عمان - لم يعد المشهد على جوانب الطرق الحيوية في المملكة مقتصرا على الشواخص المرورية التحذيرية المعتادة؛ فمنذ نحو شهرين، باتت المركبات المتضررة جراء حوادث سير حقيقية تتصدر جوانب طرق رئيسة، مثل طريق المطار في عمان، وجسر النعيمة في إربد، وطريق عمان – الزرقاء.
اضافة اعلانويمثل هذا الحطام الواجهة التنفيذية لمبادرة توعوية جديدة أطلقها مدير إدارة السير في مديرية الأمن العام، العميد رائد العساف، لإحداث" صدمة بصرية واقعية" لدى السائقين، تعتمد على التأثير النفسي المباشر لدفعهم إلى تعديل سلوكهم المروري والحد من الحوادث، إذ تضعهم وجها لوجه أمام آثار حادث حقيقي، ضمن خطة رسمية تقضي بإبقاء هذه المركبات في الموقع الواحد مدة تتراوح بين ستة وثمانية أشهر، قبل نقلها إلى مواقع أخرى.
905 ملايين دينار الكلفة الاقتصادية للحوادث في 2025وجاء الاعتماد على هذا النمط من" العلاج بالصدمة البصرية" مدفوعا بحصيلة مرورية ثقيلة خلفها عام 2025، إذ تشير التصريحات الصادرة مؤخرا عن إدارة السير إلى تسجيل 187,213 حادثا مروريا في المملكة، أسفرت عن 11,680 إصابة بشرية و510 وفيات، إلى جانب كلفة اقتصادية تُقدَّر بنحو 905 ملايين دينار.
ودفع هذا الارتفاع في أعداد الحوادث المرورية الجهات المختصة إلى البحث عن أدوات توعوية ميدانية مغايرة لحماية الأرواح، رغم المؤشرات الإيجابية الأخيرة التي تضمنها التقرير الصادر حديثا عن مديرية الأمن العام، والذي أظهر انخفاض وفيات حوادث السير بنحو 21 % لكل عشرة آلاف مركبة، خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025.
أثار إطلاق المبادرة تباينا في آراء السائقين، إذ قال علي الخالد، أحد سائقي النقل العام في إربد: " عندما رأيت المركبة المحطمة على جانب الطريق في منطقة جسر النعيمة، خففت سرعتي لا إراديا، إذ انتابني الفضول للنظر إليها، وشعرت برهبة حقيقية، لكنني مع مرور الوقت اعتدت المشهد، وأصبحت مجرد قطعة حديد مألوفة على الطريق".
وأضاف: " ما يردع السائق في شوارعنا هو المخالفة المغلظة؛ فعندما يدرك أن الكاميرا ستلتقط مخالفته، وأنها ستكلفه جزءا من راتبه، فإنه يلتزم فورا خوفا على جيبه".
أما منال العايد، وهي إحدى مرتادات طريق المطار، فقالت: " إن المشهد البصري للمركبة المحطمة لا يمكن نسيانه"، وتابعت: " المخالفة المالية تُدفع ثم تُنسى بعد فترة، لكن منظر السيارة المهروسة، والحديد المتداخل بعضه في بعض، يترك لدي أثرا نفسيا وشعورا بالخوف عند المرور بجانبها، الأمر الذي زاد من التزامي بقواعد السير".
إدارة السير: مؤشرات على وجود تفاعل إيجابي مع المبادرةوفي ردها على استفسارات" الغد"، أوضحت إدارة السير في مديرية الأمن العام أن اختيارها مبادرة" عرض المركبات المتضررة" جاء لكونها إحدى المبادرات التوعوية الناجحة المطبقة عالميا في مجال السلامة المرورية، والتي أثبتت فعاليتها في إيصال الرسائل التوعوية بأسلوب غير تقليدي يعتمد على التأثير البصري المباشر.
وأضافت أن تطبيق المبادرة يرتكز على قدرة هذا المشهد، المتمثل بالمركبات المحطمة، على جذب انتباه مستخدمي الطريق، وتعزيز الوعي بمخاطر السلوكيات المرورية الخاطئة، بما يسهم في ترسيخ ثقافة القيادة الآمنة.
وتابعت: " إن المبادرة ما تزال في بداياتها، إذ لم يمض على إطلاقها سوى شهرين، وبالتالي فإن قياس تأثيرها في المؤشرات النهائية للحوادث المرورية ما يزال بحاجة إلى فترة زمنية أطول تسمح بإجراء تقييم عملي دقيق ومستدام، فضلا عن أن حوادث المرور تتأثر بعدد من العوامل والمتغيرات، مثل كثافة الحركة المرورية، خاصة في أوقات الذروة، والسلوكيات المرورية للسائقين، الأمر الذي يجعل من المبكر ربط التغير في أعداد الحوادث بالمبادرة بشكل مباشر خلال هذه الفترة القصيرة".
وأضافت أن قياس مدى نجاح المبادرة في ترسيخ مفهوم" الرقابة الذاتية" لدى السائقين يتطلب فترة زمنية كافية تسمح برصد التغيرات السلوكية المرورية.
ورغم أن الفترة الحالية ما تزال مبكرة لإصدار حكم نهائي، فإن المتابعات الميدانية الأولية ومشاهدات الكوادر العاملة في الميدان، والمدعومة برصد كاميرات المراقبة وغرف العمليات، تشير إلى وجود تفاعل إيجابي مع المبادرة، يتمثل في زيادة الانتباه والحذر عند الاقتراب من هذه الهياكل، وهو ما يعد مؤشرا أوليا مشجعا على تحقيق الأهداف المرجوة.
وأضافت: " إن الممارسات المتبعة في تقييم المبادرات المرورية توضح أن المؤشرات الأكثر دقة وموضوعية لقياس الأثر السلوكي تبدأ بالظهور بشكل واضح بعد مرور ستة إلى ثمانية أشهر على التنفيذ".
وأكدت أن الجهات المختصة ستواصل خلال الأشهر المقبلة متابعة وتحليل السلوك المروري، للوصول إلى تقييم عملي دقيق وشامل يحدد مدى تأثير هذه المبادرة في تعزيز الرقابة الذاتية والالتزام بقواعد المرور لدى السائقين.
توقع بانخفاض وفيات الحوادث المرورية %7 في 2026وبدوره، وصف رئيس الجمعية الأردنية للوقاية من حوادث الطرق، المهندس وفائي مسيس، مبادرة" الصدمة البصرية" بأنها أحد أساليب التوعية المرورية الهادفة، لافتا إلى أن" السائق، عند مشاهدته تلك المركبات، يتأثر بالخوف من السرعة الزائدة، ويخفف من سرعته لحظيا فور رؤيتها".
وقال: " إن مشاهدة السائق لتلك المركبات تذكره بأن السرعة من أبرز مسببات الحوادث، فيبدأ بممارسة مزيد من الحذر، ويدرك ضرورة عدم استخدام الهاتف النقال أثناء القيادة، ويتأكد من ربط حزام الأمان، فهذه الصدمة الواقعية تذكر السائق بقواعد المرور من جديد".
وأضاف: " رغم عدم وجود مؤشرات رسمية حتى الآن تفيد بأن المبادرة خفضت الحوادث المرورية، فإنها تمثل رقابة ذاتية لحظية لدى السائق، وتؤدي إلى تعزيز الالتزام الفوري بقواعد وأولويات المرور".
وأكد أن استخدام كاميرات المراقبة، وتطبيق القانون، والتوعية المرورية، وفرق الإنقاذ المروري، سيؤدي إلى انخفاض نسبة الوفيات في عام 2026 بأكثر من 7 % مقارنة بالعامين الماضيين، معربا عن تطلعه إلى زيادة نسبة انخفاض وفيات حوادث السير، باعتبارها المعيار الأهم عالميا في تقييم مستوى السلامة المرورية في أي بلد.
وفي ردها على أسئلة" الغد" حول الأثر النفسي لهذه المبادرة، قالت الأستاذة في علم الاجتماع، شروق أبو حمور: " إن مشاهدة السائقين للمركبات المحطمة تحدث لديهم ما يُعرف في علم النفس بـ(الصدمة النفسية)، إذ تُخرج السائق من حالة" الأمان الوهمي"، وتذكره فجأة بأن الحادث ليس شيئا يحدث للآخرين فقط، بل قد يحدث له أيضا".
وأكدت" أن المبادرة تحفز غريزة البقاء لدى السائق من خلال إثارة خوف غريزي مؤقت، وهو خوف يرفع مستويات الأدرينالين، ويجعل دماغ السائق في حالة تأهب قصوى، كما يكسر حالة التشتت، ولا سيما إذا كان منشغلا باستخدام هاتفه أثناء القيادة".
وأضافت: " المبادرة قادرة على التقليل من حوادث السير على المدى القصير والمتوسط".
وشرحت أن الخوف الناتج عن الصدمة البصرية يكون فعالا في اللحظة ذاتها وخلال الأيام الأولى، لكن إذا اعتاد السائق رؤية المركبات يوميا في المكان نفسه، فإن تأثيرها النفسي سيتراجع تدريجيا.
وشددت على أن الصدمة البصرية وحدها لا تكفي لتغيير سلوك السائقين، بل إن هذا السلوك يتحسن بصورة أكثر استدامة إذا اقترنت المبادرة بتشديد العقوبات والمخالفات، بما يحقق الردع القانوني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك