خبراء تكنولوجيا: من لا يطور مهاراته التقنية اليوم قد يجد نفسه خارج “اقتصاد الغد”شاكر العويناتي: بعض الوظائف لا تستطيع الآلة سرقتهاجعفر الحايكي: احتياجات السوق تتطلب قراءة جديدةأحمد بكري: شركة بمليار دولار وموظفين فقطعيسى المناعي: الشهادة وحدها لم تعد كافيةلم يعد الحديث عن وظائف المستقبل مجرد توقعات نظرية أو سيناريوهات بعيدة، بل أصبح واقعًا يتشكل بسرعة داخل المؤسسات والأسواق والجامعات، في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني، فالعالم يدخل اليوم مرحلة جديدة تتحول فيها البيانات إلى ثروة، و “الكود” إلى لغة عمل عالمية، فيما تتغير طبيعة الوظائف بصورة غير مسبوقة.
ولم تعد المنافسة في سوق العمل تعتمد على المؤهل الأكاديمي وحده، بل باتت ترتبط بقدرة الفرد على اكتساب المهارات الرقمية والتكيف مع المتغيرات المتسارعة، وبينما تختفي بعض الوظائف التقليدية تدريجيًا، تظهر في المقابل مهن جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة؛ الأمر الذي يفرض على المؤسسات التعليمية والاقتصادية إعادة النظر في برامجها وخططها لإعداد كوادر قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل.
فكيف تستعد البحرين لهذا التحول؟ وما المهارات التي ستحدد فرص النجاح في سوق العمل بالسنوات المقبلة؟العويناتي: إعادة تشكيل الوظائففي حديثه الذي تناول أهم جوانب الموضوع مع “البلاد”، أكد خبير تكنولوجيا المعلومات شاكر العويناتي أن مملكة البحرين ودول الخليج مقبلة على مرحلة تحوّل رقمي عميقة ستعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة في سوق العمل حتى العام 2030 وما بعده، مشيرا إلى أن السنوات المقبلة لن تعتمد فقط على الوظائف التقليدية، بل على تخصصات رقمية متقدمة ترتبط بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني والبنية التحتية الذكية.
وأضاف: يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي؛ الأمر الذي أحدث تغيرات كبيرة في طبيعة الوظائف وأساليب العمل في مختلف القطاعات.
ومع التطور المستمر في الأنظمة الذكية والروبوتات والتحول الرقمي، أصبح من الواضح أن مستقبل الوظائف سيتغير بشكل جذري في السنوات المقبلة، فالعديد من المهام التي كانت تعتمد بشكل كامل على الإنسان أصبحت اليوم تنفذ بواسطة أنظمة ذكية قادرة على العمل بسرعة ودقة وكفاءة أعلى، ما سيؤدي إلى اختفاء عدد من الوظائف التقليدية وظهور وظائف جديدة تتناسب مع متطلبات العصر الرقمي.
التكرار والإجراءات الثابتةوبيّن العويناتي أن من أبرز الوظائف المتوقع أن تتأثر أو تختفي مستقبلا الوظائف الروتينية التي تعتمد على التكرار والإجراءات الثابتة، مثل إدخال البيانات، وبعض الوظائف الإدارية التقليدية، وخدمات العملاء الأساسية، إضافة إلى بعض الوظائف التشغيلية في المصانع ومراكز الاتصال.
كما أن تقنيات الأتمتة قد تؤثر في بعض وظائف النقل والخدمات اللوجستية مع تطور المركبات ذاتية القيادة والأنظمة الذكية.
ويرجع ذلك إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليل الأخطاء البشرية ورفع كفاءة العمل وتقليل التكاليف التشغيلية للشركات والمؤسسات.
وزاد: في المقابل، ستظهر وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل، وستزداد الحاجة إلى تخصصات مرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، مثل مهندسي الذكاء الاصطناعي، ومحللي البيانات الضخمة، وخبراء الأمن السيبراني، ومطوري التطبيقات الذكية، ومتخصصي الحوسبة السحابية، بالإضافة إلى وظائف تتعلق بإدارة الأنظمة الذكية وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي.
كما ستبرز أهمية الوظائف التي تعتمد على التفكير الإبداعي والابتكار والمهارات الإنسانية مثل القيادة والتواصل واتخاذ القرار، وهي مهارات يصعب على الآلات أن تحل محل الإنسان فيها بشكل كامل.
وتشير اتجاهات سوق العمل الحديثة إلى أن المستقبل سيكون أكثر اعتمادا على المهارات الرقمية والتعلم المستمر، إذ لن تكون الشهادات الأكاديمية وحدها كافية للحصول على فرص عمل متميزة، بل ستصبح القدرة على تطوير المهارات واكتساب المعرفة الجديدة عاملا أساسيا للنجاح المهني، كما ستفضل الشركات الموظفين القادرين على التكيف السريع مع التغيرات التقنية والعمل ضمن بيئات رقمية متطورة.
ومن هذا المنطلق، وجّه نصيحة إلى طلاب الجامعات والباحثين عن العمل بضرورة التركيز على تطوير مهاراتهم التقنية والرقمية، وتعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والبرمجة، إضافة إلى تعزيز مهارات التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات، علاوة على أن التعلم المستمر والحصول على الدورات المهنية والشهادات التقنية ستساعدهم على مواكبة متطلبات سوق العمل والاستفادة من الفرص الجديدة التي ستخلقها الثورة التكنولوجية، ما يمكنهم من بناء مستقبل مهني ناجح ومستدام في عصر الذكاء الاصطناعي.
وختم تصريحه مؤكدا أن دول الخليج تمتلك فرصة تاريخية للتحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومصدر للحلول الرقمية، لكن ذلك يتطلب الاستثمار المستدام في الإنسان والمعرفة والابتكار.
“السيبراني”.
ضرورة سياديةفي قلب هذا المشهد، يبرز الأمن السيبراني كحارس غير مرئي يقف على حدود الدول الرقمية، فمع توسع الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية، من البنوك إلى المستشفيات، أصبحت الهجمات الإلكترونية تهديدا لا يقل خطورة عن التهديدات التقليدية، وتشير تقديرات دولية إلى تزايد الهجمات السيبرانية سنويا بوتيرة مقلقة، ما يرفع طلب متخصصين قادرين على حماية البيانات والبنى التحتية، هنا يتحول “محلل أمن المعلومات” إلى جندي رقمي، لا يحمل سلاحا تقليديا، بل أدوات تحليل وشيفرات دفاعية، لأن الأمن السيبراني لم يعد خيارا وظيفيا، بل ضرورة سيادية، ترتبط مباشرة بحماية الاقتصاد الوطني واستقراره.
الحايكي: حتى لا تتسع الفجوةهل سوق العمل في البحرين بدأت تعد العدة لوظائف المستقبل الرقمية؟ طرحنا هذا السؤال على المتخصص في شؤون العمل أحمد الحايكي الذي أوضح أن سوق العمل البحرينية والخليجية تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية تعيد رسم أولويات التوظيف والتأهيل المهني، مع تسارع توجه كثير من القطاعات نحو الوظائف الرقمية بوصفها جزءا أساسيا من مستقبل الأعمال، لافتا إلى أن التحولات الاقتصادية والتوسع في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وتحليل البيانات والتكنولوجيا المالية، دفعت المؤسسات إلى إعادة تقييم احتياجاتها الوظيفية بما يتناسب مع الاقتصاد الرقمي الجديد.
وأشار الحايكي إلى أن العديد من القطاعات، من المصارف والخدمات اللوجستية إلى التجارة الإلكترونية، والتعليم، والصحة، والطاقة، بدأت فعليا في بناء خطط بعيدة المدى لاستقطاب الكفاءات الرقمية، سواء عبر التوظيف المباشر أو برامج إعادة التأهيل والتدريب، مؤكدا أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بخلق وظائف جديدة، بل بإعادة تشكيل وظائف قائمة لتواكب البيئة الرقمية المتغيرة.
ورأى أن البحرين، بحكم بنيتها الاقتصادية المرنة وتوجهاتها في التحول الرقمي، مطالبة بصورة متزايدة بدراسة احتياجات السوق المحلية بدقة، حتى لا تتسع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الوظائف المستقبلية، فالسوق، بحسب الحايكي، تحتاج إلى بيانات مستمرة ومحدثة تحدد نوعية المهارات المطلوبة، وحجم الطلب المتوقع، والقطاعات الأكثر نموا، بما يساعد الجامعات، ومراكز التدريب، وصناع القرار على بناء استراتيجيات أكثر واقعية.
وشدد على أن نجاح البحرين والخليج في هذا المسار لا يتوقف فقط على استيراد التكنولوجيا، بل على صناعة رأسمال بشري قادر على إدارتها وتطويرها، لأن المنافسة المقبلة ستكون على الكفاءات أكثر من الأدوات.
وختم بأن الاستثمار الحقيقي اليوم هو في الكادر الوطني القادر على الجمع بين المعرفة التقنية، والمرونة، وفهم السوق، لأن الوظائف الرقمية لم تعد خيارا مستقبليا، بل أصبحت من أهم ضرورات الحاضر الاقتصادي.
أحمد بكري: أكثر من 60 ألف شركةمن أي زاوية ينظر المتخصص في الذكاء الاصطناعي من دولة الكويت الشقيقة أحمد بكري إلى المشهد؟ أتت إجابته بأنه يرى أن العالم يعيش اليوم واحدة من أسرع الثورات التقنية في التاريخ، مشيرا إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية للنخبة أو للمبرمجين، بل أصبح واقعا يوميا يتسلل إلى كل القطاعات والمهن وأنماط الحياة.
ووضح بكري أن كثيرا من الناس لا يزالون يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يقتصر فقط على “الشات” أو صناعة الصور والفيديوهات، بينما الحقيقة أن هذه التقنية أصبحت المحرك الرئيس لاقتصاد عالمي جديد يعيد تشكيل سوق العمل والإنتاج والتعليم والخدمات، فعدد الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي في العام 2026 تجاوز 62 ألف شركة في العالم، فيما تخطى عدد أدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة حاجز 50 ألف أداة ومنصة وتطبيق، وهو رقم يعكس حجم التحول المتسارع الذي يشهده العالم الرقمي.
وأضاف: اللافت اليوم أن بعض شركات الذكاء الاصطناعي باتت تصل قيمتها السوقية إلى مليار دولار على الرغم من أن عدد العاملين فيها لا يتجاوز شخصا أو شخصين، بسبب اعتمادها الكبير على الأتمتة والنماذج الذكية، وهو ما يكشف عن حجم التغيير الذي سيطول شكل الوظائف والإنتاجية في السنوات المقبلة.
وقال بكري إن المجتمعات اليوم لا تستخدم الذكاء الاصطناعي برغبتها فقط، بل ستجد نفسها مستقبلا مضطرة لاستخدامه في التعليم والعمل والتجارة والخدمات الحكومية، مضيفا: “من لا يتعلم الذكاء الاصطناعي اليوم، قد يواجه صعوبة حقيقية في مواكبة المستقبل، لأن التقنية ستصبح جزءا أساسيا من الحياة اليومية”.
وبيّن أن الإقبال الكبير على دورات الذكاء الاصطناعي يعكس تنامي الوعي بأهمية هذه المهارات، موضحا أن أكثر من 15 ألف شخص سجلوا في برامج ودورات تدريبية متخصصة، سواء حضوريا أو عبر الإنترنت، من شركات وأفراد وجهات حكومية، بهدف تعلم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة عملية واحترافية.
وهو يؤمن بأن هذا التوجه قاد إلى إطلاق دورات تدريبية متعددة ومحتوى متجدد يتم تحديثه باستمرار لمواكبة التطورات السريعة في نماذج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، وأضاف: الطموح الكبير هو أن نصبح “مصنعين” للتكنولوجيا أي ألا نبقى في دائرة “المستهلكين فقط”، لأن التطور الحقيقي لم يعد في الوصول إلى التقنية، بل في القدرة على فهمها واستخدامها بوعي وكفاءة، مشددا على أن الاستثمار في التعليم الرقمي والتدريب المستمر سيكون مفتاح النجاح في اقتصاد المستقبل.
البحرين والخليج.
فتح الأبوابعلى مستوى البحرين ودول الخليج تتسارع وتيرة التحول نحو الاقتصاد الرقمي، مدفوعة برؤى استراتيجية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
في البحرين، على سبيل المثال، تتوسع مشاريع الحكومة الإلكترونية، وتزداد الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا المالية، ما يخلق فرصا واعدة في مجالات الأمن السيبراني وتحليل البيانات، كما تلعب البنوك وشركات الاتصالات دورا رئيسا في استقطاب الكفاءات الرقمية، إلى جانب الشركات الناشئة التي تبحث عن مطورين ومهندسين قادرين على الابتكار.
عيسى المناعي: رأسمال “بشري رقمي”نتابع ما يطرحه المتخصص والباحث في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بدولة الإمارات العربية المتحدة عيسى المناعي، الذي يخاطب كل القطاعات بأن الاستعداد الحقيقي لسوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارا إضافيا أو رفاهية مهنية، بل أصبح ضرورة استراتيجية لكل شاب يسعى إلى مستقبل تنافسي في الاقتصاد الرقمي، لأن التحولات المتسارعة في مختلف القطاعات، من التسويق والمالية إلى الصحة والقانون وتحليل الأعمال، تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مفهوم تقني، بل أداة عمل يومية تعيد تشكيل الوظائف وتخلق أدوارا مهنية جديدة تتطلب مهارات تطبيقية مباشرة.
وعدّد المناعي أهم ما يحتاجه الشباب اليوم وهو الانتقال من مرحلة “معرفة ما هو الذكاء الاصطناعي” إلى مرحلة “كيف أستخدمه فعليا في تخصصي؟ ”، لأن السوق لم تعد تبحث فقط عن شهادات نظرية، بل عن كفاءات قادرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تحسين الأداء، وتحليل البيانات، والأتمتة، وصناعة القرار، فالبرامج التطبيقية المتخصصة، خصوصا تلك التي تربط التدريب باحتياجات القطاعات الحقيقية، تمثل فرصة محورية لإعداد جيل قادر على المنافسة.
وبيّن أن التجارب التدريبية الممتدة، مثل البرامج المهنية المكثفة متعددة الأسابيع، تمنح المشاركين ميزة عملية مهمة، لأنها تركز على بناء مهارات قابلة للتنفيذ من اليوم الأول في بيئة العمل، وهو ما تحتاجه أسواق الخليج والعالم العربي بتزايد، أضف إلى ذلك أن الاستثمار الوطني في تمكين المواطنين عبر برامج ممولة ومجانية في مجالات الذكاء الاصطناعي يعكس رؤية بعيدة المدى، لأن بناء رأسمال بشري رقمي هو الأساس الحقيقي لاقتصادات المستقبل.
كما قال إن الفرص اليوم متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكن التحدي يكمن في سرعة المبادرة، واختيار المسار الصحيح، واكتساب المهارات التي يحتاجها السوق الآن، لا تلك التي كانت مطلوبة بالأمس، لأن وظائف المستقبل لن تنتظر المترددين، بل ستكون من نصيب الأكثر جهوزية وتطورا.
على رغم الفرص الكبيرة، إلا أن الطريق ليس خاليا من التحديات، فالفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق لا تزال قائمة، ما يتطلب تحديث المناهج باستمرار، كما أن سرعة تطور التكنولوجيا تفرض على العاملين في هذا المجال مواكبة دائمة، وإلا وجدوا أنفسهم خارج المنافسة، إضافة إلى ذلك، فإن المنافسة لم تعد محلية، بل عالمية، إذ يمكن لشركة في أي مكان أن توظف كفاءات من مختلف الدول، ما يرفع سقف التوقعات ويزيد حدة التنافس.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك