إذا كانت بلجيكا أمضت أعواماً تتساءل عمن سيأتي بعد" الجيل الذهبي"، فإن الإجابة بدت منطقية إلى حد ما" الجيل التالي".
لكن مشوارها في كأس العالم 2026 جاء على وقع جدال لا داعي له في شأن قرار جيريمي دوكو مغادرة معسكر المنتخب لحضور ولادة ابنه" برايز".
وفي المقابل لم يحظ فريق" الشياطين الحمر" بكثير من الإشادة، بل إن الانتقادات مرشحة للتصاعد إذا ودعوا كأس العالم من دور المجموعات للمرة الثانية توالياً.
نتائج باهتة ومخاوف من خروج جديديبدو ذلك مستبعداً قبل مواجهة نيوزيلندا، لكن من الطبيعي أن تشعر بلجيكا بمرارة ذكريات ما حدث في المرحلة نفسها قبل أربعة أعوام، عندما أهدر روميلو لوكاكو سلسلة من الفرص في التعادل السلبي مع كرواتيا.
أما الآن، فمن المرجح جداً أن يكون التعادل كافياً للتأهل.
كما أن بلجيكا، على عكس ما حدث آنذاك، لا تبدو ضمن مجموعة تضم منتخبين سيبلغان نصف النهائي، بعدما واجهت مصر وإيران، ويتبقى لها لقاء منتخب نيوزيلندا.
ومع ذلك لا تزال بلجيكا بلا أي انتصار، كما أنها لم تسجل أي هدف بقدم أحد لاعبيها، إذ جاء هدفها الوحيد حتى الآن بالنيران الصديقة عبر المصري محمد هاني بعد ضغط من لوكاكو.
ومجدداً، تلوح في الأفق رائحة الإقصاء.
نهاية مرتقبة لنجوم صنعوا التاريخوإذا تحقق هذه المرة، فمن المرجح أن يكون نهاية مشوار ما تبقى من جيل يزداد تقدماً في العمر.
وعلى الأرجح لن يظهر لوكاكو أو كيفين دي بروين أو توماس مونييه أو أكسل فيتسل في أي نسخة أخرى من كأس العالم.
وربما في ظل الثغرات الموجودة في التشكيلة وغياب البدائل الواضحة، لن تشارك بلجيكا أيضاً في نسخة 2030.
حتى قبل انطلاق بطولة 2022، وصف دي بروين منتخب بلجيكا بأنه متقدم في العمر أكثر من أن يحرز اللقب.
وكان محقاً، وإن لم يكن سعيداً بثبوت صحة توقعه.
ومع مرور الوقت، قد يزداد بريق ذلك الجيل الذي لم يحقق أي بطولة، لكنه صنع في ربع نهائي كأس العالم 2022 أمام البرازيل ما يمكن اعتباره أعظم يوم في تاريخ كرة القدم البلجيكية.
وأنهت بلجيكا تلك النسخة في المركز الثالث، وحققت 10 انتصارات عبر نسختين من كأس العالم.
وباستثناء ذلك، لم تحقق سوى فوز واحد منذ 1994.
وتصدرت بلجيكا التصنيف العالمي طوال معظم الفترة الممتدة بين مونديالي 2018 و2022، وهو إنجاز يبدو أكثر لفتاً للنظر إذا ما تذكرنا أنها كانت تحتل المركز الـ71 في عام 2007.
أزمة دفاعية وتراجع جودة التشكيلةلكن ذلك الجيل كان دائماً منقسماً إلى نصفين، فقد ظهر المدافعون في قلب الدفاع أولاً، وأصبح أحدهم اليوم مدرباً لبايرن ميونيخ يبلغ من العمر 40 سنة ويملك سجلاً حافلاً بالألقاب.
أما الآن، فلا تملك بلجيكا عملياً قلوب دفاع بالمستوى المطلوب، وتفاقمت الأزمة بعد طرد ناثان نغوي في التعادل مع إيران.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وهذا يوضح سبب ندرة تتويج الدول الصغيرة بكأس العالم، فحتى في أفضل فتراتها، نادراً ما تمتلك المواهب في جميع المراكز في التوقيت المناسب.
وحالياً يبدو أن بلجيكا تملك لاعبين في قمة عطائهم أو في طور التطور في مركز واحد فحسب، ولا يمكنها بالطبع أن تشرك ثلاثة حراس مرمى من دون قلوب دفاع.
ومع ذلك قد يصبح سيني لامنس ومايك بيندرز من بين أبرز حراس المرمى في العالم مستقبلاً.
أما تيبو كورتوا، فقد كان بالفعل واحداً من أفضل الحراس خلال العقد الأخير.
لكن الخلاف الذي نشب بينه وبين المدرب السابق دومينيكو تيديسكو، واختيار حارس ريال مدريد الاعتزال الدولي، كان من الأسباب التي عجلت برحيل المدرب.
لوكاكو ودي بروين في سباق مع الزمنوتتمثل إحدى مشكلات المدرب الجديد رودي غارسيا في أن اللاعبين الذين بقوا من الفريق الذي قاده روبرتو مارتينيز إلى صدارة التصنيف العالمي يبدون أكبر سناً مما تشير إليه أعمارهم الفعلية.
فقد بدأ لوكاكو مسيرته مبكراً، لكنه ربما يقترب من النهاية قبل أوانها بقليل.
وحرمته الإصابات من بداية الموسم في الدوري الإيطالي مع نابولي.
وبرصيد 90 هدفاً، حطم جميع الأرقام القياسية التهديفية لبلجيكا.
ومع ذلك، لا يزال المنتخب يعول على قدرته على استعادة مستواه وتعويض خيبة عام 2022، لأنه لا يملك بديلاً حقيقياً، فعندما يقود شارل دي كيتيلاري الهجوم، فإنه يؤدي دور" المهاجم الوهمي" أكثر من كونه رأس حربة صريحاً.
وتعول بلجيكا أيضاً على أن تتغلب القدم اليمنى الساحرة لدي بروين على الإرهاق الذي أصاب جسده.
فدي بروين يبلغ 34 سنة، بينما يبلغ لوكاكو 33 سنة، وقد خاضا معاً أكثر من 1600 مباراة في كرة القدم الاحترافية.
لذلك، ليس مستغرباً أن تبدأ أجسادهما في التراجع.
وفي الوقت الحالي، يبدو أن دوكو وحده يمنح الانطباع بأنه مهاجم من الطراز العالمي.
فرصة أخيرة لإنقاذ الحلم البلجيكيوعلى رغم ذلك، كان يفترض ببلجيكا أن تقدم مستوى أفضل.
فقد احتاج حارس مرمى إيران علي رضا بيرانفاند إلى تصد مذهل ليحرم ماكسيم دي كويبر من التسجيل.
لكن دي بروين، المعروف بصراحته، وصف منتخب بلاده بأنه" ليس على مستوى المهمة"، وأبدى استياءه من" الأخطاء الساذجة".
وأهدرت بلجيكا فرصاً كثيرة في جدول مباريات بدا ميسراً، ولا سيما في ظل محاولات السلطات الأميركية عرقلة المنتخب الإيراني.
ومع ذلك، فشلت في التفوق على" تيم ملي" أو مصر.
ولا يعني أي من ذلك بالضرورة أن فرصها انتهت.
ففي نظام مختلف للمسابقة، كان الحصول على ثلاث نقاط كفيلاً على الأرجح بضمان التأهل الآن، بينما لم تكن أربع نقاط كافية في عام 2022.
وإذا أنهت بلجيكا المجموعة الثالثة في المركز الثاني أو حتى الثالث، فهناك مسارات معقولة قد تقودها إلى أدوار متقدمة، لكن يبقى السؤال: هل تملك الجودة اللازمة لاستغلال تلك الفرصة؟المؤشرات الأولى تقول إنها لا تملك ذلك، وإن" الجيل الذهبي" تحول إلى" الجيل المتقدم في السن"، وإن الجيل الجديد أقل جودة من سابقه.
ولذلك، يبدو أن مشوار بلجيكا يتجه إلى نهاية باهتة، ما لم يتمكن دي بروين ولوكاكو، اللذان كانا من مهندسي الانتصار التاريخي على البرازيل، من استلهام ماضيهما وصناعة لحظة أخيرة تعيد إلى الأذهان صفحات مشرقة من تاريخ بلجيكا الكروي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك