تمكّن الشقيقان السوريان محمد وأنس العويد، بعد سنوات من الحرب والنزوح والانقطاع عن الدراسة، من تحقيق تفوق أكاديمي لافت في تركيا، في رحلة بدأت من دير الزور شرقي سورية، ومرّت بمحطات قاسية فرضتها الحرب، قبل أن تنتهي على منصات التكريم الجامعية.
لكن الطريق إلى هذا النجاح لم يكن سهلاً.
فمن طفلٍ كرّمه نظام الأسد لتفوقه الدراسي، إلى طالبٍ حرمته الحرب من مقاعد الدراسة لسنوات، ومن النزوح والعمل في البناء وقطاف المشمش لتأمين نفقات المعيشة، إلى تصدّر الجامعات التركية.
تتكشف حكاية شقيقين اختارا أن يجعلا من التعليم وسيلتهما لمواجهة آثار الحرب وبناء مستقبل جديد.
لم تبدأ الرحلة من الجامعات التركية، بل في مدينة دير الزور شرقي سورية، قبل أن تعصف الحرب بحياة الأسرة وتغيّر مسارها بالكامل.
في عام 2011، وقف الطفل محمد العويد لتسلّم تكريم نظير تفوقه في شهادة التعليم الأساسي (الصف التاسع).
وعندما مدّت أسماء الأسد يدها لمصافحته، ردّ بثقة: " لا أصافح النساء".
لم يكن يدرك آنذاك أن تلك اللحظة ستصبح مجرد تفصيل عابر في قصة ستقلبها الحرب رأساً على عقب.
بعد أشهر، اعتُقل والده.
وبينما كان نظام الأسد يكرّم الابن على تفوقه الدراسي، كان يزجّ بوالده في السجن.
ومع اتساع رقعة الثورة السورية، تغيرت حياة محمد بالكامل، إذ أغلقت الحرب أبواب المدارس، وحرمته من سنوات كان يفترض أن يقضيها بين الكتب ومقاعد الدراسة.
وعلى مدى خمسة أعوام بين 2011 و2015، انقطع عن التعليم لتصبح الدراسة حلماً مؤجلاً.
ومع اشتداد القصف الروسي على دير الزور، اضطر محمد العويد وأسرته إلى النزوح نحو شمال سورية.
وهناك، عاد هو وشقيقه أنس إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الانقطاع.
ولم يكن تعويض ما فاتهما بالأمر اليسير، لكنهما تمكنا، بفضل إصرارهما، من تحقيق تفوق لافت في شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، فاتحين لأنفسهما باباً جديداً نحو المستقبل.
وبعد ذلك، انتقل الشقيقان إلى تركيا لاستكمال دراستهما الجامعية، حاملين معهما حلماً صاغته سنوات المعاناة والإصرار.
لكن الدراسة في تركيا لم تكن امتداداً سهلاً لمسيرة التفوق التي بدأها الشقيقان.
فإلى جانب التزامهما الجامعي، اضطرّا إلى العمل في قطاع البناء خلال جزء من أيام الأسبوع، كما أمضيا مواسم الصيف في قطاف المشمش لتأمين نفقات المعيشة والدراسة.
وعندما كانت ساعات العمل تحول بينهما وبين حضور بعض المحاضرات، كانا يعودان مساءً لتعويض ما فاتهما، متمسكين بحلمهما رغم مشقة الحياة.
يقول محمد العويد لـ" العربي الجديد": " منذ وصولي إلى تركيا، كنت أعلم أن النجاح لن يأتي بسهولة.
قضيت عاماً في تعلم اللغة التركية قبل بدء الدراسة الجامعية، وكنا نعمل لتغطية تكاليف المعيشة والدراسة.
وفي كثير من الأحيان، كانت ساعات العمل تحرمنا من حضور بعض المحاضرات، لكننا كنا نعوضها ليلاً بالمراجعة والدراسة، لأننا لم نكن نملك رفاهية الاستسلام".
ويضيف: " بعد سنوات حُرمنا فيها من التعليم بسبب الحرب، شعرنا أن كل فرصة للعودة إلى مقاعد الدراسة لا بد من اغتنامها.
وما وصلنا إليه اليوم ليس ثمرة الذكاء وحده، بل نتيجة الالتزام والصبر والمثابرة، والإيمان بأن كل تعب سيؤتي ثماره".
وهذا ما تحقق بالفعل.
ففي عام 2026، وقف الشقيقان مجدداً على منصة التكريم، لكن هذه المرة في جامعة إينونو التركية بولاية ملاطية، بعد رحلة طويلة من النزوح والانقطاع عن الدراسة والعمل الشاق.
حقق محمد العويد، الطالب في قسم الفيزياء بكلية الآداب والعلوم، المرتبة الأولى على مستوى قسمه وكليته وجامعته، متخرجاً بمعدل 3.
84 من أصل 4، كما تصدّر تخصص الفيزياء على مستوى الجامعات التركية، ويطمح إلى مواصلة دراساته العليا.
أما شقيقه أنس العويد، الطالب في قسم اللغات والآداب الغربية، فقد أحرز المرتبة الأولى على مستوى قسمه، والثالثة على مستوى الكلية، ليواصل هو الآخر مسيرة تفوق بدأت قبل سنوات في دير الزور، وتحدّت الحرب والنزوح والانقطاع عن التعليم.
يقول محمد: " أطمح إلى استكمال دراساتي العليا، وأتمنى أن تكون قصتنا رسالة لكل شاب سوري فقد جزءاً من طريقه بسبب الحرب، بأن البداية من جديد ممكنة مهما بدا الوصول بعيداً".
بين منصة تكريم في دير الزور عام 2011، وأخرى في تركيا عام 2026، تمتد رحلة شقيقين سوريين اختزلت جانباً من معاناة جيلٍ كامل.
ستة عشر عاماً من الحرب والنزوح والانقطاع عن الدراسة والعمل الشاق، لم تكن كافية لإخماد شغفهما بالتعليم أو إيقاف مسيرتهما نحو النجاح.
ومن بين ركام دير الزور، وورشات البناء، وحقول المشمش، خرج محمد وأنس العويد ليكتبا واحدة من تلك الحكايات النادرة التي تذكّر بأن الحرب قد تؤخر الطريق، لكنها لا تستطيع أن تمنع الوصول.
ويختصر محمد العويد رحلتهما بجملة ربما تشبه حكاية جيل كامل من السوريين: " الحرب أخذت منا سنوات كثيرة، لكنها لم تستطع أن تسلب منا إيماننا بأن التعليم هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يعيد للإنسان حياته".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك