يُعدّ قمر الدين من أشهر المنتجات التقليدية المرتبطة بموسم المشمش في بلاد الشام، وخصوصاً في سوريا التي تُعدّ واحدة من أبرز مواطنه التاريخية.
يُحضَّر عادةً من المشمش الناضج الذي يُهرس ويُطهى ثم يُفرد على شكل صفائح رقيقة تُجفف تحت الشمس أو بطرق تقليدية، ليُحفظ ويُستخدم لاحقاً في إعداد شراب رمضاني معروف يحمل الاسم نفسه.
تعود نشأة قمر الدين في الروايات الشائعة إلى مدينة دمشق، حيث ارتبط اسمه بالمشمش الدمشقي الشهير وجودته العالية، ثم انتشر لاحقاً في مناطق أخرى من بلاد الشام مثل لبنان والأردن وفلسطين، كما وصل إلى تركيا وبعض مناطق شمال إفريقيا عبر التبادل التجاري والثقافي.
ومع مرور الزمن، لم يعد قمر الدين مجرد منتج موسمي، بل أصبح جزءاً من الذاكرة الغذائية الرمضانية في هذه المناطق، حيث يُستهلك بشكل واسع كمشروب منعش على موائد الإفطار، جامعاً بين الطابع التراثي والقيمة الغذائية للمشمش.
تتعدد الروايات التاريخية حول تسمية" قمر الدين" بهذا الاسم، أبرزها قضة الخليفة الأموي" الوليد بن عبد الملك" الذي كان عاشقاً لهذا المشروب، فكان يأمر بتوزيعه ابتهاجاً برؤية هلال رمضان، وهذا ما جعل الناس يعتبرونه طقساً من طقوس الشهر الكريم.
وهناك رواية أخرى حول قرية" أمر الدين" في الشام والتي تدور أقاويل حول كونها أول من أنتج هذا العصير الذي نسب إليها ثم حرف اسمه بمرور الزمن ليصبح قمر الدين.
أما قصة الصانع، فهي أكثر الروايات شعبية والتي تذكر بأن هذا المنتج ينسب إلى شخص اسمه قمر الدين والذي كان أول من ابتكر طريقة لتجفيف المشمش تحت أشعة الشمس عبر تحويله إلى رقائق.
وأياً كان أصل التسمية، فإن سوريا، الموطن الأصلي لهذا المنتج، لم تعد تنتج قمر الدين بكميات هائلة سنوياً كما كانت تفعل من قبل، فقد تراجع الإنتاج بعد الحرب بسبب تضرر بساتين المشمش والحرائق التي تعرضت لها، فضلاً عن خروج مساحات شاسعة منها عن الخدمة.
توضح أحدث المؤشرات الميدانية والزراعية المتاحة بعد هدوء العمليات العسكرية الكبرى والتغيرات السياسية الأخيرة في سوريا (وصولاً إلى عام 2026)، أن الإنتاج الإجمالي التقديري لقمر الدين في سوريا يتراوح حالياً ما بين 3000 إلى 4000 طن سنوياً، و يعكس هذا الرقم تراجعاً كبيراً مقارنة بفترة ما قبل الحرب التي كانت تسجل عشرات آلاف الأطنان، لكنه يمثل بداية تعافٍ تدريجي.
ووفقاً لأحدث تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والوزارات المحلية، بدأت المحاصيل السورية بالاستقرار تدريجياً بعد سنوات من التراجع الناتجة عن حرق وقطع الأشجار.
عموماً، كان إجمالي إنتاج المشمش في سوريا يصل إلى نحو 70.
7 ألف طن، أي أن سوريا كانت تحتل المرتبة الثالثة عربياً في إنتاج المشمش بعد الجزائر ومصر، وكان نحو 20-25% من إجمالي المحصول يذهب إلى معاصر ومطابخ قمر الدين، حيث كانت الورشات والمعامل التي تنتجه تتركز في غوطة دمشق التي تعتبر المركز التاريخي لقمر الدين، لكن الحرب تسببت في تدمير ما يقارب من 80% من أشجار المشمش في الغوطة الشرقية، كما انخفض عدد المعامل والورش الكبرى فيها من ستين ورشة قبل الحرب إلى ست ورشات رئيسية نشطة حالياً تتركز في عربين ودير العصافير وشبعا، وتسجل هذه الورش حالياً حجم إنتاج يقدر بنحو 1350 طناً من قمر الدين الصافي في حال استقرار الموسم.
ولقد واجه مصنعو قمر الدين في مواسم التصنيع الأخيرة عقبات تمثلت في التقلبات المناخية وموجات الصقيع التي ضربت بساتين ريف دمشق، بالإضافة إلى صعوبة تأمين المواد الأولية كالطاقة والمحروقات اللازمة لتشغيل الورش، ما جعل جزءاً كبيراً من المعامل والورش يعتمد على التصنيع التقليدي المعتمد على التجفيف بأشعة الشمس والإنتاج شبه الحرفي.
ولتعويض نقص مشمش الغوطة، بدأت المعامل بالاعتماد على محاصيل من محافظات أخرى، مثل درعا والقنيطرة، بالإضافة إلى افتتاح خطوط إنتاج جديدة استحدثت في ريف إدلب وعفرين بالشمال.
ونظراً لضعف الإقبال والقدرة الشرائية محلياً، أصبحت صناعة قمر الدين بعد الحرب موجهة للخارج بشكل شبه كامل، إذ بلغ حجم التصدير الفعلي لقمر الدين 90% تقريباً من الإنتاج السوري نحو الأسواق الخارجية.
سجلت الصادرات السورية الإجمالية قفزة ملحوظة في عام 2025 وحلت المنتجات الغذائية والصناعات التحويلية (التي يندرج تحتها قمر الدين والمجففات والمربيات) في صدارة قائمة الصادرات الموجهة نحو الأسواق العربية والإقليمية.
ومن أهم الأسواق المستوردة لقمر الدين السوري مصر والسعودية والإمارات والأردن والعراق، أما أوروبياً، فيتوجه قمر الدين نحو ألمانيا والسويد نظراً لوجود أعداد كبيرة من المغتربين السوريين هناك.
يُحضَّر قمر الدين بطريقة تقليدية تعتمد على تحويل ثمار المشمش الناضجة إلى رقائق مجففة يمكن حفظها لفترات طويلة، في ممارسة ارتبطت تاريخياً بمواسم الحصاد في بلاد الشام، خصوصاً في سوريا.
وتبدأ عملية صناعة قمر الدين بانتقاء ثمار المشمش الطازجة، حيث تُغسل جيداً وتُزال البذور، ثم تُهرس الثمار لتتحول إلى قوام يشبه العجينة الناعمة.
بعد ذلك يُطهى المزيج على نار هادئة لفترة قصيرة مع التحريك المستمر حتى يصبح أكثر تجانساً وكثافة، قبل أن يُصفّى للحصول على خليط ناعم خالٍ من التكتلات.
في المرحلة التالية، يُفرد المزيج على أقمشة نظيفة أو صوانٍ خشبية في طبقات رقيقة ومتساوية، ثم يُترك ليجف تحت أشعة الشمس المباشرة لعدة أيام، مع مراعاة حمايته من الغبار والرطوبة.
ومع اكتمال التجفيف، تتحول الطبقة إلى رقائق مرنة بلون برتقالي داكن، تُقشّر وتُلفّ أو تُقطع وتُخزّن في مكان جاف، لتصبح جاهزة للاستهلاك عبر تحضير الشراب الشهير الذي يُقدَّم في شهر رمضان بشكل خاص.
بهذه الطريقة، يجمع قمر الدين بين بساطة المكونات وعمق الموروث الشعبي، ليبقى واحداً من أبرز منتجات الفاكهة المحفوظة في المنطقة عموماً، وفي سوريا خصوصاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك