جلباب مغربي نسائي عادي وحجاب مغربي يسمى" الزيف" أو" زيف حياتي"، وسيدة ستينية لا تظهر إلا مرتين في اليوم، وفي المرتين تكون في طريقها إلى مدرسة حفيدها.
من بعيد تظهر كجدة تشبه جميع الجدات في المغرب، فلا شيء فيها مختلف عنهن، ثم ترمي سلاما خفيفا على المارين بجانبها وتمضي في الطريق.
كانت المرة الوحيدة التي تجاوزت فيها هذه السيدة مجرد" السلام" معي يوم مباراة المغرب وفرنسا في نصف نهائي مونديال قطر 2022، حين دعت، مثل جميع الأمهات حينما يتعلق الأمر بمباراة كرة قدم: " الله يسهل عليهم".
لم يتوقع أحد أن يصل المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم، وكان الأمل قبل سنوات هو مجرد الوصول إلى نصف نهائي كأس أفريقيا.
list 1 of 2" البحار الأربعة" ضد إسرائيل.
كيف أنصفت الجغرافيا تركيا وسوريا؟list 2 of 2لماذا باكستان؟ سر الوساطة" الملغمة" والمشير الذي لم ينمبدت هذه السيدة، رغم أنها غالبا غير مهتمة في العادة بكرة القدم، واضحة في انحيازها للمنتخب نتيجة هويتها، إنها سيدة مغربية ببساطة.
بيد أن هذا الأمر لم يكن سهلا بالنسبة لكثيرين غيرها ممن انتظروا المباراة، إذ كان اختبار الهوية دقيقا.
فتشجيع منتخب كرة القدم يعكس انتماء لوطن ما، لكن الإجابة عن سؤال" إلى أي مكان تنتمي؟ " قد تكون أصعب مما يبدو في بعض الأحيان.
" لا أعرف كيف سأعيش تلك اللحظات بين فرنسا والمغرب، إذ سيكون ذلك كما لو أن والدي يتنافس ضد والدتي.
الأمر مستحيل، إنها معضلة شديدة التعقيد"هناك صورة شهيرة تداولها المغاربة والفرنسيون كثيرا للكوميدي الفرنسي ذي الأصل المغربي، أو المغربي ذي الجنسية الفرنسية، وهو يرتدي قميصا منقسما؛ نصف لقميص المنتخب المغربي ونصف ثانٍ لقميص منتخب فرنسا.
على موقع" إكس" كتب جمال الدبوز يوما: " نصران يجب تحقيقهما للتاريخ.
ديما المغرب، يحيا الأزرق"، كما نشر الدبوز بعد ذلك صورة مع كل من أشرف حكيمي نجم باريس سان جيرمان، وزميله في الفريق حينها، مهاجم ريال مدريد كيليان مبابي، مرفقة بقلوب على هيئة أعلام البلدين.
أثار موقف الدبوز سخرية الكثير من المغاربة، كما حفز غضب إعلاميين وفنانين اعتبروا أن الهوية لا يمكن أن تكون مزدوجة، فالمواطن إما يكون مغربيا أو فرنسيا، ولا يمكن أن يجمع بينهما، ويستحيل أن يجمع بين نقيضين، خصوصا أننا نتحدث في ضوء تاريخ استعماري يجمع البلدين، إذ سطت فرنسا على المغرب مثله مثل العديد من الدول الأفريقية.
ربما يجد المغاربة المولودون في المغرب من المقيمين وغير المقيمين صعوبة كبيرة في فهم الصراع النفسي والهوياتي الذي يعيشه المغاربة المولودون في الدول الأوروبية ولو لأسر مغربية، إذ يعيش مزدوجو الهوية، وليس الجنسية فقط، حاملين هم الانتماء لبلد ولدوا فيه، وعاشوا فيه طفولتهم، وكونوا فيه ذكرياتهم، وأتقنوا لغته كلغة أم، في حين أنهم قادمون من بلد آخر يعيشونه مع أسرهم وفي حياتهم اليومية الخاصة وعلى موائدهم وفي طقوسهم الدينية.
" منحت مباراة المغرب وفرنسا فرصة للفرنسيين ذوي الأصل المغربي لإعلان هويتهم المغربية العربية، بعد سنوات من محاولات الاندماج المتعثرة"تقول صحيفة" لوموند" الفرنسية في تقرير نشرته قبيل مباراة نصف النهائي بين المنتخبين المغربي والفرنسي عام 2022، إن هذا الحدث الرياضي جعل المهاجرين من شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء الذين اختاروا فرنسا للهجرة" اختيارا" يعيشون المباراة كأنها" عائد عادل وانتصار على الآلام والإهانات المرتبطة بالهجرة"، كما شكلت المباراة فرصة لمئات الآلاف من الفرنسيين ذوي الأصل المغربي، وللمغاربة المولودين في فرنسا، لإعلان هويتهم المغربية العربية، ردا على سنوات من محاولة الذوبان، التي لم يقابلها سوى التشكيك في انتمائهم لفرنسا، التي حاولوا الانتماء لها دون نجاح كبير يذكر.
تذكر لوموند العديد من اللحظات والذكريات المشتركة التي اختلطت فيها الألوان الفرنسية والمغربية، مثل التضامن بين عمال المناجم، الفرنسيين والمغاربة في شمال فرنسا.
بيد أن المباراة كانت فرصة تاريخية لليمين الفرنسي من أجل صب الزيت على النار عبر إظهار" الصدمة والمفاجأة" من تشجيع الفرنسيين من أصل مغربي للمغرب بدلا من فرنسا، " البلد الذي آواهم وأطعمهم من جوع وطببهم من المرض" وفق لسان حال هؤلاء ولسان مقالهم أيضا.
كان لفرنسا وأوروبا نصيب في نجاح المنتخب المغربي، فبعيدا عن مزدوجي الجنسية من اللاعبين، الذين وصل عددهم إلى 14 لاعبا من أصل 26، ولد وليد الركراكي نفسه، مدرب المنتخب المغربي حينها، بمنطقة" كوربي إيسون" شمالي فرنسا قرب العاصمة باريس، ولعب للعديد من الأندية الفرنسية، وقد أكد بعد هزيمة بلاده أمام فرنسا أنه سيشجع منتخب" الديكة" في المباراة النهائية ضد الأرجنتين.
في فرنسا، يعرف هؤلاء المواطنون أنفسهم بأنهم" فرنسيون من أصول مغربية"، في حين يعرفون في المغرب بوصفهم مغاربة مهاجرين، وهو وصف غير دقيق، لأن المهاجرين هم الجيل الأول، في حين أن الأجيال الأخرى في غالبيتها لا تنظر إلى الموضوع من هذه الزاوية، فهم مولودون في أوروبا وتنحصر علاقتهم بالمغرب في كثير من الأحيان في إطار الزيارات الموسمية.
ويزيد الأمر تعقيدا في دولة مثل فرنسا، مهووسة بسحق جميع الهويات المحلية والأجنبية لصالح هوية واحدة جامعة، يطلق عليها الفرنسيون" الهوية الباريسية".
" تزداد مسألة ازدواج الهوية تعقيدا في دولة مثل فرنسا، مهووسة بسحق جميع الهويات المحلية والأجنبية لصالح هوية واحدة جامعة"في هذه المباراة، اختار بعض المشاهير من" مزدوجي الجنسية" تشجيع المغرب، كما كان الأمر بالنسبة للكاتبين الطاهر بن جلون وليلى سليماني.
وقد قال الطاهر بن جلون في تصريح لصحيفة" لوموند" إن منتخبا مثل أسود الأطلس قادر على الذهاب بعيدا في البطولة، وتحركه رغبة جامحة بالفوز، وتصميم يجعله قويا لا يغلب، مضيفا: " أود لو كان في استطاعتي أن أقول، فليفز الأفضل، لكن يختلجني شعور من نوع جديد، ذلك الذي يثيره فيَّ مسقط رأسي وجذوري الضاربة في العمق".
أما السليماني المولودة في الرباط لأب مغربي وأم فرنسية، والمعروفة في الأوساط الفرنسية بأنها كاتبة وناشطة في مجال" تحرير المرأة"، فأكدت أنها تأمل في فوز المغرب لكنها ستكون سعيدة إذا ما تأهلت فرنسا حيث قالت: " أنا فخورة ببلدي، وآمل أن يفوز المغرب ويتأهل إلى المباراة النهائية.
يبقى المغرب منتخب قلبي، لكني سأكون سعيدة لو فازت فرنسا".
أظهر المغاربة داخل المملكة وخارجها اهتماما استثنائيا بهذا المنتخب، وزادت الإنجازات الكروية من رفع الشعور الوطني، وقد أشادت مجموعة من الكتابات المغربية بـ" الروح الوطنية والتلاحم الكبير" الذي تميز به اللاعبون المهاجرون، الذين وإن صقلوا مواهبهم في نوادٍ أوروبية، إلا أنهم لم ينسلخوا أبدا عن قيم وطنهم الأم وهويتهم الثقافية.
يختلف الباحثون في تسمية الأجيال الجديدة ذات الأصول المغربية في فرنسا وسائر دول أوروبا: شباب مهاجر من أصل مغربي أو مهاجرين، أو شباب الجيل الثاني، أو وافدين، وتعتبر هذه الحيرة جزءا طبيعيا من" الحيرة الهوياتية" التي يعيشها هؤلاء الشباب.
وفي مشروع أكاديمي أنتجته مجلة" إيسبري كريتيك" (Esprit Critique) شمل مجموعة من العائلات المغاربية الممتدة، حاول الباحث عبد الله العبادي فهم الظروف المحيطة التي تساهم في تشكيل هؤلاء الشباب، ووعيهم وهويتهم وأهدافهم.
تقول الدراسة إن اللغة المنطوقة داخل الأسر هي غالبا العربية أو الأمازيغية بحسب مناطق الهجرة، والسبب هو عدم إتقان الجيل الأول أو الجيل المهاجر للغة الفرنسية، فغالبا لا تتحسن القدرات اللغوية للآباء بسبب عيشهم في مجتمعات مغاربية منغلقة تشبه" الغيتوهات" تتيح لهم استعمال لغتهم الأم للحصول على احتياجاتهم اليومية الضرورية.
ويتلقى الشباب (الأبناء) في أغلبهم تربية تقليدية ذات بعد ديني، ويتعلمون العربية في الصغر من أجل التواصل مع العائلة في المغرب.
" العربي في فرنسا وفي أوروبا مهما اندمج، ومهما أحب بلده الغربي، يظل عربيا غريبا على الأغلب"لكن رغم كل هذه الجهود، تعتبر الهجرة المغاربية إشكالية كبيرة بالنسبة لجيل الآباء والأبناء على حد سواء، حيث تُعَد الهجرة قطيعة في الانتساب وقطيعة مع الإطار الثقافي الداخلي.
وفي غالب الأحيان، يمر الشباب المنحدر منها بفترات حرجة يخرجون فيها بشكل شبه كامل عن سطوة الهوية الأولى، حيث تتأرجح التنشئة بين نظامين مختلفين من المرجعيات والقيم؛ نظام تربية الوالدين القادم من الثقافة المغربية، الذي يصطدم بالنظام الثقافي الفرنسي أو الأوروبي، حيث تستقر الأسرة.
أن تكون مهاجرا عربيا أو أفريقيا في الغرب فهذا يعني أنك في الغالب ستعيش في أحياء هامشية في شقة تنتمي للسكن الاجتماعي، حيث تجتمع العائلة في أماكن ضيقة مكتظة، وفي مناطق مهمشة لا تنتمي للمجتمع الأساسي في تلك الدولة، ما يزيد من الشعور بالاغتراب ويجعل أسئلة الهوية أكثر إلحاحا خاصة في مرحلة المراهقة.
في فرنسا على سبيل المثال، يكون غالبية أبناء المهاجرين على موعد مع خبر سيء للغاية، وهو أن المجتمع الفرنسي، وإن اعتبر قانونيا وإداريا هؤلاء الشباب فرنسيين، إلا أن النظرة المجتمعية إليهم تظل هي نفسها: " عرب وأفارقة غرباء".
على مدى العقود الأخيرة، عملت وزارة الداخلية الفرنسية على حل مشاكل أحياء العرب في الضواحي من زاوية أمنية بحتة هي مواجهة العنف، لكن دون بحث حقيقي عن مصدر هذا العنف.
وغالبا ما تتجاهل مقاربات الدولة الرسمية أن جوهر المشكلة يكمن في أن هؤلاء الشباب المنحدرين من الهجرة المغاربية يشعرون بالإقصاء والتجاهل والرفض.
فقد فشل نموذج" الإدماج" بسبب الإقصاء الاجتماعي والمدرسي للشباب، فأحس أبناء المهاجرين بضياع في الهوية، ما دفعهم للبحث عن هوية بديلة، فكان التوجه نحو الدين ثم الهوية العربية.
ولذا فإن العربي في فرنسا وفي أوروبا مهما اندمج، ومهما أحب بلده الغربي، يظل عربيا، وتؤكد ذلك الامتحانات السياسية والاجتماعية والثقافية في كل مرة ولو كانت مباراة كرة قدم.
في ظل هذا العطش للهوية تأتي الرياضة لتلعب دورا أساسيا في المغرب.
وتلعب الجاليات المغربية في الخارج دورا مهما في تحويل الانتصارات الرياضية إلى مناسبات وطنية عابرة للحدود، فقد باتت احتفالات المغاربة في باريس ومدريد ومونتريال وبروكسل عقب كل إنجاز رياضي تجسد الهوية المغربية الجامعة التي تتجاوز الجغرافيا.
وباتت الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، صلة ربط بين الأجيال المهاجرة وجذورها، حيث يتحول الحضور الشعبي الخارجي إلى سفارة متنقلة، ترفع رايات المغرب فخرا وانتماء.
ويتعامل المغرب بطريقة مختلفة وحذرة مع جاليته المقيمة في الخارج، فهناك 5 ملايين مغربي منتشرين في أنحاء العالم الفسيح، غالبيتهم يتمركزون في غرب أوروبا وكندا والولايات المتحدة، ويعتبرهم المغرب اجتماعيا ورسميا" مغاربة مقيمين بالخارج".
تلك" الدياسبورا" (Diaspora) المغربية تلعب مع الوقت دورا كبيرا في الرياضة وخصوصا كرة القدم، فإذا ما قارنا بين المنتخب المغربي المشارك في مونديال المكسيك 1986، الذي كان حتى الأمس القريب صاحب الإنجاز الإعجازي بالمرور إلى الدور الثاني في المونديال، وبين المنتخب المغربي المشارك في مونديال قطر 2022، يظهر جليا أن حضور اللاعب المحلي تقلص كثيرا مقابل حضور اللاعب" المهاجر"، الذي لم يعد مجرد متفرج سعيد بإنجازات بلده، بل بات العمود الفقري لهذه الإنجازات.
" تلعب الجاليات المغربية في الخارج دورا مهما في تحويل الانتصارات الرياضية إلى مناسبات وطنية عابرة للحدود"بعد الانتصارات الأخيرة للمنتخب المغربي، ظهرت العديد من التحليلات التي تتحدث عن استفادة المغرب من اللاعبين" الأجانب" ذوي الأصول المغربية، إلا أن هذا التحليل لا يصيب الدقة فيما يتعلق بـ" هوية" هؤلاء اللاعبين أنفسهم.
ففي حين كان اختيار تمثيل المغرب سابقا محصورا في اللاعبين الذين يعرفون أن فرصهم في تمثيل الدول الأوروبية ضعيفة، أصبح الوضع مختلفا تماما، وظهر عدد من اللاعبين من أفضل لاعبي العالم، والناشطين في العديد من الأندية التي تنافس في الدوريات الخمس الكبرى، لكنهم يختارون المغرب من سن صغيرة، مثل أشرف حكيمي وإسماعيل الصيباري وأيوب بوعدي، وهي نماذج تقول الكثير في هذا الصدد.
في عام 2022، استفاد المغرب من 100 مليار درهم مغربي (نحو 10 مليارات دولار) على هيئة تحويلات من جاليته المقيمة في الخارج.
في بداية موجات الهجرة كانت البلاد ترسل عمالا وتجارا للضفة الأخرى، أما اليوم، فتضم الجالية المغربية أطباء ومهندسين ومثقفين وكتابا ورياضيين.
حضر اللاعب المغربي في الفرق الفرنسية والإسبانية والبلجيكية والهولندية والإيطالية منذ عقود طويلة، وكان أول المشهورين منهم أسطورة المغرب الكروية العربي بن مبارك، الذي لعب في مارسيليا وأتلتيكو مدريد بين عامي 1938-1954، وكان أول لاعب غير فرنسي يشارك في الفريق الوطني الفرنسي، ثم اللاعب حسن أقصبي الذي انتقل من فريق الفتح الرباطي إلى نيم الفرنسي، ثم مواطنه رابس، ولعب إلى جانب هداف كأس العالم، جوست فونتين، الذي ولد هو الآخر بالمغرب.
شكل إنجاز" أسود الأطلس" صفحة جديدة في علاقة المهاجرين وأبنائهم بوطنهم الأم؛ الانتماء لوطن" ناجح"، ولو في الرياضة، خصوصا أن النجاح لم يكن صدفة، بل أتى ثمرة خطة ترعاها الدولة والملك نفسه، الذي خرج إلى الشارع للاحتفاء مع الشعب بإنجاز المنتخب المغربي في مشهد نادر الحدوث.
لم يكن إقناع جميع هؤلاء اللاعبين من صانعي المجد الكروي للمغاربة سهلا، فقد حملت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مشروعها وجالت به عواصم أوروبا من أجل الحصول على اللاعبين ذوي الأصول المغربية، وهذا ما يقوله فوزي لقجع رئيس الجامعة، الذي يتحدث دائما عن مشروع كروي تقدمه بلاده لاستقطاب هؤلاء الشباب، وآخرهم أيوب بوعدي، جوهرة متوسط ميدان المغرب، الذي كان حديث الشارع الرياضي بعد تألقه اللافت في مباريات كأس العالم الدائرة حاليا.
" منحت الإنجازات الرياضية المهاجرين المغاربة إحساسا بالانتماء إلى وطن ناجح، حتى وإن كان ذلك النجاح في كرة القدم"في مقال لها، تقول الدكتورة نزهة الوفي، الوزيرة السابقة المكلفة بالجالية المغربية، إن مغاربة العالم يعيشون ما يسمى بـ" المواطنة العابرة" وهي علاقة مختلفة تتحكم فيها الكثير من المعطيات؛ الجيل، والجنس، وبلد الإقامة، ومدى التجذر.
بيد أن الارتباط بالوطن الأم يبقى حاضرا لدى الجميع بصيغ متعددة.
وتضيف الوفي بأن الجيل الأول للمهاجرين يعبر عن ارتباطه بالولاء العاطفي والرمزي، في حين تعيد الأجيال الصاعدة صياغة هذا الولاء ضمن هوية مزدوجة أكثر وعيا بالاختلاف الثقافي، لكن دون التخلي عن المغرب كمكون أساسي في بنية الهوية المركبة.
ويترجم ذلك عبر الحضور اللافت لمغاربة العالم في المناسبات الدينية والوطنية، وفي الإقبال على تعلم اللغة العربية، والتمسك بالمرجعية الإسلامية وزيارات المغرب، والانخراط في القضايا التي تهمه من بعيد.
وترى الوزيرة المغربية السابقة أن هذه الهوية المركبة تتماشى والسياق العالمي الجديد الذي يشهد تحولات في مفاهيم السيادة والانتماء، فلم تعد الدولة الوطنية الفضاء الحصري للمواطنة، بل ظهرت أشكال جديدة من" المواطنة المتعددة"، تتيح للفرد أن يكون منتميا لفضاءين في آن واحد دون تناقض.
" يزف صاحب الجلالة بفرحة عارمة للشعب المغربي نبأ اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم لملف المغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030"بواسطة (مقتطف من إعلان القصر فوز المغرب بتنظيم كأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال)في عام 1990، ابتكر عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي مفهوم" القوة الناعمة"، وذلك لوصف قدرة الدول على التأثير في سلوك الآخرين عبر الجاذبية لا الإكراه، حيث تتمكن الدول من تسويق نفسها عبر الثقافة والقيم والسياسات.
وحينما تحدث ناي عن القوة الناعمة، كان العالم السياسي الأمريكي يقصد الولايات المتحدة وهوليوود والجامعات الأمريكية وجاذبية النموذج الليبرالي، لكنه لم يكن يتخيل زاوية صوفية أو كرة في الشباك أو طبقا ذكيا.
يمكن اعتبار المغرب الحالي من أبرز الدول العربية التي تعمل على استعمال القوة الناعمة، إذ باتت المملكة تقدم إجابتها الخاصة لسؤال مهم: كيف تبني دولة نفوذا دوليا لا يعتمد على الجيوش أو الاقتصادات الضخمة؟ وتستند هذه الإجابة إلى التاريخ والجغرافيا والتنوع، مقدمة بذلك نموذجا يستحق الدراسة، بعيدا عن السرديات الرسمية، لكيفية تحويل الهوية إلى أداة نفوذ حقيقية.
" يقدم المغرب نموذجا لكيفية تحويل الهوية إلى أداة نفوذ حقيقية"يقع المغرب صدفة في موقع تقاطع حضارات تشكلت عبر قرون من التداخل والذوبان.
ففي فاس تظهر روح الأندلس واضحة حيث تحمل المدينة ذاكرة المسلمين الذين رحلوا من شبه الجزيرة الإيبيرية، وحملوا معهم فنونا وحرفا وعلوما أضافوها إلى ما وجدوه في المدينة.
ونجد مراكش بساحتها الشهيرة" جامع الفنا"، المصنفة تراثا إنسانيا غير مادي من اليونسكو، حيث الرواة والموسيقيون والطهاة.
ثم هناك مدن أخرى، مثل الرباط وطنجة والدار البيضاء وأغادير، ولكل مدينة بصمة وتراكم تاريخي وتراثي خاص، إذ تختلط الأعراق واللغات؛ العربية بوابة العالم العربي، والأمازيغية المشيرة إلى الهوية القديمة الممتدة للساكنة، ثم الفرنسية لمخاطبة أوروبا وأفريقيا، والإسبانية لفتح المجال مع شبه الجزيرة الإيبيرية ومجتمعات أمريكا اللاتينية، وقبل كل ذلك الدارجة المغربية التي تشكلت بمزيج من كل هذه اللغات.
يجد المغرب اليوم نفسه بفضل تراكمات ثقافية تشكلت على مر قرون طويلة مسلحا بثقافة مختلفة تسمح له باستعمالها كقوة ناعمة.
وفي يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 2008، وجه الملك محمد السادس رسالة للمشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة، التي أقيمت بمدينة الصخيرات وكانت بمثابة خارطة طريق للثورة الرياضية التي ستعرفها المملكة بعد ذلك، إذ أصبح ملف تطوير الرياضة مشروعا ملكيا يقف عليه القصر، ما يعني إخراج إستراتيجياته الكبرى من أيدي الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد.
" أصبح تطوير الرياضة مشروعا ملكيا يقف عليه القصر"تبنى المغرب رسميا الرياضة أداة من أدوات القوة الناعمة، وحققت المنتخبات المغربية المختلفة إنجازات كبرى، في كأس العالم للكبار وكأس العالم الشباب وكأس أفريقيا للناشئين وكأس أفريقيا للمحليين، وفي الألعاب الأولمبية وفي كرة القدم للصالات وحتى في كرة قدم السيدات.
وساهمت هذه الإنجازات في تشكيل هوية جديدة للمغرب، فأصبحت صورة المملكة في الخارج مرتبطة بالنجاح، وإن كان رياضيا.
ظهرت رغبة المغرب في تحقيق السمعة العالمية انطلاقا من الرياضة من تقدمه لاستضافة كأس العالم لعام 2010، قبل أن تميل الكفة لصالح جنوب أفريقيا، التي حظيت بشرف استضافة أول مونديال أفريقي، قبل أن تحقق المملكة حلمها باستضافة المغرب كأس العالم 2030 مع الجارتين إسبانيا والبرتغال.
وكان الخبر مهما إلى درجة أن الملك أعلن عنه بنفسه في رسالة وجهها للشعب.
استعدادا لهذا المونديال تقدم المغرب لاستضافة كأس الأمم الأفريقية، الذي بات مناسبة من أجل إظهار المغرب لسرديته" الحداثية" التي تتبناها الدولة، كما أن هذه المناسبة بجانب أهميتها القارية تمثل وسيلة تعزز الفخر الوطني وتبرر الاستثمارات العامة الضخمة في مجال الرياضة، رغم الجدل الذي سبق البطولة بسبب حراك" جيل زد"، ورفعه شعارات انتقدت أولويات الإنفاق واعتبرت أن أهمية البنية التحتية الرياضية على المدى الطويل ليست بأهمية الصحة والتعليم.
إقليميا، اعتبر المغرب كأس أفريقيا تتويجا للنجاحات السياسية التي حققتها المملكة بعد عودتها للاتحاد الأفريقي عام 2017، حيث عمل المغرب على تعزيز شبكاته الدبلوماسية والمؤسساتية.
أما على المستوى العالمي فكانت كأس أفريقيا فرصة للمغرب لتقديم نفسه للعالم وإثبات قدراته التنظيمية والتموقع داخل منظومة الحوكمة الرياضية الدولية، عبر إظهار جودة التنظيم، وإدارة الأمن، وتجربة الجماهير، والتغطية الإعلامية الدولية؛ وذلك بهدف تعزيز مصداقية المغرب لدى الهيئات الرياضية العالمية، دون نسيان صورة المغرب داخل أفريقيا، إذ تسعى المملكة لتقديم نفسها على أنها قوة هادئة تتوسع في أفريقيا عبر رؤية إستراتيجية طموحة، تتجاوز مجرد فرحة بهدف في مباراة.
" أصبح المغرب يعرف نفسه في الداخل قبل الخارج بأنه البلد الذي نجح رياضيا"كما أن الانتصارات الرياضية قد تحتوي في بعض الأحيان أزمات داخلية، كما حدث أثناء احتجاجات جيل زد، التي تزامنت مع فوز المنتخب المغربي للشباب بكأس العالم، فتحول الوضع في الشارع من الخروج للاحتجاج إلى الخروج للاحتفال.
وقد أصبح المغرب يعرف نفسه في الداخل قبل الخارج بأنه البلد الذي نجح رياضيا، وصاحب الإنجازات في هذا المجال.
وقد ساهمت هذه الإنجازات في صياغة هوية جديدة للبلاد عبر قوة كرة القدم الناعمة.
الكرة، تلك القوة الطاغية التي تتنفسها أزقة الدار البيضاء والرباط والقنيطرة وطنجة وأغادير، ساهمت أيضا في مساعدة مجموعة من الشباب المغربي المهاجر في العثور على هوية نابعة من الأصل، هوية تقبلهم رغم اختلافهم الاجتماعي وذائقتهم الغربية، وتجد لهم مكانا كاملا داخل الهوية الوطنية، التي تراهم كاملي المواطنة.
ولا زالت هذه الإنجازات مستمرة، ومن المتوقع أن تبلغ أوجها مع احتضان المغرب لكأس العالم 2030، ليتوج هذا العرس الكروي عقودا من الشغف والجهد، ويعيد صياغة مفهوم التلاحم بين الوطن وأبنائه أمام العالم أجمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك