ليس أخطرَ على التاريخ من رجلٍ يهوى الكذب، إلا رجلٌ يتخذه مسلكًا ومذهبًا، ويجعل من الهوى منهجًا، ومن الأمنية وثيقةً، ومن الافتراء حجةً، ثم يطلب من الناس أن يصدّقوا ما كتب؛ لا لأنه أقام عليه برهانًا، بل لأنه أكثر فيه من البيان، وأطال فيه البهتان.
فالحقائق لا تُبدَّل بضجيج المطابع، والخرائط لا تُرسم بحبر الافتتاحيات، والسيادة لا تهبها صحيفةٌ إذا رضيت، ولا تسلبها إذا غضبت، ولا يمحوها مقالٌ عابرٌ إذا استبدَّ بصاحبه الوهم، واستطال به الزعم.
ومن عجبِ بعض الصحف إذا ران عليها الهوى، وغلب عليها الغرض، أنها تُخاصم التاريخ إذا شهد، وتُكذّب الوثيقة إذا نطقت، وتتهم الأمم إذا أجمعت؛ فإن وافقها النصُّ رفعته راية، وإن خالفها رمته غواية، حتى يصير الباطل عندها أصلًا مأثورًا، والحق قولًا مهجورًا، والوهم سياسةً منشورة، والافتراء صناعةً مشهورة.
ومن هذا الباب خرج علينا المدعو حسين شريعتمداري في صحيفة كيهان، وليس له من الشريعة إلا رسم الاسم، ولا من المدار إلا دوران القلم حول الوهم؛ فلا شريعةَ حقٍّ هدت مقاله، ولا مدارَ برهانٍ قام عليه جداله، بل ساق من الكلام ما تُغني الوثيقة عن رده، وتكفي الحقيقة في نقضه.
ولو كان المقالُ يضمُّ الأوطان، والحبرُ يرسمُ الحدود، والهوى يقضي على العهود، لكان على الأمم المتحدة أن تُغلق أبوابها، وعلى مجلس الأمن أن يطوي كتابها، وعلى العالم أن ينتظر كل صباح عددًا جديدًا من كيهان؛ ليعلم من بقي وطنًا ومن زال، ومن ثبت شعبًا ومن استحال.
غير أن التاريخ أعصى من أن يُساق إلى سوق الدعاية، والوثيقة أصلب من أن تكسرها مطبعة، والحقيقة أرفع من أن تهبط من مقام البرهان إلى حضيض البهتان.
والذي تُسقطه كيهان عمدًا، وتُعرض عنه قصدًا، أن البحرين لم تكن يومًا أرضًا سائبة، ولا هويةً عائمة، ولا إرادةً غائبة، ولا شعبًا ينتظر من طهران اسمًا يُملى، أو رسمًا يُعطى، أو تعريفًا يُستجدى.
فمملكة البحرين عربيةٌ خليفيةٌ مسلمةٌ منذ قيام الدولة البحرينية الحديثة في عهد المؤسس أحمد الفاتح عام 1783م؛ حقيقةٌ لم تُنشئها بعثة، ولم تمنحها منظمة، ولم تصنعها صحيفة، فهويتها سابقةٌ على الأمم المتحدة، وسابقةٌ على كيهان ورويترز، وأعرقُ وأرسخُ من كل من يحاول، أو حاول، النيل منها.
لقد رسّخها التاريخ، وشهدت لها الدولة، وحملها شعبٌ عرف هويته قبل أن تُكتب التقارير، وأدرك سيادته قبل أن تتعاقب القرارات.
فقد أبت البحرين منذ البدء أن تُجعل عروبتها موضع سؤال، أو سيادتها محل جدال، أو استقلالها مادةً لاستفتاء؛ لأن ما رسخ في وجدان الشعوب لا يُعرض للمراجعة، وما ثبت في ضمير الأوطان لا يُطرح للمساومة، وما كان حقًا أصيلًا لا يُنزَّل منزلة الاحتمال.
وإذ أتناول مسار بعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق، فليس ذلك استطرادًا في التاريخ، ولا ترفًا في السرد، بل من باب الحرص على أن يكون السرد الوطني في مثل هذه المواقف واضحًا لا ملتبسًا، راسخًا لا مرتبكًا، موثقًا لا مرسلًا؛ لأن الرد على الزور لا يكون بانفعالٍ مهلهل، ولا بغضبٍ عابر، بل بحجةٍ مزلزلة، ووثيقةٍ قاطعة، وسردٍ وطنيٍّ محكم، يعرف أين يبدأ، وأين يقف، وكيف يُسقط الفرية من أصلها لا من أطرافها.
ومن هنا جاء مسار بعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق شاهدًا على إرادة بحرينية قائمة، لا صانعًا لإرادة مستعارة.
فما كان الأمر اختراعَ حقيقة، بل إظهارَ وثيقة؛ ولا إنشاءَ اختيار، بل إعلانَ قرار؛ ولا بحثًا عن هويةٍ غائبة، بل تثبيتًا لهويةٍ راسخة.
وهناك انكشفت فرية كيهان من أول بابها؛ إذ لم يكن الأمر صناديق تُدار، ولا أرقامًا تُختلق، ولا مشهدًا يُصنع في ليل السياسة، وإنما استطلاعٌ أمميٌّ واسع، باشره المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، فيتوريو وينسبير-غويتشياردي، فاستمع إلى مختلف فئات المجتمع البحريني، ثم انتهى إلى خلاصةٍ لا تقبل ليًّا ولا تأويلًا، ولا تُبقي للدعاية مدخلًا ولا للبهتان سبيلًا: أن البحرين دولةٌ عربيةٌ مستقلة، كاملة السيادة، حرةٌ في قرارها، ماضيةٌ في تقرير علاقاتها مع سائر الدول.
ولم تقف الحجة عند شهادة البعثة الأممية وحدها؛ بل إن الشاه نفسه، وهو رأس الدولة التي تحاول كيهان اليوم أن تستدعي دعواها البائدة من رماد التاريخ، قد قبل بالمسار الأممي وارتضى نتيجته، فأصبح اعتراف الخصم القديم شاهدًا على سقوط الدعوى، وإقرار صاحب الزعم أبلغَ في نقض الزعم من ألف ردٍّ وجدال.
فكيف يعود بعد ذلك كاتبٌ مأجور، أو قلمٌ مأزوم، ليُخاصم حقيقةً قبلها من كان أولى بدعواها، ويُنكر أمرًا أقرّه من كانت كيهان تتكئ على ظله؟ إن من العجب أن يثبت الشاه ما تنكره كيهان، وأن يعترف التاريخ بما تجحده الدعاية، وأن يكون الخصم القديم أصدق على الحقيقة من صحيفةٍ تزعم أنها وريثة الموقف، فإذا بها وريثة الوهم لا غير.
ولم تكن تلك الإرادة إرادةَ شطرٍ دون شطر، ولا صوتَ فريقٍ دون فريق؛ فقد أثبت التقرير أن الإجماع الوطني لم يتجزأ بين مذهبٍ ومذهب، ولا تفرّق بين مدينةٍ وقرية، ولا اختلف بين رجلٍ وامرأة، ولا تباين بين شيخٍ وشاب.
ثم توالى التثبيت الدولي للحقيقة البحرينية في مسارٍ واضحٍ لا التباس فيه؛ ففي 11 مايو 1970 أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 278، فأقرّ ما انتهت إليه البعثة، بأن البحرين دولةٌ عربيةٌ حرةٌ كاملة السيادة.
ثم في 18 أغسطس 1971 صوّت مجلس الأمن لصالح قبول انضمام مملكة البحرين إلى الأمم المتحدة بموجب القرار رقم 296، موصيًا بالإجماع الجمعية العامة بقبول طلب البحرين للعضوية.
ثم في 21 سبتمبر 1971 فتحت الجمعية العامة للأمم المتحدة سجلَّها للبحرين عضوًا كاملًا بموجب القرار رقم 2752، لتصبح العضو رقم 129 في المنظمة الدولية.
أفكانت الأمم المتحدة كلُّها جوقةَ وهم؟ أم غدا اعتراف العالم حبرًا لا يراه إلا من أطفأ في عينيه مصباح الحقيقة، وفتح في عقله دكّان الدعاية؟أما رويترز فليست في هذا المقام كحال كيهان؛ فكيهان بوقُ كذبٍ من أبواق نظام ولاية الفقيه، ينفخ في رماد الوهم حتى يحسبه نارًا، ويبيع على قارئه دخان الدعاية حتى يراه نهارًا.
أما رويترز، فليست علتها علة المأمور إذا كذب، بل عثرة المهني إذا اضطرب؛ ترفع للحياد راية، ثم تميل بها الرواية، وتعلن للنزاهة ميثاقًا، ثم تضيق بها عند التطبيق آفاقًا.
تقول رويترز في مبادئ الثقة إن النزاهة محفوظة، والاستقلال مصون، والحياد قائم، والخبر موثوق.
وما أيسر المبادئ إذا صيغت في المكاتب، وما أعسرها إذا نزلت إلى المواقف.
وهنا لا تكون الآفة في خطأٍ عابرٍ من محرر، بل في ذلك الزحف اليساري المؤدلج الذي يتسلل إلى حصون المؤسسات الإعلامية باسم التقدّم، ويتزيّا بلباس الحقوق، ويتكلم بلسان الحياد، ثم ينخر من داخلها مصداقيتها نخر السوس في الخشب؛ حتى إذا قرأت الخبر وجدت وراءه موقفًا، وإذا فتشت في التحليل وجدت تحزّبًا، وإذا سألت عن الحياد وجدت رأيًا مؤدلجًا يخاصم سياسات لا تعجبه، ويجامل أنظمة لا ينبغي مجاملتها.
وليس بعيدًا عن هذا ما تلخصه العبارة السياسية المنسوبة إلى تشرشل: إن من لم يكن يساريًا في شبابه فلا قلب له، ومن بقي يساريًا بعد الأربعين، وقد اكتمل له نضج العمر، فهو من لا عقل له؛ وهي عبارة، وإن اضطربت نسبتها، تكشف معنىً حاضرًا في كثير من الجامعات الغربية، حيث يجد التيار اليساري في الحرم الجامعي تربةً خصبةً للانتشار، ثم لا يلبث أن يخرج من قاعات الدرس إلى غرف التحرير، ومن شعارات الطلبة إلى عناوين بعض الصحف، ومن الانفعال الأيديولوجي إلى صناعة الخبر.
وهنا تصبح المؤسسة الإعلامية في خطرٍ حقيقي، لا لأن لها رأيًا، بل لأن رأي كاتبها يستعمر معيارها، ولأن انحيازه يلبس عباءة حيادها.
وليس هذا بعيدًا عمن كتب ذلك المقال المزيف حين تناول شأن البحرين؛ إذ تبدو بصمات توجهه حاضرة في انتقاء العبارة، وتوجيه السياق، وتغليف الرأي بثوب الخبر، وجرّ القارئ إلى قراءةٍ لا تخدم الحقيقة بقدر ما تخدم موقفًا مؤدلجًا معارضًا للسياسات الهادفة إلى مواجهة أفعال نظام ولاية الفقيه الإرهابية.
وليس أخطر على الإعلام من كاتبٍ يجعل من منصة الخبر منبرًا لفكرته، ومن معيار المؤسسة ستارًا لميله، ومن اسم الوكالة غطاءً لانحيازه.
فإذا تناولت الوكالة شأن البحرين، وعلّقت سردها على عبارة رخوة مبهمة من جنس: “يقول محللون”، ثم جعلت من هذا الظل المجهول أصلًا، ومن هذا الصوت المستور دليلًا، ومن هذا الرأي العابر مدخلًا إلى قراءة تختزل وطنًا في قلق، وشعبًا في مذهب، ودولةً في احتمال؛ فهنا لا يكون الخبر خبرًا، بل رأيًا تنكّر في ثوب الخبر، ولا يكون التحليل تحليلًا، بل ظنًّا يبحث عن ختم وكالة ليغدو في عين القارئ يقينًا.
فالصحافة لا تُدان لأنها تسأل، بل حين تُخفي مصدر الجواب؛ ولا تُلام لأنها تنقل رأيًا، بل حين تُلبسه جبة الحقيقة.
وإن كانت رويترز قد جعلت الحياد من مبادئها، فليكن حيادًا يُرى في الصياغة لا في الشعار، ويُسمع في الدقة لا في الادعاء، ويقوم على مصدرٍ ظاهر لا على اسمٍ غائب، وعلى واقعةٍ ثابتة لا على قراءةٍ سائبة.
إن البحرين ليست روايةً تنسجها كيهان من خيوط كذب نظام ولاية الفقيه، ولا حكايةً تُرتّلها أبواق الزور في سوق التمويه، ولا فرضيةً يمرّرها مجهولٌ في سطرٍ عابرٍ من خبرٍ واهٍ أو تحليلٍ سفيه؛ فالأوطان لا تُختصر في مقالة، ولا تُختطف بعبارة، ولا تُعلَّق هويتها على قلمٍ مأجور، أو مصدرٍ مستور، أو إشارةٍ عابرةٍ في خبرٍ مبتور.
فلتكتب كيهان ما شاءت من أوهامها، ولتتفضّل رويترز بتطبيق ما ترفعه من معاييرها؛ فليست البحرين حاشيةً على مقالٍ مأجور، ولا هامشًا في تحليلٍ مستور، ولا وطنًا ينتظر تعريفه من صحيفةٍ ضلّت، أو وكالةٍ زلّت.
البحرين باقيةٌ في ظل قيادة آل خليفة الكرام، مصونةَ العهد، محفوظةَ السيادة، ثابتةً بولاء شعبها لقيادته، ووفائه لأرضه، وإخلاصه لوطنه، ووئامه في مجتمعه؛ راسخةً بما شهد له تاريخها، ماضيةً بما أقرّه العالم لها: دولةً عربيةَ الهوية، بحرينيةَ الوجدان، مسلمةً، مستقلةَ القرار، كاملةَ السيادة؛ ما بقي للحق شاهدٌ لا يُشترى، وللوطن اسمٌ لا يُمحى، وللبحرين مجدٌ لا يُطوى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك