في وقت لا يزال فيه السوريون يبحثون عن إجابات لسنوات طويلة من الاعتقال والانتهاكات، يعود المسرح ليؤدي دوره بوصفه مساحة للنقاش العام، عبر العرض الجديد" بروفة يوم الحساب" الذي اختار الاقتراب من أحد أكثر الملفات حساسية في سوريا، وهو ملف العدالة الانتقالية، من خلال قصة إنسانية تتناول معاناة ناجيتين من الاعتقال وما تركته التجربة من ندوب نفسية لا تنتهي بخروج الضحية من السجن.
العرض، الذي افتتح وسط تفاعل جماهيري لافت، من إنتاج وزارة الثقافة بالتعاون مع مديرية المسارح والموسيقا ومؤسسة دمشق للثقافة والفكر والفنون والتنمية، وهو من تأليف فارس الذهبي وإخراج ماهر صليبي، ويشارك في بطولته عدد من الفنانين السوريين، بينهم يارا صبري وجابر جوخدار.
وتدور أحداث المسرحية التي تم عرضها في مسرح الحمراء بدمشق، داخل مشغل خياطة قديم، اختارته بطلتا العمل، سما وثريا، ليكون ملاذاً هادئاً بعد سنوات الاعتقال.
إلا أن هذا الهدوء لا يلبث أن يتبدد مع دخول رجل غريب إلى المكان، لتبدأ مواجهة نفسية تتداخل فيها الشكوك مع الذكريات، وتتحول إلى محاكمة غير معلنة للماضي، يختلط فيها الانتقام بالرغبة في العدالة، بينما يبقى السؤال الأساسي معلقاً: كيف يمكن محاسبة الماضي عندما تصبح الذاكرة هي الشاهد الوحيد؟الاعتقال لا ينتهي عند باب السجنويرى مخرج العمل ماهر صليبي أن المسرحية لا تركز على تجربة الاعتقال بوصفها حدثاً انتهى، وإنما على ما يرافق الناجيات بعد خروجهن إلى المجتمع.
وقال صليبي في تصريح لموقع تلفزيون سوريا إن بطلتَي المسرحية" هما ناجيتان من المعتقل اختارتا العمل في مشغل خياطة بعيداً عن ضجيج الحياة، لأن أي شخص يمضي سنوات في الاعتقال لا يمكن أن يخرج بحالة صحية أو نفسية سليمة".
وأضاف أن الشخصيتين" عانتا داخل المعتقل كما عانتا بعد خروجه، نتيجة صعوبة الاندماج مع المجتمع وما تركته التجربة من آثار نفسية عميقة، الأمر الذي أدى إلى حالة من عدم الاستقرار النفسي والأزمات المتواصلة".
وأوضح أن العمل نحج في تحويل هذه الحالة النفسية المركبة إلى دراما قريبة من الجمهور، مضيفاً: " عندما قدمنا هذه الحالة على المسرح شعرنا بعد العرض الافتتاحي أن كثيرين وجدوا أنفسهم قريبين من شخصيات العمل، وهذا يعني أن التجربة الإنسانية وصلت إلى الناس".
ويؤكد صليبي أن الهدف لم يكن تقديم قصة خاصة بشخصيتين فقط، وإنما التعبير عن حالة إنسانية يعيشها كثير من الناجين والناجيات من الاعتقال، ممن يواجهون معارك جديدة بعد خروجهم، تبدأ بمحاولة استعادة حياتهم الطبيعية ولا تنتهي بسهولة.
العدالة الانتقالية في قلب المسرحيةلا تتوقف المسرحية عند الجانب النفسي، إذ تضع قضية العدالة الانتقالية في صلب الأحداث، باعتبارها القضية التي تنتظرها ويناضل من أجلها شريحة واسعة من السوريين.
ويقول صليبي إن النص كُتب منذ البداية ليطرح سؤال العدالة، وليس للحديث عن الناجيات فقط، مضيفاً: " المسرحية وضعت يدها على الجرح، لأنها تناقش العدالة الانتقالية التي ينتظرها الشارع السوري ويطالب بتحقيقها بأسرع وقت".
وأضاف أن الوصول إلى محاكمات" سريعة وحقيقية وشفافة" من شأنه أن يخفف من آلام الضحايا ويمنح المجتمع شعوراً بأن العدالة بدأت تأخذ مجراها، معتبراً أن الفن قادر على فتح نقاش مجتمعي حقيقي حول هذه القضايا، إلى جانب الأعمال الثقافية الأخرى التي تتناول الملف نفسه.
اختار صناع العمل أن تدور الأحداث داخل مشغل خياطة، وهو مكان يبدو للوهلة الأولى بعيداً عن أجواء المعتقلات والمحاكم، إلا أن هذا الاختيار يحمل دلالة رمزية واضحة.
فالمشغل يمثل محاولة البطلتين لبناء حياة جديدة بهدوء، بعيداً عن الضجيج والصراعات، غير أن الماضي يقتحم المكان فجأة مع ظهور الرجل الغريب، لتبدأ مواجهة تتجاوز الأشخاص الثلاثة، وتتحول إلى مواجهة مع الذاكرة نفسها.
ويشرح صليبي رمزية العنوان قائلاً إن الشخصيات تقوم يومياً بإجراء" بروفات" للأزياء التي تعمل على خياطتها، لكن هناك أيضاً" بروفة للحياة" تسبق يوم الحساب الحقيقي، حيث يجد الجميع أنفسهم أمام أسئلة العدالة والذنب والمسؤولية.
وبهذا المعنى، يصبح عنوان المسرحية استعارة درامية لحالة يعيشها السوريون، الذين ما زالوا ينتظرون لحظة المساءلة وكشف الحقيقة بعد سنوات طويلة من الحرب والانتهاكات.
ينسجم العمل مع توجه متزايد نحو استخدام المسرح والفنون بوصفها أدوات لفتح نقاشات مجتمعية حول آثار الحرب، خاصة في ما يتعلق بالمعتقلين والناجين والعدالة الانتقالية.
وكان وزير الثقافة محمد ياسين الصالح قد قال في تصريح نقلته" سانا" بعد العرض الافتتاحي للمسرحية، إن المسرحية تتناول أحد أكثر الملفات حساسية، موضحاً أن الوزارة أرادت أن يؤدي المسرح دوره في مناقشة قضية العدالة الانتقالية عبر عمل فني يطرح الأسئلة المرتبطة بتحقيق العدالة بعيداً عن الأحكام المسبقة.
كما أكد صليبي أن الإقبال الجماهيري في العرض الأول يعكس استعداد الجمهور للدخول في هذا النوع من النقاشات، معتبراً أن الأعمال الفنية التي تتناول قضايا الحرب والعدالة تسهم في بناء حوار مجتمعي ضروري خلال المرحلة المقبلة.
وبين الذاكرة والعدالة، وبين الرغبة في النسيان واستحالة تجاوزه، تقدم" بروفة يوم الحساب" معالجة مسرحية لقضية لا تزال مفتوحة في الوجدان السوري، حيث لا يتحول الماضي إلى تاريخ منتهي، ويبقى حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للناجين، وفي انتظار مجتمع كامل للحظة يعتقد أنها وحدها القادرة على إغلاق واحدة من أكثر صفحات الحرب إيلاماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك