منذ اللحظة التي وُقِّع فيها الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، لم يعد النقاش محصورًا ببنودٍ تقنية أو تفاصيل إجرائية، بل تحوّل إلى سؤالٍ وجودي أوسع: أيُّ لبنان يتشكّل بعد الحرب؟ وأي توازنات جديدة تُعاد صياغتها في بلدٍ ظلّ لعقود عند تقاطع الاحتلال والمقاومة والدولة والانقسام الداخلي؟ويرى المؤيدون أن الاتفاق يشكّل فرصة لإعادة الاعتبار إلى الدولة اللبنانية، بعد سنوات من ازدواجية القرار الأمني والعسكري، ويمهّد لعودة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش إلى الجنوب، إضافة إلى إطلاق مسار إعادة الإعمار وعودة النازحين، واستعادة القرار السيادي.
في المقابل، تعتبره قوى معارضة، وفي مقدمتها حزب الله وحلفاؤه، تنازلاً سياديًا خطيرًا، وترى أنه لا يستند إلى توازن حقيقي في الميدان، بل يعيد إنتاج الشروط الإسرائيلية عبر التفاوض، خصوصًا مع ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة، وإدخال شروط داخلية في مسألة يفترض أنها مرتبطة بالاحتلال.
وبين هاتين الرؤيتين، تبرز مقاربة ثالثة ترى أن الاتفاق لا يُسجّل انتصارًا لأي طرف ولا هزيمة كاملة لأي طرف آخر، بل هو نتاج حالة عجز الجميع فرضت تسوية مؤقتة أكثر مما أنتجت حلاً نهائيًا.
الانسحاب الإسرائيلي والتفاهمات المتدرجةوفي هذا الإطار، ترى النائبة عن كتلة التغيير نجاة عون صليبا أن الاتفاق الإطاري يشكل فرصة حقيقية لاستعادة الدولة زمام المبادرة، وإعادة تفعيل المؤسسات، والانطلاق بعملية إعادة الإعمار.
وتؤكد في حديث إلى التلفزيون العربي من العاصمة اللبنانية بيروت على ضرورة عودة الأهالي والنازحين إلى أراضيهم وقراهم.
وردًا على سؤال حول ما إذا كانت توجد ضمانات لانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، تقول صليبا إن" الموقف اللبناني الرسمي واضح بضرورة الانسحاب.
والنصوص تشير إلى ذلك، لكن التنفيذ مرتبط بتفاهمات متدرجة، من بينها معالجة ملف السلاح ضمن الإطار الداخلي اللبناني".
وتضيف أن" مسألة التدرج وربط الملفات ببعضها ليست جديدة، لكن الهدف النهائي يبقى استعادة السيادة الكاملة.
وموضوع السلاح، بالنسبة لنا، هو جزء من نقاش وطني لبناني لا يمكن تجاهله".
الاتفاق الإطار" مكسب لنتنياهو"من جهته، يعتبر عضو المكتب السياسي في" حركة أمل" حسن قبلان أن معالم الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل غير مكتملة حتى الآن.
ويشير للتلفزيون العربي من بيروت إلى حديث في الصحافة الإسرائيلية عن ملحق أمني سري للاتفاق، لافتًا إلى أن حصول هذا الأمر يعني أننا أمام صيغة شديدة الغموض، تُشبه تجارب سابقة لم تكن لصالح لبنان.
ويقول إن الاتفاق يبدو وكأنه يشكّل مكسبًا سياسيًا لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في ظل أزمته الداخلية.
والأهم أنه لا يتضمن ضمانات واضحة للانسحاب، ولا جدولاً زمنيًا ملزمًا، بل يفتح الباب أمام مفاهيم خطيرة مثل “المناطق العازلة” وربط عودة الأهالي بملف سلاح المقاومة، وهو أمر بالغ الحساسية.
ويضيف أن الاتفاق يشكل استهدافًا لمسار التفاوض الأميركي الإيراني في محاولة لتعطيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه.
قبلان يشدد على أن" ربط عودة الناس إلى قراهم بملف السلاح أمر خطير جدًا، ويفتح الباب أمام توترات داخلية نحن في غنى عنها".
رئيس تحرير جريدة" المدن" منير الربيع يلفت بدوره إلى أن ما جرى لا يمكن فصله عن الصراع الإقليمي والدولي في المنطقة، معتبرًا أن لبنان دخل في تسوية سريعة اعتقادًا منه أنها تحميه من الصراعات الكبرى، لكنها في الواقع لا تعزل البلد عن تداعيات ما يجري حوله.
ويضيف للتلفزيون العربي من العاصمة اللبنانية أن الاتفاق لا يُقرأ كنهاية مسار، بل كبداية مرحلة جديدة، حيث تحاول إسرائيل تثبيت وقائع سياسية وأمنية جديدة، ليس فقط في لبنان بل في الإقليم ككل، عبر إعادة رسم التوازنات.
ويؤكد أن الاتفاق، في جوهره، أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى معاهدة نهائية، ما يجعله قابلاً للتعطيل أو إعادة التفسير في أي لحظة.
الربيع يقول إن لبنان لطالما أكد التزامه بحل الدولتين وبالمسار العربي، لكننا اليوم ننتقل إلى مكان آخر تمامًا.
ويضيف: " ثمة إشارة أساسية في الاتفاق تفيد بأن لبنان قد يستعين بجهات عربية ودولية لتطبيق بنوده"؛ متسائلًا عن هوية هذه الجهات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك