بإعلان استقالة كير ستارمر تكون بريطانيا قد «استهلكت» في مجرد عشر سنوات ما لا يقل عن ستة رؤساء حكومات.
وها هي تستعد الآن لتأجير 10 داونينغ ستريت لرئيس حكومة سابع.
وإنه لمن مكر التاريخ، أو من «خداع العقل في التاريخ» حسب العبارة الحرفية لهيغل، أن إعلان استقالة ستارمر من رئاسة الحكومة قد تزامن مع الذكرى السنوية لتصويت أغلبية ضئيلة من البريطانيين لصالح ما يسمى بالبركسيت، أي الطلاق من الاتحاد الأوروبي.
وكما لو أن التاريخ أراد، مبالغة في التوضيح، أن يشفع مكرا بمكر، فقد سبق الذكرى العاشرةَ للبركسيت بأيام إعلانُ نتائج استطلاع للرأي العام أظهر لأول مرة أن أغلبية (ما لا يقل عن 57 بالمائة) من البريطانيين نادمون على الخروج من الاتحاد الأوروبي ومقتنعون، بالدليل والبرهان، أن البركسيت كان خطأ جسيما.
والواقع أن قرار البركسيت، الذي عارضه، عام 2016، ما لا يقل عن 48 بالمائة من البريطانيين، لم يكن طلاقا، بل هو «تطليق» مزاجي تعسفي لأنه كان نزوة سياسية من جانب واحد، ولم يكن قرارا مشتركا برغبة الجانبين.
لذلك قال رئيس المفوضية الأوروبية جان-كلود جانكر آنذاك إن خروج بريطانيا من الاتحاد أمر محزن، بل إنه مأساة.
لم يُناد أحد حتى اليوم بوجوب محاسبة جونسون وفراج على الجرم التاريخي المتمثل في استخفاف بريطانيا وتجهيلهاأما البطل المأساوي في هذه التراجيديا التاريخية فهو ديفيد كامرون الذي لا شك عندي أنه أَنْبَهُ أبناء جيله من ساسة حزب المحافظين وأحدُّهم فطنة وأفصحهم لسانا، بل ربما يكون أبرع من توني بلير الذي جدد حزب العمال وحوّله ماكينةَ حصاد انتخابي والذي عُدّ، بشبه إجماع، أبرع الساسة البريطانيين بعد مارغريت تاتشر.
ولكن الظرف التاريخي لم يكن مؤاتيا لتجلي قدرات كامرون، فضلا عن أن الرجل سارع، من حيث لا يدري، إلى اختزال عمره واستقدام أجله السياسي عندما تعهد يوم 23 يناير 2013 بعقد استفتاء على العضوية في الاتحاد الأوروبي.
كان الظن عنده أن الاحتكام إلى الجمهور هو السبيل الوحيد لمعالجة الأزمة الوجودية التي ظلت تعصف بحزب المحافظين منذ انضمام بريطانيا إلى المجموعة الأوروبية، أول عام 1973، وأنه السلاح الأمضى لإخراس أصوات الناعقين من الانعزاليين سواء في حزبه أم في الحزب الجديد الذي أسسه الديماغوجي الغوغائي نايجل فراج باسم «حزب الاستقلال»! ذلك أن كامرون كان موقنا بالفوز بالاستفتاء لأنه كان مراهنا على براغماتية البريطانيين وإدراكهم أن مصلحتهم إنما هي في البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصا أنه سبق أن فاز باستفتاء عام 2015 عندما صوتت اسكتلندا برفض الانفصال عن المملكة المتحدة.
والحق أن كامرون لم يكن يجابه الساسة الانعزاليين الكارهين لأوروبا فحسب، بل إنه كان يجابه ثقافة انعزالية تفشت في بريطانيا كلها منذ مطلع الثمانينيات بفعل قوة نفوذ التحالف الإيديولوجي بين الصحف التي يملكها اليميني روبرت مردوخ، مثل التايمز والصن ونيوز أوف ذو وورلد، وبين بقية الصحف الشعبية مثل الديلي ميل، والديلي ميرور.
ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك أن جريدة التايمز، الثابتة دوما على مناصرة حزب المحافظين، قد قررت في انتخابات 1997، من فرط هوسها بكراهية أوروبا وكراهية رئيس الحكومة جون ميجور، رفض دعم أي حزب، بل الدعوة إلى التصويت في كل الدوائر الانتخابية لأي مرشح، أيّا كان، طالما أنه مناهض للاتحاد الأوروبي! وكانت النتيجة السوريالية أن التايمز اليمينية الصهيونية شجعت قراءها على التصويت لجريمي كوربن في منطقة إيسلنغتون! ومعروف أن كوربن سياسي يساري محترم وأن له مواقف مشرفة من القضايا العادلة، مثل القضية الفلسطينية، ولكنه متشبث، محليا، بتركة السياسات العمالية البائدة: فقد كان حزب العمال، طيلة الستينيات والسبعينيات، مناهضا لانضمام بريطانيا إلى المجموعة الأوروبية!إلا أن السبب الأهم لفوز حملة البركسيت هي الأكاذيب الفاحشة التي روجها بوريس جونسون ونايجل فراج، وأشهرها الكذبة التي رسمت على جوانب الحافلات الحمراء عن استرجاع 350 مليون جنيه في الأسبوع من بروكسل.
إذ الحقيقة أن البركسيت، الذي ما انفك فراج يردد أنه الحل، قد أفقر بريطانيا بدل إغنائها.
فقد أثبتت الدراسة التي أنجزها جونتي بلوم أن البركسيت ليس مجرد كارثة بالمعنى المجازي، بل إنه أصاب البلاد بما لا يقل عن 256 كارثة فعلية! وأُولاها فقْدُ ما بين 6 و8 بالمائة من الناتج المحلي.
والعجيب، مع ذلك كله، أنْ لم يُناد أحد حتى اليوم بوجوب محاسبة جونسون وفراج على الجرم التاريخي المتمثل في استخفاف بريطانيا وتجهيلها وجعلها «رجل أوروبا المريض».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك