لا يعرف كثير من المصريين عن عاشوراء سوى طبق الحلوى بالقمح واللبن والمُكسّرات، وكنت محظوظة أنّني عشت الطقوس الاحتفالية لهذا اليوم منذ طفولتي، وتذوّقت في كلّ ذكرى عاشوراء طبق العاشوراء المصري الشهير.
لكن عندما كبرت أدركت كيف يحمل هذا الطبق في حدّ ذاته مُفارقات مصرية، لا تتوّفر ربّما في أيّ بلد آخر.
وأدركت أيضاً أنّ يوم عاشوراء نفسه ليس يوماً وردياً فيه تحلية مُختلفة فحسب، بل يوماً حزيناً عند بعض المصريين، وربّما كابوسياً ودرامياً عند الأسر الشيعية، تصل هذه الدراما إلى حدّ الاعتقال والإخفاء القسري المُتكرّر في كلّ عاشوراء أو قبلها بأيّام.
في عاشوراء هذا العام لم آكل" العاشوراء"، لأنّ عائلة صديقي المصوّر، حيدر قنديل، لا تعلم أين هو، صديقي الذي اجتمعت بعائلته وتابعت كيف كبر ابنه، علي حيدر، في غيابه عامين، والآن يغيب عنه ثانية، علي حيدر الذي تنطبق عليه الأغنية التي صادفتها مؤخّراً عليّ يشبه عليّ.
هذي تربية حيدر، لم أرَ علياً يضحك كثيراً وهو الآن بعمر ثماني سنوات، وكيف يضحك وهو مغتربٌ في بلد لا يعلم أهلها أنّ الشيعة طائفة من المسلمين وليسوا خارجين عن الملّة، وغير ذلك هم مواطنون وليسوا أغراباً في بلد فيه تهمة تُسمّى تهمة نشر التشيّع.
احتضنت مصر آل البيت، وبنت لهم المقامات في قلب قاهرة المعز وجعلت من حبّ الحسين والسيدة زينب ركناً أساسياً في إسلامها الشعبيأنا سنية وصديقي شيعي وهذا ليس أمراً غريباً، الغريب أنّ اعتقال عشرات الشيعة واقتحام الحُسينيات وإغلاق ضريح الحسين قبل عاشوراء، وفي بيت حيدر قنديل، يمرّ يوم عاشوراء ثقيلاً، ليس لأنهم يرفضون" طبق الحلوى"، بل لأنّ مرارة الفقد غلبت كلّ حلاوة مُمكنة.
حيدر، المصوّر الذي لم يحمل يوماً سلاحاً سوى عدسته ليوثّق قصص الناس، وجد نفسه ضحية لـ" تهمة" لا تستند إلى قانون بقدر ما تستند إلى هواجس أمنية وقوالب جاهزة.
إنّ تهمة" نشر التشيّع" التي تلوّح بها الأجهزة الأمنية كلّ عام مع اقتراب عاشوراء، تبدو في عمقها مفارقة كبرى في بلد مثل مصر.
مصر التي احتضنت آل البيت، وبنت لهم المقامات في قلب قاهرة المعز وجعلت من حبّ الحسين والسيدة زينب ركناً أساسياً في إسلامها الشعبي.
فكيف يمكن لدولة تعتز بـ" رأس الحسين" في قلب عاصمتها، أن تطارد من يُحيون ذكراه بطريقتهم الخاصة؟ وكيف تحوّل هذا الحبّ من" رباط مُقدّس" يجمع المصريين، إلى" ملف أمني" يفرّق بينهم؟هذا" الصفيح الساخن" الذي تقف عليه عاشوراء في مصر ليس وليد الصدفة.
إنّه نتاج سنوات من الشحن الطائفي المُستورد، ومن توظيف الدين في الصراعات الإقليمية.
لقد أُلبس الشيعة المصريون، وهم مواطنون أصلاء يمتدّ تاريخهم في طين هذه الأرض، أثواباً ليست لهم.
صار يُنظر إليهم كـ" طابور خامس" أو" خلايا نائمة"، مُتناسين أنّ الانتماء للوطن لا يمرّ عبر بوابة المذهب، بل عبر المواطنة الكاملة والولاء للأرض والعيش المُشترك.
في كلّ عام، تتكرّر المشاهد ذاتها: إغلاق ضريح الحسين، تشديد الحراسة، حملات اعتقال استباقية، وبيانات رسمية تحذر من" الطقوس الغريبة"في كلّ عام، تتكرّر المشاهد ذاتها: إغلاق ضريح الحسين، تشديد الحراسة، حملات اعتقال استباقية، وبيانات رسمية تحذّر من" الطقوس الغريبة".
وكأنّ الدولة تخشى من بضع دمعات تُذرف في الخفاء، أو من كلمات رثاء تقال في مجلس خاص.
هذا الهلع المُبالغ فيه يعكس هشاشة في فهم المواطنة والتاريخ ذاته، حيث يُعامل التنوّع كتهديد لا كإثراء.
والمصريون الذين يعرفون عاشوراء كـ" تحلية"، لا يدركون أنّ خلف الأبواب الموصدة في بعض الأحياء، هناك أسر تعيش" كربلاء" مُصغّرة في كلّ لحظة.
هناك أمهات ينتظرن طرقة على الباب تُعيد لهنّ ابناً، وزوجات يكافحن لتدبير لقمة العيش في غياب المُعيل، وأطفال ينمون بأسئلة وجودية تفوق أعمارهم.
المفارقة المؤلمة أنّ الطبق الذي نحتفل به، " عاشوراء المصري الشهير"، هو بحدّ ذاته مزيج من مكوّنات مختلفة؛ قمح ولبن ومُكسّرات ونكهات مُتنوّعة، لا يلغي أحدها الآخر بل يكتمل به.
هكذا هي مصر، أو هكذا يجب أن تكون: وعاءً كبيراً يتسع لكلّ أطيافها، بقمحها الصعيدي، ولبنها الريفي، وتنوّعها المذهبي والفكري.
إنّ محاولة" تنقية" هذا الخليط بالقوّة أو بالإقصاء، لن تؤدي إلا إلى إفساد الطعم وتحويل" الحلوى" إلى علقم.
إذا غصنا في تربة القاهرة، سنجد أنّ" عاشوراء" ليست مجرّد صدفة تقويمية، بل هي طبقات في تاريخ الوعي المصري.
فمنذ اللحظة التي قرّر فيها المعز لدين الله الفاطمي أن يجعل من القاهرة عاصمة لخلافته، دخلت طقوس آل البيت في نسيج" المزاج الشعبي".
في ذلك الزمان، كانت عاشوراء يوماً للحزن الرسمي، تُغلق فيه الأسواق وتتعطّل التجارة، وتخرج المواكب تعبيراً عن لوعة الفقد.
المصريون الذين يعرفون عاشوراء كـ" تحلية"، لا يدركون أنّ خلف الأبواب الموصدة في بعض الأحياء، هناك أسر تعيش" كربلاء" مُصغّرة في كل لحظةلكن المُدهش في الشخصية المصرية هو قدرتها العجيبة على" التحوير" والامتصاص؛ فحين جاء الأيوبيون وسعوا لمحو الإرث الفاطمي، حوّل المصريون الحزن الكامن في القلب إلى طقس اجتماعي يتسم بالود، وابتكروا" طبق عاشوراء" ليصبح رمزاً للاستمرار لا للانقطاع.
هذا التحوّل التاريخي من" المأتم" إلى" الوليمة" لم يكن استسلاماً، بل كان نوعاً من المقاومة السلمية للحفاظ على الرمز.
المصري، بطبعه، يقدّس" الونس"، ووجد في آل البيت عائلة كبرى ينتمي إليها.
لذا، فإنّ محاولة السلطة الحالية عزل الشيعة المصريين أو تجريم طقوسهم، هي في حقيقتها صدام مع" اللاوعي الجمعي" الذي يرى في الحسين جداً، وفي السيدة زينب أمّاً حنوناً.
إنّها محاولة لفرض قراءة أحادية وجافة للدين على شعب اعتاد أن يمزج قداسة السماء بطيبة الأرض.
إنّ" السيكولوجية الأمنية" التي تتعامل مع عاشوراء كحالة" تأهّب قصوى" تعكس خللاً في فهم معنى" الدولة الوطنية".
فالدولة القوّية هي التي تستوعب تنوّعها وتراه مصدر ثراء، لا التي تخشى من" منديل أسود" أو" دعاء حزين".
حين يُعامل المواطن الشيعي كملف استخباري، فنحن هنا لا نحمي الأمن القومي، بل نمزّق السلم المجتمعي.
نحن نصنع" غيتوهات" نفسية تجعل الفرد يشعر أنّه" ضيف ثقيل" في بيت ورثه عن أجداده.
الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، بل بالاعتراف بأن الحقيقة لها وجوه مُتعدّدةيعاني" حيدر قنديل"، وكلّ الشيعة المصريين من" الوصمة".
والاعتقال بتهمة" التشيّع" يترك أثراً يتجاوز القضبان؛ إنه يحاول نزع" المصرية" عن الشيعي، وتصويره كأداة لمشاريع خارجية.
وهنا يبرز التساؤل: هل صار حبّ آل البيت، الذي هو ركيزة في التصوّف السني المصري أيضاً، جسراً للاتهام؟ إنّ هذا التداخل بين" التدين الشعبي" و" الانتماء المذهبي" هو ما يجعل القبضة الأمنية تبدو كمن يضرب في الهواء؛ فهي تطارد طيفاً يسكن في قلوب الملايين، حتى أولئك الذين يرفضون المذهب الشيعي عقائدياً.
ما يواجهه" علي حيدر" الصغير، هو صدمة الوعي بـ" الآخرية".
سيكبر هذا الطفل وهو يدرك أنّ هناك" مصرين": مصر التي تأكل الحلوى في يوم عاشوراء، ومصر التي تُساق خلف الشمس لأنّها اختارت أن تهمس باسم الحسين بطريقة مختلفة.
هذا الانقسام الوجداني هو أخطر ما يواجه مستقبلنا؛ لأنّ الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، بل بالاعتراف بأنّ الحقيقة لها وجوه مُتعدّدة.
سلام على" حيدر" في غيابه، وسلام على" علي" في تساؤله، وسلام على وطن لا يضيق بأبنائه مهما اختلفت صلواتهم أو تنوّعت طقوس حزنهم.
إنّ الحرية، كـ" العاشوراء"، يجب أن يتذوّق حلاوتها الجميع، لا أن تُقدّم للبعض وتُحرّم على الآخرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك