بريطانية شديدة نظرا لسيطرة لندن على تجارة الخليج عبر بوشهر والبصرة.
أبدى الإمام أحمد بن سعيد في أن ينشئ الفرنسيون لهم وكالة خاصة في ميناء مسقط، نتيجة لتوسع العلاقات التجارية بين سلطنة عُمان والمستعمرات الفرنسية في المحيط الهندي، وقد أكد الإمام هذه الرغبة لأحد المسؤولين الفرنسيين ونقل عنه أنه قال: “إن بلادي هي بلادكم وصداقتنا باقية كما كانت بل إنها أقوى مما كانت عليه في أي وقت مضى”، وعندما زار هذا المسؤول مسقط حظي باستقبال حافل فيها؛ ما دفعه إلى حث حكومته في التقرير الذي رفعه لتعزيز علاقاتها بمسقط.
لم تكن حكومة فرنسا متشجعة لإقامة وكالة تجارية في مسقطفي البداية لم تكن حكومة فرنسا متشجعة لإقامة وكاله تجارية في مسقط، لكنها وتحت تشجيع القنصل الفرنسي في بغداد، وكذلك حاكم موريشيوس، قررت إنشاء قنصليتين في البصرة والأخرى في مسقط في عام 1793م أي بعد ثلاثة أعوام من قيام الثورة الفرنسية، وقد جاء في الكتاب الذي بعث به وزير الخارجية الفرنسي إلى قنصل فرنسا في بغداد الآتي: “إن رغبة إمام عُمان في اعتماد وكيل لديه، وملاحظتكم عن الفوائد التي ستعود على رعايا صاحب الجلالة في الملاحة والتجارة، وعن تسهيل الاتصال بالهند، كل ذلك جعلنا نقرر إقامة وكالة في مسقط”.
ومع تولي السلطان سعيد بن سلطان الحكم (1804-1856م)، نجح السلطان في تعزيز العلاقات التجارية، ففي 15 يونيو 1807م، أرسل وكيله ماجد بن خلفان إلى موريشيوس، وأسفر ذلك عن توقيع اتفاقية ودية وتجارية تمنح فرنسا حق تعيين وكيل تجاري في مسقط، وتمهد للتجارة المباشرة بين الإمبراطورية العمانية (بما فيها زنجبار) وفرنسا.
توجت هذه الجهود بمعاهدة الصداقة والتجارة الرسمية في 4 نوفمبر 1844م، التي وضعت فرنسا على قدم المساواة مع بريطانيا والولايات المتحدة في الموانئ العمانية وفي عام 1849م، حققت رحلة السفينة العمانية الشهيرة “لا كارولين” نجاحا تجاريا كبيرا في مرسيليا بدعم غرفة التجارة الفرنسية.
كما زار مبعوث السلطان الحاج درويش تولون وباريس، حيث استقبله لويس نابليون بونابرت رئيس الجمهورية الفرنسية وقتها.
المتحف العماني الفرنسي تجسيد لتاريخ العلاقاتجسد المتحف العماني الفرنسي الذي (افتُتح في 1992م) هذا التاريخ المشترك، والذي يقع في منزل أثري يعود إلى حوالي 170 عاما قرب قصر العلم بمسقط، وقد أهداه السلطان فيصل بن تركي في عام 1896م لأول قنصل فرنسي، ويضم المتحف ثماني قاعات تحتوي على وثائق تاريخية، وأزياء تقليدية، ومجوهرات، وتحف، ونماذج لسفن عمانية فرنسية.
اليوم وبعد علاقات استمرت لمئات الأعوام، يلتقي البلدان عند قناعة سياسية راسخة بأن الاستقرار لا يتحقق بالحروب والمحاور، بل بالحوار وبناء الجسور، ففرنسا بصفتها قوة أوروبية وعضوا دائما في مجلس الأمن، تجد في مسقط شريكًا موثوقا يمتلك “مفاتيح” الحلول السلمية في المنطقة، ومن أهم هذه الملفات التي تتعاون بها مع سلطنة عمان هي:الملف النووي الإيراني: تثمن باريس عاليا الدور العُماني التاريخي والمستمر في تيسير القنوات للحوار بين الغرب وطهران، لذا؛ تعد عُمان بالنسبة لفرنسا ليست مجرد وسيط، بل “صمام أمان” يمنع الانزلاق نحو مواجهات كبرى.
وفي الأزمة اليمنية: تدعم فرنسا الجهود العُمانية الرامية إلى تحقيق سلام دائم وشامل في اليمن، وتعتمد على تقييم مسقط الدقيق وتواصلها المتزن مع جميع أطراف النزاع لدفع جهود الأمم المتحدة.
كما تشترك العاصمتان في الدعوة إلى احترام القانون الدولي، وسيادة الدول، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية؛ ما يجعل مواقفهما متطابقة في كثير من المحافل الدولية.
وبالجانب العسكري يمتد التعاون بين مسقط وباريس من التنسيق السياسي إلى العمل الميداني المشترك، مدفوعًا بالموقع الجيوإستراتيجي لعُمان المشرف على مضيق هرمز والمحيط الهندي.
تأمين الملاحة الدولية: تشارك البحرية الفرنسية بانتظام في جهود تأمين خطوط الملاحة البحرية ومكافحة القرصنة والتهريب في بحر العرب والمحيط الهندي، بالتنسيق الكامل مع مركز الأمن البحري العُماني، ويعد تمرين “محارب الجبل” بين الجيش السلطاني العُماني والقوات الفرنسية، والتمارين البحرية المشتركة، دليلا على رغبة البلدين في رفع الكفاءة القتالية وتبادل الخبرات في بيئات قاسية (جبلية وبحرية)، وتوفر الموانئ العُمانية (خصوصًا ميناء الدقم الإستراتيجي) محطة حيوية واستثنائية للسفن والقطع البحرية الفرنسية لإعادة التزود بالوقود والصيانة؛ ما يعزز الوجود الفرنسي المسالم في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي الملف الأبرز الشراكة الاقتصادية: “رؤية عُمان 2040” والتحول نحو الطاقة الخضراءانتقلت العلاقات الاقتصادية من الأطر التقليدية القائمة على بيع النفط والغاز وشراء المعدات، إلى شراكة استثمارية وإستراتيجية طويلة الأجل تتماشى مع خطط التنويع الاقتصادي العُمانية.
الاستثمارات التقليدية (TotalEnergies): تعد الشركة الفرنسية العملاقة شريكًا تاريخيا لشركة تنمية نفط عُمان والشركة العُمانية للغاز الطبيعي المسال، وتسهم في تطوير حقول الغاز الكبرى (مثل مشروع مبروك لشمال الغاز).
ثورة الهيدروجين الأخضر (ENGIE): تقود الشركات الفرنسية الآن التحول الكبير في سلطنة عُمان، فتحالفات تقودها شركة ENGIE فازت بمشروعات ضخمة لتطوير الطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين الأخضر في الدقم ومحافظة ظفار، مستفيدة من المقومات الطبيعية الهائلة لعُمان (الشمس والرياح والمساحات المفتوحة).
القطاعات الواعدة الأخرى: لا يقتصر التعاون على الطاقة؛ بل يمتد إلى قطاعات المياه وتحليتها، وإدارة النفايات (حيث تسهم شركات مثل Suez وVeolia)، بالإضافة إلى قطاع النقل، واللوجستيات، والسياحة الفاخرة.
التقارب الثقافي والتعليمي بين الشعبينونشير إلى البعد الثقافي أيضًا حيث إن استدامة أي علاقة سياسية أو اقتصادية تعتمد في المقام الأول على التقارب الثقافي والتعليمي بين الشعبين، فكان المركز العُماني الفرنسي (OFC) يؤدي دورًا محوريًا في مسقط منذ عقود لتعليم اللغة الفرنسية ونشر الثقافة الفرنكوفونية، وبالمقابل تعريف الجالية الفرنسية بالثقافة والتراث العُماني.
بالإضافة للتعاون الأكاديمي هناك تزايد مستمر في عدد البعثات الطلابية العُمانية إلى الجامعات والمعاهد الفرنسية، لا سيما في تخصصات الهندسة، والطاقة، والعلوم السياسية، وإدارة المتاحف والآثار، مستفيدين من الخبرات الفرنسية العريقة في حماية التراث الإنساني.
وتظل عُمان وفرنسا متمسكتين بدبلوماسية “العقل والاتزان”، محولتين التاريخ المشترك إلى وقود لمستقبل أخضر ومستدام يعود بالنفع على الشعبين الصديقين وعلى استقرار المنطقة بأسرها.
-أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية (Archives du Ministère des Affaires Étrangères - باريس)-أرشيف مركز الوثائق والمحفوظات الوطنية بسلطنة عُمان: *- كتاب “تاريخ عمان السياسي”* | تأليف: عبد الله بن محمد الطائي.
- كتاب “عُمان وفرنسا: ثلاثة قرون من العلاقات التاريخية”* | إصدار مشترَك بين وزارة الخارجية العمانية ووزارة الخارجية الفرنسية.
- كتاب “سلطنة عُمان في عهد السيد سعيد بن سلطان”* | تأليف: د.
رغداء زيدان.
- موسوعة “عُمان عبر التاريخ”* | إصدار: مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية.
-كتاب اسطول البن العماني وتجارته / ص 28/-البحث الأكاديمي الموسوم بـ “تجارة الرقيق في العلاقات العمانية الفرنسية خلال القرنين 19 و20”، وهو من تأليف الباحث إبراهيم عبد المجيد محمد حمد، / مجلة المؤرخ المصري عدد 22/2025.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك