بحث وكيل وزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية اللواء عبدالسلام الزوبي، خلال لقائه في واشنطن الخميس الماضي، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والشرق الأوسط وشؤون أفريقيا مسعد بولس، ونائب قائد القيادة الأميركية في أفريقيا AFRICOM)) الفريق جون دبليو برينان، سبل دعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وتوسيع مجالات التعاون العسكري، وبرامج التدريب وبناء القدرات، وتعزيز التنسيق في مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما يسهم في دعم استقرار ليبيا وتعزيز الأمن الإقليمي.
مشاورات أمنية ليبية - أميركية سبقها نشاط استخباراتي دولي مكثف، إذ استقبل شرق وغرب البلد المنقسم بين سلطتين رؤساء أجهزة استخبارات من دول إقليمية ودولية متداخلة في الملف الليبي، على غرار رئيس جهاز الاستخبارات المصرية حسن رشاد، ورئيس الاستخبارات التركي براهيم قالن، ورئيس الاستخبارات الإيطالي جيوفاني كارافيلي، حيث تم تباحث توحيد المؤسسات الأمنية والسياسية.
ويطرح تزامن هذه التحركات الاستخباراتية والعسكرية، تساؤلات حول مدى انتقال الملف الليبي من" الدبلوماسية التقليدية" إلى ما يمكن وصفه بـ" دبلوماسية الاستخبارات"، حيث تُصاغ التفاهمات الأمنية والسياسية خلف الأبواب المغلقة قبل إعلانها رسمياً.
يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية يوسف الصغير، أن الزيارات المتزامنة التي قام بها رؤساء أجهزة استخبارات تركيا ومصر وإيطاليا إلى ليبيا، تؤكد أن البلد أمام ما يسمى دبلوماسية الاستخبارات.
موضحاً أنه" في العادة تتولى وزارات الخارجية إدارة الاتصالات السياسية بين الدول بينما تبقى الأجهزة الاستخباراتية في الخلفية، لكن عندما تصبح الملفات شديدة الحساسية، وتكون الثقة بين الأطراف محدودة، تنتقل المبادرة إلى القنوات الأمنية والاستخباراتية القادرة على العمل بعيداً من الأضواء.
في هذا السياق تبرز دبلوماسية الاستخبارات بوصفها أداة للتفاوض غير المعلن واختبار المواقف وبناء التفاهمات الأولية قبل الانتقال إلى الإعلان السياسي الرسمي".
ويذهب المتخصص في العلاقات الدبلوماسية، إلى أن التزامن اللافت بين زيارات رؤساء الأجهزة الاستخباراتية إلى طرابلس وبنغازي خلال فترة زمنية قصيرة لا يبدو حدثاً عابراً، فالأجهزة الاستخباراتية لا تتحرك عادة بهذا الإيقاع المتقارب إلا عندما تكون هناك ملفات مشتركة أو رسائل سياسية يجرى تنسيقها بين أكثر من طرف.
ويشير الصغير لـ" اندبندنت عربية"، إلى أن البيانات الرسمية المقتضبة التي أعقبت اللقاءات تعزز الانطباع بأن ما يجري لا يزال في مرحلة الاستكشاف، إذ يفضل إبقاء التفاصيل بعيداً من التداول العلني.
وهذه التحركات تكتسب أهمية إضافية في ظل الحديث عن مبادرات دولية وإقليمية تهدف إلى إنهاء حال الانقسام السياسي في ليبيا وإعادة ترتيب السلطة التنفيذية ضمن صيغة توافقية جديدة".
ويوضح أن" مثل هذه الظروف لا يكون المطلوب فيها فقط التوصل إلى اتفاق سياسي، بل توفير ضمانات أمنية تضمن استدامته ومنع انهياره عند أول اختبار ميداني، من هذا المنطلق يفهم سبب تقدم الأجهزة الأمنية على الدبلوماسيين، فهذه الأجهزة لا تبحث فقط في المواقف السياسية، بل أيضاً في قدرة الأطراف على الالتزام بموازين القوى الفعلية على الأرض، وبطبيعة الضمانات المطلوبة لإنجاح تسوية محتملة، لذلك فإن دورها يتجاوز جمع المعلومات إلى الإسهام المباشر في صناعة التفاهمات".
ويخلص إلى أن ما تشهده ليبيا اليوم لا يقتصر على دبلوماسية الاستخبارات بمفهومها الكلاسيكي، بل يقترب أكثر من نمط يمكن تسميته" التفاوض الأمني- السياسي الصامت"، حيث تتداخل وظائف الاستطلاع الأمني مع التفاوض السياسي وبناء الضمانات التنفيذية، مما يعكس حقيقة أساسية مفادها أن الملف الليبي لا يزال ينظر إليه من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين باعتباره ملفاً أمنياً وسياسياً في آن واحد.
يقول مدير مؤسسة" ابدأ للدراسات" عبدالله الغرياني، إن" الزيارات الاستخباراتية الأخيرة من الدول المتداخلة في الشأن الليبي كمصر وتركيا وإيطاليا هي لفهم مدى قوة أي اتفاق سياسي يحدث من منظور أمني"، منوهاً إلى أن" هناك استحقاقات أمنية مهمة جداً تهم هذه الدول في ليبيا، بما في ذلك التعاون الاستخباراتي وقياس مدى استعداد أطراف الصراع، وتحديداً في الغرب الليبي، لضمان التوازنات الأمنية والعسكرية الضرورية".
ويرجح أن" هذا الانسياب الاستخباراتي يأتي في إطار بث رسائل إقليمية بأن هناك ثباتاً أمنياً في ليبيا من شأنه أن يؤمن أية عملية سياسية قادمة، لأن الملفات الأمنية هي الضامن الأساس لسلامة أي اتفاق، سواء في إطار مبادرة مسعد بولس، أو ضمن المناورات السياسية الأخرى لترتيب البيت الداخلي غرب البلاد، بخاصة أن شرق ليبيا أعلن دعمه لمبادرة بولس من خلال بيان القيادة العامة الذي أكد أن القوات المسلحة ستحمي هذه المبادرة حتى تصبح نافذة".
وبخصوص تصدر رؤساء أجهزة الاستخبارات المشهد الليبي اليوم بدلاً من المبعوثين الدبلوماسيين، يفيد المتخصص في العلاقات الدولية خالد الحجازي، بأنه" بعد أكثر من 15 عاماً من الانقسام والصراع، أصبحت الملفات السياسية مرتبطة بصورة مباشرة بالقضايا الأمنية والعسكرية، ولم يعد ممكناً الحديث عن حكومة موحدة أو انتخابات أو تسوية سياسية من دون معالجة قضايا الأمن وتوحيد المؤسسات العسكرية وتأمين الحدود وحماية المنشآت النفطية وضمان عدم عودة المواجهات المسلحة.
لذلك أصبحت القنوات الأمنية والاستخباراتية أكثر سرعة وفاعلية من القنوات الدبلوماسية التقليدية في نقل الرسائل وبناء التفاهمات بين الأطراف المحلية والإقليمية".
وحول ما إذا كانت هذه الزيارات تعكس مخاوف من تدهور أمني، أو أنها مؤشر إلى قرب مرحلة سياسية جديدة، يبين الحجازي أن" الأمر يجمع بين العاملين معاً، فالدول المعنية تدرك أن استمرار الانقسام السياسي والاقتصادي قد يقود إلى توترات أمنية تهدد مصالحها المباشرة، سواء في ما يتعلق بأمن الحدود أو مكافحة الإرهاب أو الهجرة غير الشرعية أو أمن الطاقة، لذلك تسعى هذه الدول إلى منع أي انفجار محتمل قبل وقوعه".
ويتابع" كثافة الاتصالات والتحركات تشير إلى وجود مشاورات جادة حول ترتيبات سياسية قادمة قد تشمل استكمال مسار توحيد المؤسسات، وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات عامة، فضلاً عن بناء تفاهمات إقليمية ودولية تضمن استقرار أية تسوية مستقبلية".
ويلفت الحجازي إلى أن" هذه التحركات تأتي في وقت تتزايد الدعوات لإنهاء حال الانقسام والانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً، فعندما يتحرك رؤساء أجهزة الاستخبارات بهذا المستوى من النشاط، فإن ذلك غالباً ما يكون مؤشراً إلى أن هناك تفاهمات تُصاغ خلف الكواليس قبل أن تتحول إلى مبادرات سياسية معلنة".
ويرى المتخصص في العلاقات الدولية، أن ما تشهده ليبيا اليوم لا يبدو مجرد تحركات أمنية عابرة، بل قد يكون مقدمة لمرحلة سياسية جديدة في ليبيا، مرحلة تسعى فيها القوى الإقليمية والدولية إلى ضمان الاستقرار أولاً، قبل الانتقال إلى ترتيبات سياسية قد تعيد رسم المشهد الليبي خلال الفترة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك