الجزائرـ “القدس العربي”: جددت الجزائر في مناسبتين انزعاجها من “السياسات الحمائية” التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على صادراتها، في وقت يرتبط الطرفان باتفاق شراكة مفتوح يضمن للدول الأوروبية تصريف جزء كبير من منتجاتها في السوق الجزائرية.
ففي غضون أيام قليلة، وجّهت الجزائر مع عدد من كبار منتجي الطاقة رسالة مشتركة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي تطالب بمراجعة قواعد تنظيم انبعاثات الميثان التي يمكن أن تحد من صادراتها، وهو ما تزامن مع تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون التي أثارت ملف القيود المفروضة على صادرات الحديد والصلب الجزائرية.
ويعكس هذا التطور عودة الجدل حول مستقبل اتفاق الشراكة الموقع بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، في ظل مطالبة الجزائر بإعادة التوازن إلى علاقة تجارية ترى أنها لم تحقق لها المكاسب المنتظرة.
وكانت الجزائر قد وقعت، في 23 يونيو الجاري، رسالة مفتوحة مشتركة مع كل من قطر ونيجيريا والولايات المتحدة، وُجهت إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا وقادة الدول الأعضاء، تدعو إلى مراجعة لائحة الاتحاد الأوروبي الخاصة بانبعاثات الميثان.
وترى الجزائر، إلى جانب بقية الموقعين على الرسالة، أن الجدول الزمني الذي وضعه الاتحاد الأوروبي لتطبيق متطلبات القياس والإبلاغ والتحقق من انبعاثات الميثان ابتداء من يناير 2027، يصعب الالتزام به بالنسبة لعدد معتبر من موردي النفط والغاز، الأمر الذي قد يؤدي إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة.
وطالبت الرسالة باعتماد آلية تمنح مهلة إضافية لتطبيق التشريع، وحماية العقود طويلة الأجل المبرمة خلال مرحلة تعديل القواعد، مع تعليق العقوبات خلال الفترة الانتقالية.
وأكد وزير الدولة وزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب، بالمناسبة، أن الجزائر تنخرط في هذه المبادرة باعتبارها شريكاً استراتيجياً وموثوقاً للاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، وأن هدفها يتمثل في ضمان أمن الإمدادات الأوروبية مع تحقيق توازن بين المتطلبات البيئية واستقرار سوق الطاقة.
وقبل ذلك بأيام، عاد الرئيس عبد المجيد تبون لإثارة ملف آخر يتعلق بالقيود الأوروبية، خلال زيارته لمعرض الجزائر الدولي، حيث انتقد نظام الحصص المفروض على صادرات الحديد والصلب الجزائرية نحو السوق الأوروبية.
وقال الرئيس تبون إن الحكومة مطالبة بالتفاوض مع الجانب الأوروبي لفتح حدوده أمام الحديد والصلب الجزائري، مؤكداً أن فرض نظام “الكوطة” على الجزائر “غير مقبول”، في وقت لا تفرض فيه الجزائر حصصاً أو قيوداً مماثلة على وارداتها القادمة من الاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن الواردات الجزائرية من الاتحاد الأوروبي تمثل نحو 85 بالمائة من إجمالي الواردات، معتبراً أن هذا الواقع يفرض معاملة أكثر توازناً للصادرات الجزائرية، خصوصاً وأن الصلب الجزائري، بحسب قوله، يتميز بجودة عالية وانخفاض كبير في انبعاثات الكربون، ما يجعله منتجاً يتماشى مع التوجهات البيئية الأوروبية.
وتخضع صادرات الحديد والصلب الجزائرية حالياً لنظام حصص وقائية، بحيث تتنافس عدة دول على حصة جماعية، وعند استنفادها تُفرض رسوم جمركية تصل إلى 25 بالمائة على الكميات الإضافية.
ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع من التذمر الجزائري المتواصل من اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2005، والذي ترى الجزائر أنه أفرز اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري، وجعلها سوقاً واسعة للمنتجات الأوروبية، دون أن يقابله تدفق مماثل للاستثمارات أو فتح فعلي للأسواق الأوروبية أمام المنتجات الجزائرية.
ومنذ سنة 2021، أعلن الرئيس تبون لأول مرة ضرورة مراجعة الاتفاق بنداً بنداً، مؤكدا أن هذه المراجعة لا تأتي على خلفية نزاع مع الاتحاد الأوروبي، وإنما في إطار دعم العلاقات الثنائية وفق مبدأ “رابح ـ رابح”.
وأوضح الرئيس أن المعطيات الاقتصادية التي بني عليها الاتفاق تغيرت بشكل كبير، إذ كانت الصادرات الجزائرية تعتمد أساساً على المحروقات عند توقيع الاتفاق، بينما أصبحت الجزائر اليوم تصدر منتجات متنوعة خارج قطاع الطاقة، تشمل المواد الفلاحية والإسمنت والمعادن والمواد الغذائية وغيرها، وهو ما يستدعي، بحسبه، إعادة تكييف الاتفاق مع الواقع الاقتصادي الجديد.
وفي السياق نفسه، أكد وزير الخارجية أحمد عطاف، في عدة مناسبات، أن الجزائر لا تطالب بإلغاء الاتفاق، وإنما بإجراء مراجعة شاملة تعيد إليه التوازن المطلوب، وتجعله أكثر انسجاماً مع التحولات التي شهدها الاقتصاد الجزائري خلال العقدين الأخيرين.
واستند الوزير في تبرير هذا الموقف إلى أرقام اعتبرها معبرة عن الخلل القائم، إذ بلغ حجم المبادلات التجارية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ حوالي ألف مليار دولار، في حين لم تتجاوز الاستثمارات الأوروبية في الجزائر 13 مليار دولار، يتركز معظمها في قطاع الطاقة، مقابل تحويل الشركات الأوروبية نحو 12 مليار دولار من الأرباح خلال الفترة نفسها.
وتعتبر الجزائر أن هذه المؤشرات تكشف استفادة واضحة للطرف الأوروبي من الاتفاق، مقابل استمرار العجز التجاري الجزائري خارج قطاع المحروقات، رغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة لتشجيع الإنتاج الوطني وتنويع الصادرات.
وتؤكد السلطات الجزائرية أن المشكلة لم تعد تقتصر على اختلال الميزان التجاري، بل أصبحت تشمل أيضاً ظهور عراقيل جديدة أمام المنتجات الجزائرية التي بدأت تجد لها مكاناً في الأسواق الخارجية.
وكان منع تصدير شوكولاتة “المرجان” قبل سنتين، والتي كانت تلقى رواجا كبيرا خاصة في السوق الفرنسية، أبرز الأمثلة على معاناة المنتجات الجزائرية في دخول أسواق أوروبا.
فقد مُنع دخول المنتج إلى الأسواق الأوروبية استناداً إلى لوائح تتعلق بمنع استيراد مشتقات الحليب، رغم أن المادة الأولية المستعملة مستوردة أصلاً من أوروبا، وهو ما اعتبره كثيرون في الجزائر دليلاً على ازدواجية في تطبيق القواعد التجارية عندما يتعلق الأمر بمنافسة المنتجات الأوروبية.
في المقابل، لا يتبنى الاتحاد الأوروبي القراءة نفسها للأزمة.
فبروكسل ترى أن اتفاق الشراكة يظل إطاراً مناسباً للتعاون الاقتصادي، وأن معالجة الاختلالات التجارية لا تمر بالضرورة عبر تعديل نصوص الاتفاق، وإنما من خلال تعزيز تنافسية الاقتصاد الجزائري وتحسين مناخ الاستثمار.
كما يشير المسؤولون الأوروبيون إلى أن الاتحاد سبق أن راعى خصوصية الاقتصاد الجزائري عندما وافق، بعد مفاوضات انطلقت سنة 2010، على تأجيل بعض مراحل التفكيك الجمركي لإعطاء المؤسسات الجزائرية وقتاً إضافياً للاستعداد للمنافسة.
غير أن العلاقات التجارية شهدت لاحقاً توترات جديدة، خصوصاً بعد اعتماد الجزائر إجراءات لتقييد بعض الواردات، ثم وقف عمليات التوطين البنكي للاستيراد من إسبانيا سنة 2022 على خلفية الأزمة السياسية بين البلدين، وهو ما دفع المفوضية الأوروبية إلى إطلاق إجراءات لتسوية الخلاف مع الجزائر، معتبرة أن بعض التدابير الجزائرية تتعارض مع التزامات اتفاق الشراكة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك