حذر كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بيير-أوليفييه غورينشاس، الجمعة، من أن الطفرة المتسارعة في قطاع الذكاء الاصطناعي قد لا تقتصر آثارها التضخمية على ارتفاع أسعار الرقائق الإلكترونية فحسب، بل قد تمتد أيضاً عبر قناة أكثر عمقاً تتمثل في زيادة ثروة المستهلكين ودفعهم نحو مستويات إنفاق أعلى.
وقال غورينشاس، في مقابلة مع وكالة" بلومبيرغ" بواشنطن، إن الاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي تخلق" تقييمات هائلة" لشركات التكنولوجيا المدرجة في أسواق الأسهم الأميركية، وكذلك في أسواق مثل كوريا الجنوبية، ما يؤدي إلى ما يُعرف بـ" أثر الثروة" الذي يعزز القدرة الشرائية للأفراد ويزيد من الضغوط على الأسعار.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الأسهم ينعكس مباشرة على المحافظ الاستثمارية وحسابات التقاعد، ما يمنح الأسر شعوراً بزيادة الثروة ويشجعها على الإنفاق على السفر والعقارات والمشتريات الكبرى، وهو ما قد يضيف بدوره ضغوطاً تضخمية إضافية على الاقتصاد العالمي.
وأضاف أن قنوات تأثير الذكاء الاصطناعي على التضخم متعددة، مشيراً إلى وجود مسارين رئيسيين: الأول عبر اختناقات سلاسل التوريد وارتفاع تكلفة المدخلات، والثاني عبر جانب الطلب الناتج عن زيادة الثروة، مؤكداً أن" كلا المسارين يتجهان في الاتجاه نفسه من حيث تعزيز الضغوط السعرية".
وفي السياق نفسه، بدأت آثار الذكاء الاصطناعي تظهر بالفعل في الأسواق الاستهلاكية، حيث رفعت شركة" آبل" أسعار مجموعة من أجهزتها بسبب ارتفاع تكاليف الذاكرة والتخزين المرتبطة بالطلب القوي من مراكز البيانات، فيما أعلنت شركة" مايكروسوفت" عن زيادة جديدة في أسعار أجهزة" إكس بوكس".
وأشار كبير الاقتصاديين في صندوق النقد إلى أن النقاش حول التضخم عاد إلى الواجهة بقوة في ظل هذه التطورات، خاصة بعد موجة ارتفاع الأسعار التي شهدها العالم منذ عام 2022 بفعل الحرب في أوكرانيا واضطرابات سلاسل الإمداد خلال جائحة كورونا، ما جعل الأسر أكثر حساسية تجاه أي زيادات جديدة في الأسعار.
وقال غورينشاس إن" الذاكرة لا تزال حاضرة" لدى المستهلكين بعد سنوات من التضخم المرتفع، ما يجعل توقعات الأسعار أكثر قابلية للتأثر بأي صدمات جديدة، سواء من جانب العرض أو الطلب.
وبعيداً عن تأثيرات الذكاء الاصطناعي، أشار إلى أن صندوق النقد الدولي لا يزال قلقاً من عاملين رئيسيين في الاقتصاد العالمي: الأول هو استمرار حالة عدم اليقين بشأن تدفقات الطاقة في ظل النزاعات الجيوسياسية، والثاني يتمثل في الضغوط المالية المتزايدة على الحكومات نتيجة ارتفاع مستويات الدين العام وتباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وختم غورينشاس بالإشارة إلى أن" الرغبة في زيادة الإيرادات الضريبية باتت شبه معدومة في العديد من الدول"، ما يطرح تحديات معقدة أمام الحكومات حول العالم في كيفية معالجة معادلة العجز المالي المتفاقم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك