في تجربة الراحل علي عبدالله خليفة، كانت الثقافة الشعبية تسير بمحاذاة القصيدة، وتدخل معها المساحة نفسها؛ مساحة اللغة، والصورة، والذاكرة، والأسئلة التي ظل يحملها طوال حياته.
فمنذ سنواته الأولى، بدا مشغولًا بالأغنية البحرية، والموال، والفجري، والحكايات التي كانت تتناقلها المجالس والسواحل والقرى، وعلى ألسنة الجدات والأمهات.
بذلك الصوت القديم المختبئ في ذاكرة الناس، قبل أن تبتلعه التحولات السريعة ويصير جزءًا من الماضي.
لكنه لم يركن للاستسلام لهذا النسيان، وإنما انشغل بمقاومته؛ بالتوثيق، وجمع المرويات، والبحث، والعمل الميداني، والدراسات التي سعت لحفظ ما ظل يتبدد على أطراف الذاكرة الشعبية.
وحتى سنواته الأخيرة، ظل يعمل على هذا الهاجس، إلى أن استطاع إنجاح إصدار واحدًا من أكبر مشاريع التوثيق الشعبي في البحرين، عبر كتاب «الحكايات الشعبية البحرينية.
ألف حكاية وحكاية».
بهذا الوعي، تعامل الراحل مع الثقافة الشعبية بوصفها تعبيرًا عن روح المجتمع، ومرآةً لحياة الناس وتفاصيلهم وهواجسهم اليومية، فكان يرى فيها امتدادًا أصيلًا للثقافة، بما تختزنه من معرفةٍ، وحساسيةٍ جمالية، وتجارب إنسانية، ولهذا ظل منحازًا إليها، ومدافعًا عن حضورها، ومؤمنًا بأنها تستحق أن تُقرأ، وتُوثق، وتُصان، كجزء من الذاكرة الإنسانية، ومنجزًا ثقافيًا لا يقل قيمةً وأثرًا عن الثقافة العالمة.
ولذلك، بدا طبيعيًا أن يحمل آخر مشاريعه الكبيرة اسم «مجلة الثقافة الشعبية»، المجلة التي صدرت من البحرين وعبرت إلى العالم، بست لغات، على مدى 18 عامًا، عبر 67 عددًا، لتصبح واحدةً من أبرز المجلات العربية المتخصصة في التراث والفنون الشعبية، ونافذةً وصلت من خلالها الثقافة الشعبية الخليجية والعربية إلى الجامعات ومراكز الأبحاث على المستوى العربي والدولي.
لكن هذا الانشغال لم يبقَ في حدود الشغف الشخصي أو الاهتمام النظري، وإنما تحول، مع السنوات، إلى مشروعٍ ثقافي، اشتغل فيه على جمع الموروث الشعبي الخليجي، وتوثيقه، وتأصيل حضوره في الوعي الثقافي العربي، عبر البحث، والعمل الميداني، وبناء المؤسسات والمنابر المعنية بالتراث.
وعلى امتداد هذه الرحلة، صار خليفة واحدًا من أكثر الأسماء اقترانًا بحفظ الذاكرة الشعبية الخليجية، وإعادتها للمشهد الثقافي.
من الأغنية الشفاهية لمشروع الذاكرةفي ستينيات القرن الماضي، كان الراحل ما يزال طالبًا في المرحلة الثانوية، حين التحق دليلًا للبروفيسور الدانماركي (بول روفسنج أولسن) خلال جولته الميدانية لجمع الموسيقى الشعبية في البحرين عام 1963.
وبعدها بثلاث سنوات، رافق الباحث السويسري (سايمون جارجي) في رحلاته لجمع نصوص الأغاني الشعبية البحرينية.
ومن هناك، بدأت علاقته المبكرة مع التوثيق الميداني، ومع الإصغاء للذاكرة الشعبية.
ولعل هذه التجربة المبكرة، هي التي صنعت لاحقًا حساسيته تجاه فكرة الضياع الثقافي، وولّدت لديه ذلك الهاجس الدائم بحماية التراث الشفاهي، فكان يعامل الثقافة الشعبية كـ«ذاكرة للناس»، والسجل العميق لتحولات المجتمع، وأشكال عيشه، وطرائق تعبيره.
ولم يتوقف عند جمع النصوص والأغاني، وإنما انشغل بتحويل هذا الإرث لمشروع بحثي ومعرفي متكامل.
فأنجز دراسات أصبحت مراجع في الثقافة الشعبية الخليجية، من بينها «فنون الموال»، و«خليج الأغاني»، و«أشكال ومضامين النصوص الشعرية في فن الفجري»، و«استلهام التراث الشعبي في الأعمال الإبداعية»، إلى جانب أبحاثه المتعلقة بالشعر العامي والفنون الشفاهية الخليجية.
مأسسة الاشتغال في الثقافة الشعبيةلم يكن مشروع خليفة فرديًا أو معزولًا عن الفضاء الثقافي العربي والخليجي، إذ تحرك مبكرًا نحو تحويل اهتمامه بالتراث الشعبي لبنية مؤسساتية قادرة على الاستمرار والتأثير؛ ففي عام 1979، شارك في تأسيس «المنظمة الدولية للفن الشعبي» بالنمسا، وكُلف بتأسيس فرعها في البحرين، قبل أن يصبح لاحقًا نائبًا لرئيس المنظمة، ثم رئيسًا لها بين عامي 2020 و2025.
كما طرح فكرة توحيد الجهود الخليجية لجمع وتدوين التراث الشعبي، واضطلع بوضع وثائق تأسيس «مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية» عام 1982، وتولى إدارته لخمس سنوات.
ومن خلال هذا المشروع، حاول بناء أرشيف خليجي مشترك للذاكرة الشعبية، في وقتٍ كانت فيه التحولات الحديثة تتسارع، مهددةً كثيرًا من الفنون والمرويات والأشكال الشفاهية بالاندثار.
وفي قطر، تعاون مع الروائي السوداني الطيب صالح في تأسيس قسم الدراسات والبحوث التابع لإدارة الثقافة والفنون، قبل أن يؤسس عام 1984 مجلة «المأثورات الشعبية»، وهي من أوائل المجلات العلمية العربية المتخصصة في الثقافة الشعبية، مترئسًا تحريرها لثلاث سنوات.
أما في البحرين، فقد واصل هذا المشروع عبر تأسيس «أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر» عام 2007، وإطلاق مجلة «الثقافة الشعبية»، بالتعاون مع «المنظمة الدولية للفن الشعبي».
ومن خلال المجلة، اشتغل على فتح الثقافة الشعبية الخليجية والعربية أمام الباحثين والدارسين من مختلف أنحاء العالم، وربطها بالأسئلة الأنثروبولوجية والفنية والفكرية الحديثة، حيث أمن بأن الفنون الشعبية تحمل في داخلها «انسجام وتناغم شعوب الأرض»، وهي العبارة التي اختارها عنوانًا لأحد أبحاثه.
الشعر وعاءٌ لحفظ الذاكرة الشعبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك