بيقظة غير مصطنعة، يقف حارس المرمى دون مظلة، في المسافة الفاصلة بين عذرية الشباك والعالم.
فبينما ينخرط اللاعبون في حركة جماعية متواصلة، يظل هو محكوماً بالعزلة في" منطقته الحدية".
إنه داخل الجماعة وخارجها في الآن نفسه.
يشارك الفريق مصيره، لكنه لا يذوب فيه.
لذلك لم يكن غريباً أن يرى فيه الروائي النمساوي الحاصل على نوبل للآداب عام 2019 بيتر هاندكه صورة الإنسان الحديث وهو يواجه اغترابه الخاص.
فالحارس، في" خوف حارس المرمى عند نقطة الجزاء"، لا يعيش زمن المباراة كما يعيشها الآخرون؛ إنه يعيش زمن الانتظار بوصفه أكثر أشكال الوجود كثافة وإيلاماً.
لهذا السبب، نقل إلينا فيلسوف العبث ألبير كامو عقل حارس المرمى بوصفه اشتراطاً شعرياً وفلسفياً ممكناً للحيازة الفكرية للوجود؛ فهو معزول عن مجريات اللعب، ما يمنحه قدرة على التحليل والإدراك من منظور لا يمتلكه اللاعبون العشرون الآخرون.
كما أنه يرى المباراة رؤية موضوعية تسمح له بمساءلة" التكتيكات" المتقارعة بين المدربين، وزملائه على خط الدفاع والوسط والهجوم، والخصم الذي يتحين الفرصة لهز الشباك.
أكثر من ذلك، يستطيع أن يراقب المباراة وهو جزء منها، وهي وضعية لا يستطيع أحد آخر - حتى المدرب نفسه - أن يجمع بين طرفيها.
يقول كامو في كتاب" الرجل الأول" (نُشر بعد وفاته): " تعلمت سريعاً أن الكرة لا تأتي أبداً من الجهة التي تتوقعها.
وقد أفادني هذا في الحياة، وخاصة في العالم الكبير حيث لا يكون الناس صريحين تماماً".
ومن ثم، فإن نظرته إلى الكرة، وإلى حراسة المرمى تحديداً، هي تكثيف مبكر لرؤية وجودية ستتبلور لاحقاً في فلسفته عن العبث.
ومن هنا يصبح" اللعب"، باعتباره مختبراً صغيراً للوجود، هو تدريب على الوعي اليقظ بالحدود يتعلم الجسد من خلاله أن الحقيقة لا تقوم على اليقين.
في سلوك الحارس شيء من الممثل، وشيء من لاعب الشطرنجضمن هذا الأفق، تتحول حراسة المرمى إلى فضاء أولي لاكتشاف قانون غير مكتوب يحكم الوجود: انحراف الأشياء عن توقعاتها.
فالكرة التي لا تأتي من الجهة المنتظرة ليست مجرد مفاجأة داخل الملعب، وإنما هي صورة مصغّرة لعالم لا يستجيب لرغبات الإنسان ولا يخضع لخططه المسبقة.
هذا الإدراك الحسي المبكر سيجد امتداده الفلسفي في تصور كامو للعبث.
فكما أن الحارس لا يستطيع التحكم في مسار الكرة بالكامل، كذلك لا يستطيع الإنسان فرض انسجام كامل على مجرى حياته.
ومن هنا، يغدو" التمرين الرياضي" شكلاً بدئياً من التمرين الوجودي: تعلم مواجهة ما لا يمكن توقعه دون انهيار أو استسلام.
وتتعمق الدلالة الأخلاقية لهذا التصور حين نلاحظ أن كامو لا يختزل التجربة في الفشل أو النجاح، بل في اليقظة المستمرة.
فالحياة، كما الملعب، لا تكافئ من يمتلك الخطة الأكثر إحكاماً بقدر ما تكافئ من يمتلك القدرة على إعادة التموضع بسرعة، وعلى فهم أن العالم ليس صريحاً بالكامل، وأن الحقيقة تتكشف في لحظات الانزياح، حتى وإن كان حارس المرمى محكوماً بالوقوف في المنطقة المحددة له سلفاً.
وبهذا المعنى، فإن الحارس يمثل حكمة الخسارة، لأنه يعرف أن العالم ليس عادلاً، ومع ذلك يقاوم عبثية الوضع الذي وجد نفسه فيه.
لدى الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو، في كتابه" كرة القدم بين الشمس والظل"، يبدو الحارس أشبه بقديس مجهول لكرة القدم.
الجميع يحتاجون إليه، لكن لا أحد يحتفي به إلا نادراً.
إنه محكوم بمفارقة قاسية: النجاح بالنسبة إليه هو ألا يحدث شيء.
فحين يؤدي مهمته على أكمل وجه لا يتذكره أحد، أما إذا أخفق مرة واحدة فإن خطأه يتحول إلى ذاكرة جماعية.
كأن الحارس هو ذلك الإنسان الذي لا يملك حق الخطأ لأن الآخرين ألقوا عليه عبء حمايتهم.
هو من يتلقى الأهداف، وهو من يتحمل صد كل تسديدة تريد هز شباكه، لأن قدره داخل الملعب جعل من" الشباك النظيفة" مجداً، ومن" الشباك المهزوزة" عاراً.
وهي المفارقة التي انتبه إليها غاليانو بقوله: " في عام 1993، هزَم المنتخب الكولومبي - ولم يكن هيغويتا موجوداً - منتخب الأرجنتين 5/0 في بوينس آيرس.
وكانت تلك الهزيمة المذلة تستدعي تحميل أحد المسؤولية، فكان لا بد للمذنب من أن يكون، ومن سواه، حارس المرمى الأرجنتيني غويكوتشيا (.
) لم يعد من صد كرات ضربات الجزاء هو القديس غويكو، الذي فقد موقعه في المنتخب، ونصحه أكثر من شخص بالانتحار".
يعرف أن العالم ليس عادلاً لكنه يقاوم عبثية الوضع الذي وُجد فيهوإذا كان حارس المرمى، بحكم موقعه في الملعب، يرتبط بفكرة الحراسة واليقظة وانتظار الخطر، فإن هناك أسماء لحراس مثل: البرازيلي روجيريو سيني، والباراغواياني لويس تشيلافرت، والألماني هانس-يورغ بوت، والمكسيكي خورخي كامبوس قلبوا الطاولة على هذا الموقع، إذ تجاوزوا حدود منطقتهم نحو مرمى الخصم، وكسروا الثنائية الكلاسيكية بين الدفاع والهجوم، ليقدموا الدليل على أن" الوظائف" داخل الملعب ليست سوى" اتفاقات" مؤقتة يمكن فسخها بعزيمة" الحارس الهداف".
ففي تجربتهم اتسعت وظيفة الحارس لتشمل اقتراح اللعب وصناعة المصير والتوقيع على لحظة الحسم في مرمى الخصم.
كأن المرمى لم يعد نقطة وصول فحسب، بل نقطة انطلاق أيضاً.
هنا تكتسب الحركة من" الخلف المؤطر بحدود" إلى" الأمام الفسيح" دلالة رمزية عميقة؛ فالواقف عند العتبة يكتشف في العتبة نفسها ممراً نحو احتمالات جديدة.
لذلك تبدو أهداف هؤلاء الحراس أقرب إلى لحظات تمرد على منطق اللعبة التي تقتضي أن يصد الحارس الكرة، لا أن يسجلها في مرمى الخصم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك