يجد الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه اليوم، وفي ظل المشهدالتونسي الراهن لسنة 2026، أمام منعطف وجودي تاريخي.
فبعد عقود من كونه" صمام أمان" ومنظمة عابرة للأزمات، يواجه الاتحاد تحديات مركبة تهدد بريق رمزيته وقدرته على التأثير في صياغة المستقبل التونسي.
ولا سيما في ظل الاصطدام الأخير مع السلطة التنفيذية على خلفية ملفات الميزانية، والذي كشف عن شرخ عميق في منهجيات الحوار وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل العمل النقابي وموقعه في معادلة الحكم.
لقد كشفت التصريحات الحاسمة للأمين العام للاتحاد صلاح الدين السالمي حول رفض وزارة المالية تسلم مقترحات الاتحاد لميزانية سنة 2027، عن أن العلاقة بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل تحولت الى أزمة بنيوية متصاعدة.
تاريخيا، لم يكن الاتحاد مجرد منظمة نقابية تُعنى بالجانب المطلبي، بل كان حجر الزاوية في بناء الدولة الوطنية الحديثة، وشريكا فاعلا في مقاومة الاستعمار، ودافعا للعملية الديمقراطية بعد الثورة.
هذا الإرث النضالي منح المنظمة شرعية" شعبية" و" سياسية" لا ينازعها فيها أحد.
إلا أن المشهد اليوم يبدو مغايرا، إذ يعيش الاتحاد" لحظة هشاشة" نتيجة عوامل عديدة لعل أبرزها، حصار السلطة التنفيذية، اذ تواجه المنظمة ضغوطا سياسية متزايدة، تشمل إجراءات عقابية مثل سحب الإعارات النقابية وتعليق آلية الاقتطاع الآلي للاشتراكات، وهو ما يقرأه مراقبون كمحاولة" لتقليم أظافر" المنظمة.
أضف الى ذلك ما يعانيه الاتحاد من انقسامات حادة حول كيفية التعامل مع السلطة (بين خيارات الصدام والتهدئة)، في حين تصاعدت أصوات المعارضة الداخلية التي تطالب بإصلاحات هيكلية وتجديد ديمقراطي.
كما تشير تحليلات إلى أن الاتحاد يواجه أزمة ثقة لدى جزء من الرأي العام، مما يجعل دوره كوسيط اجتماعي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
علاوة على ذلك فإن العلاقة بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل تشهد توترا متصاعدا يعكس أزمة حوار اجتماعي أعمق.
فقد دخلت المنظمة في سلسلة من التحركات الاحتجاجية، كان أبرزها إضراب موظفي البنوك وشركات التأمين والذي شلّ القطاع المالي احتجاجا على استثنائهم من الزيادة في الأجور وتجميد المفاوضات.
وفي المقابل، تتهم الهيئة الإدارية للاتحاد الحكومة بالتنصل من التزاماتها القانونية والتعاقدية، وضرب مبدأ الحوار الاجتماعي، فضلا عن استهداف النقابيين بالمضايقات في ظل تدهور المقدرة الشرائية للأجراء.
وتأتي هذه التطورات في سياق" زمن التقشف" الذي تفرضه الضغوط الاقتصادية والمالية، مما يضع الاتحاد أمام تحدي الحفاظ على دوره كقوة تعديل اجتماعي في مواجهة سياسات حكومية تُقصي النقابات من مسارات القرار الاقتصادي.
وفي خضم ذلك يبدو السؤال الملح اليوم هو كيف يمكن للاتحاد أن يكون فاعلا وسط هذه التجاذبات؟
وفي ظل أزمات داخلية خانقة وضغوط خارجية، كيف يستعيد الاتحاد فاعليته؟ يبدو أن الحل يكمن في مسارات أساسية لا غنى عنها، منها استكمال التجديد الذاتي المنبثق عن المؤتمر الوطني الأخير واستكمال المسار من" شرعية المؤتمر" إلى" فاعلية التجديد".
اذ لا يمثل انعقاد المؤتمر الوطني مؤخرا غاية في حد ذاتها، بل هو محطة تأسيسية يُنتظر منها أن تكون منطلقا لاستكمال عملية التجديد الداخلي على كافة الأصعدة.
إن التحدي الراهن أمام القيادة الجديدة يتمثل في ترجمة مخرجات المؤتمر إلى ممارسة نقابية حية تتجاوز الهياكل التقليدية نحو نموذج تنظيمي أكثر مرونة وديمقراطية.
واستكمال التجديد يستدعي اليوم تحصين المنظمة من" الاستقطاب السياسي" عبر تكريس استقلالية القرار النقابي، وإعادة الاعتبار للكفاءات الشابة والنسائية داخل الهياكل القيادية والجهوية، مما يضمن للاتحاد ليس فقط الصمود أمام التحديات الضاغطة، بل استعادة دوره كقوة اقتراح فكرية ودستورية قادرة على تقديم بدائل للأزمات المركبة التي تمر بها البلاد.
وكذلك العودة إلى" الأصل" الاجتماعي باعتبار ان جوهر قوة الاتحاد يكمن في قواعده الشعبية.
فالنجاح في استعادة الثقة يتطلب تركيز الجهود على قضايا العمال الحقيقية والعدالة الاجتماعية، بعيدا عن الصراعات السياسوية.
وبدلا من الاكتفاء بردود الفعل، يمكن للاتحاد أن يقود رؤية وطنية لإنقاذ الاقتصاد التونسي عبر تقديم مقترحات عملية لإدماج الاقتصاد الموازي، ومحاربة الفساد، وحماية الصناديق الاجتماعية.
كما ان إن فاعلية الاتحاد في لحظة الهشاشة الحالية تتطلب تبني استراتيجية" ذكية" تراوح بين النضال السلمي والمواقف المبدئية، دون الانجرار إلى فخاخ التجاذبات التي تهدف إلى إضعاف دوره الوطني.
في المقابل فان الوضع الصعب والحساس الذي تمر به البلاد والمنطقة عموما في خضم التحولات والمتغيرات الدائرة إقليميا ودوليا، يتطلب الحاجة الماسة الى فتح قنوات حوار جدي ومباشر بين الحكومة والاتحاد لمعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
فتغليب لغة العقل واعتماد منهج التشاركية لا يعني ضعفا في القرار الحكومي، بل يمثل قوة دفع للسياسات العامة نحو تحقيق الاستقرار والعدالة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، يتعين على الحكومة أن تُبدي انفتاحا أكبر تجاه سماع" الصوت الآخر" وتبني نهج الإنصات المتبادل، فالحوار الصادق هو السبيل الأوحد لاستيعاب الاحتقان المتزايد، وإيجاد أرضية مشتركة قادرة على حماية مصالح البلاد والعباد، وضمان العبور الآمن من هذه المرحلة الدقيقة.
إن تونس التي أنجبت العظماء والفاعلين في شتى المجالات على غرار حنبعل وابن خلدون وابن الجزار القيرواني وخير الدين التونسي وعبد العزيز الثعالبي وفرحات حشاد والحبيب بورقيبة وأبو القاسم الشابي، والطاهر حداد، والكاهنة وعزيزة عثمانة والسيدة المنوبية وتوحيدة بالشيخ وبشيرة بن مراد ومجيدة بوليلة، لديها ما يكفي من الزخم الحضاري والتاريخي والقدرات الوطنية والكفاءات الذاخرة لتواجه" الأعاصير الداخلية والخارجية".
ولكنها بحاجة أيضا إلى قوة تعديل اجتماعي قوية ومستقلة، وتحتاج لنهضة الاتحاد الذي ليس أمامه اليوم من خيار سوى التجديد أو التلاشي.
فإذا نجح في تجاوز أزمته الداخلية واستعاد وهج خطابه الاجتماعي، فسيظل حجر الزاوية في بناء التماسك الوطني والعدالة الاجتماعية، أما إذا استمر في حالته الراهنة، فإنه يخاطر بأن يصبح مجرد" أثر رمزي" في ذاكرة التونسيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك