بين الجدران المتصدعة والركام المتناثر، تقضي المسنة الفلسطينية حليمة الأشقر (81 عاماً) أيامها داخل جزء صغير من منزل لم يعد صالحاً للسكن في أحد أحياء مدينة غزة، بعدما دمّرت الغارات الإسرائيلية معظم أجزائه وحوّلته إلى هيكل مهدد بالانهيار في أي لحظة.
وتقف بقايا المنزل المدمر شاهدة على قسوة الحرب وما خلفته من مآس إنسانية.
لم يعد المنزل الذي كان يضم أفراد العائلة ويوفر لهم الأمان سوى مساحة ضيقة تحاصرها الأنقاض من كل جانب، فمداخل البيت أغلقتها أكوام الركام، فيما تحولت العديد من الغرف إلى كتل إسمنتية مدمّرة، وبقيت بعض الغرف الأرضية فقط صامدة بشكل جزئي، لتصبح الملاذ الوحيد للمسنة وابنتها فاتن.
في المكان ذاته، تختلط أصوات الرياح التي تتسلل عبر الشقوق الواسعة برائحة الغبار والرطوبة، بينما تحمل الأسقف ندوب القصف، ورغم التحذيرات المتكررة من خطورة البقاء داخل المنزل، يجبرهما غياب البدائل على مواصلة العيش فيه تحت تهديد دائم.
تقول الحاجة حليمة الأشقر، وهي تجلس على فراشها المتواضع داخل إحدى الغرف المتصدعة، إن حياتها تبدلت بالكامل بعد تدمير المنزل، موضحة أنها كانت تقضي أيامها بين أبنائها وأحفادها قبل أن تفرّق الحرب العائلة وتحرمها من أبسط مقومات الحياة الآمنة.
وتضيف لـ" العربي الجديد" أنّ تقدمها في العمر، وإصابتها بأمراض مزمنة يجعل من التنقل أمراً بالغ الصعوبة، مشيرة إلى أنها أصبحت تعتمد بشكل كامل على ابنتها في تلبية احتياجاتها اليومية، في ظل انعدام الخدمات الأساسية وصعوبة الحصول على المساعدات.
وتتابع المسنّة بصوت حزين: " أخشى في كل ليلة أن ينهار السقف فوق رؤوسنا، لكن لا مكان آخر نذهب إليه، كما أنني لا أستطيع ترك منزلي بكافة ذكرياته، أصبحنا نعيش بين الخوف والانتظار، نراقب الجدران المتشققة ونأمل أن تمر الأيام بسلام".
من جهتها، تقول ابنتها فاتن الأشقر إن المنزل تعرض للتدمير على مرحلتين، حيث ألحق القصف الأول أضراراً جسيمة بنصف المبنى، قبل أن يأتي قصف آخر أكثر عنفاً ويدمر ما تبقى منه تقريباً، ويحول المبنى المكوّن من خمس طبقات إلى ركام.
وتوضح أنها بقيت مع والدتها داخل ما تبقى من غرف الطابق الأرضي بعد فقدان كل شيء، مؤكدة أنها لا تملك أي مصدر دخل أو معيل يساعدها على توفير احتياجات الحياة الأساسية أو استئجار مسكن بديل أكثر أمناً.
وتشير فاتن لـ" العربي الجديد" إلى أنها تدرك تماماً خطورة الإقامة في منزل آيل إلى السقوط، خاصة بعد معاينة عدد من المهندسين له وتحذيرهم من احتمال انهياره، إلا أن الظروف المعيشية الصعبة وغياب الخيارات المتاحة يدفعانها إلى البقاء مع والدتها في المكان نفسه رغم المخاطر.
وتجسد قصة حليمة وابنتها فاتن جانباً من المعاناة الإنسانية التي يعيشها آلاف الفلسطينيين ممن فقدوا منازلهم خلال الحرب، حيث يجدون أنفسهم مضطرين إلى السكن وسط الركام وفي مبانٍ متضررة تفتقر إلى أدنى مقومات السلامة.
وبين الخوف من الانهيار والعجز عن إيجاد مأوى بديل، تواصل الأم وابنتها مواجهة واقع قاس يهدد حياتهما يومياً، بينما تتحول كل ليلة تمر عليهما داخل المنزل المتصدع إلى معركة جديدة من أجل البقاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك