ماذا نعرف عن قصة أول رئيسة جمهورية في التاريخ؟في الأول من يوليو/تموز من عام 1974، تولّت إيزابيل بيرون، نائبة خوان بيرون رئيس الأرجنتين وزوجته، رئاسة البلاد عقب وفاته، لتصبح بذلك أول امرأة في التاريخ تتولى منصب رئاسة الجمهورية.
وهي الزوجة الثالثة لخوان دومينغو بيرون، الذي شغل منصب رئاسة البلاد لثلاث فترات، وكانت الفترتان الأوليان متتاليتين من عام 1946 إلى 1955، حين أطاح به انقلاب عسكري، أما الفترة الأخيرة فكانت بعد منفاه الطويل وبدأت عام 1973 وانتهت بوفاته في 1 يوليو/ تموز من عام 1974.
وتقول دائرة المعارف البريطانية إن إيزابيل بيرون وُلدت باسم ماريا إستلا مارتينيز كارتاس في 4 فبراير/شباط عام 1931 في لا ريوخا بالأرجنتين، وهي سياسية أرجنتينية شغلت منصب رئيسة الأرجنتين بين عامي 1974 و1976وقبله تولت منصب نائبة الرئيس خوان في حكومته بين عامي 1973 و1974.
وولدت إيزابيل لعائلة من الطبقة المتوسطة الدنيا، وحصلت على اسم إيزابيل (اسم قديستها) عند تثبيتها في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، واستخدمت هذا الاسم عندما أصبحت راقصة.
تقول بعض الروايات إن والدها توفي وهي صغيرة، بينما تقول أخرى إنها تشاجرت معه في سن 14 عاماً وغادرت المنزل، وتربّت لدى عائلة خوسيه كريستو وزوجته إيزابيل زويلا، وهناك رواية تقول إنها أخذت لقبها" إيزابيلِيتا" من والدتها بالتبني، ثم اختُصر لاحقاً إلى" إيزابيل".
وذلك بحسب ما ذكرته أناليا لورّينتي في تقرير نشرته في بي بي سي موندو في 28 مايو/ آيار من عام 2021.
وكانت أسرتها بالتبني قريبة من عائلتها البيولوجية، وقد انتقلت معهم في شبابها إلى بوينس آيرس، حيث درست الرقص والموسيقى (البيانو) واللغة الفرنسية.
وتقول الممثلة الأرجنتينية هايديه باديا، التي تعرّفت عليها في دروس الرقص عام 1951، في الوثائقي" بيت بلا ستائر (عن حياة إيزابيل بيرون): " إنها كانت هادئة جداً".
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف لراقصة بلا طموح سياسي واضح أن تلتقي بالرئيس الأرجنتيني السابق؟ وهذه القصة أيضاً لها روايات متعددة.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءةتخطى البودكاست وواصل القراءةشرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتكعندما التقيا كان بيرون قد أصبح أرملاً للمرة الثانية، فقد كان متزوجاً من أوريليا تيزون لمدة 9 سنوات (1929–1938)، ثم من ماريا إيفا دوارتي" إيفيتا" بين 1945 و1952، حتى توفيت الأخيرة.
وتقول إحدى الروايات إن إيزابيل، التي كانت في نحو الـ 25 عاماً من عمرها، وبيرون الذي كان في الستين، التقيا في بنما في عيد الميلاد عام 1955 أثناء منفاه بعد الانقلاب الذي أطاح به من رئاسته الثانية في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام.
وكانت هي قد سافرت إلى الدولة الواقعة في أمريكا الوسطى ضمن فرقة باليه، ويقول البعض إن المكان الذي كانت تؤدي فيه عروضها كان في الواقع ملهى ليلياً.
ويقول إغناسيو كلوبِّت، المحامي وعضو الأكاديمية الأرجنتينية للتاريخ، لبي بي سي موندو: " كانت إيزابيل راقصة فولكلورية، وليست راقصة في الملاهي، والمشكلة أن بنما في عام 1955 لم تكن فيها مسارح مثل كولون أو سرفانتس في الأرجنتين، لذلك كانت العروض تُقام في الحانات أو النوادي الليلية".
وتشير روايات أخرى إلى أن كليهما التقيا في كاراكاس في فنزويلا، بل وحتى داخل الأرجنتين نفسها.
ويؤكد خوان غابرييل لاباكي، النائب الوطني بين 1973 و1976 ومحامي إيزابيل بيرون في الثمانينيات، في الفيلم الوثائقي عن حياتها: " بدأت علاقة إيزابيل مع بيرون عام 1954 في الأرجنتين، وليس في بنما، بل إنها في تلك الفترة تعرضت لإجهاض طفلهما".
كما أن التكهنات حول دوافع هذا اللقاء متعددة أيضاً.
ويقول المخرج خوليان تروكسبرغ لبي بي سي موندو: " البعض قال إنها كانت عميلة اقتربت من بيرون لمعرفة معلومات، وآخرون قالوا إنها مجرد بيرونية معجبة به، فيما وصفوها فريق ثالث بأنها راقصة ملاهي ليلية".
والأمر المؤكد أن العلاقة بينهما لم تنقطع إطلاقاً منذ عام 1955، وكانت إيزابيل قد تخلّت عن مسيرتها الفنية لتصبح سكرتيرته الخاصة، ورافقته إلى منفاه في مدريد حيث تزوجا عام 1961، واستمر الزواج 13 عاماً حتى وفاة بيرون.
ويقول كلوبِّت: " من بين الزوجات الثلاث، كانت إيزابيل المرأة التي قضت أطول فترة إلى جانب بيرون، فقد أمضيا معاً ما يقارب 19 عاماً، لقد تحولت إلى مصدر دعم له".
وكان بيرون في المنفى بين 1955 و1972، بعد أن حظرت السلطة العسكرية حركته السياسية داخل الأرجنتين، وخلال هذه الفترة، تنقّل مع إيزابيل بين بنما وفنزويلا وجمهورية الدومينيكان ثم إسبانيا.
وفي هذه الأثناء، كانت الأرجنتين تشهد ظهور عدة مجموعات مسلحة كانت تدعم البيرونية وتقاتل ضد الحكومة العسكرية، وكانت البلاد تدخل مرحلة أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة ودامية.
وخلال منفاه، وبدافع إعادة تنظيم الحركة السياسية وكسب المزيد من الدعم، أرسل بيرون إيزابيل كممثلة له إلى الأرجنتين في رحلتين عامي 1966 و1971.
وتقول المؤرخة كامِيلا بيروشينا من جامعة توركواتو دي تيلا في بوينس آيرس لبي بي سي موندو: " لقد أرسلها كمندوبة له، لكنها بقيت مجرد ممثلة عنه، كان يثق بها، هذا واضح، لكنها لم تكن هو، لا أعتقد أنه كان يظن أن إيزابيل قادرة على إدارة الوضع سياسياً أو أنها كانت جاهزة لذلك سياسياً".
لكن آخرين يرون أن إيزابيل كانت الحليف الأقوى لبيرون، وأنه كان لديها طموحات سياسية بالفعل.
ويؤكد إغناسيو كلوبِّت: " الحقيقة أنه اختارها لأنه رأى أنها تملك القدرة على تولي ما كان قادماً، فالأرجنتين كانت مشتعلة سياسياً".
وقد عاد بيرون إلى البلاد في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1972، ومنذ تلك اللحظة، بدأ ببناء شبكات وتحالفات واتفاقات مع مختلف القوى، مما أعاده إلى قلب المشهد السياسي.
وفي النهاية، دعا الحكم العسكري إلى انتخابات في 11 مارس/ آذار من عام 1973، لكنه منع بيرون من الترشح بحجة أنه لا يملك إقامة قانونية في الأرجنتين.
وعندها قرر بيرون العودة إلى مدريد، لكنه قبل ذلك كلف بشكل سري هيكتور كامبورا بالترشح عن حزب العدالة في الانتخابات، ضمن حملة حملت شعار: " كامبورا في الحكم، وبيرون في السلطة".
وفاز كامبورا في انتخابات مارس/ آذار، ثم عاد بيرون إلى الأرجنتين في يونيو/حزيران، واستقال كامبورا في يوليو/تموز، فتمت الدعوة إلى انتخابات جديدة وترشح بيرون فيها.
وفي تلك المرحلة، وكان عمره 78 عاماً ويعاني من مرض في القب، اختار زوجته إيزابيل شريكة له في الترشح لمنصب نائب الرئيس بناءً على اقتراح مستشاره المقرب خوسيه لوبيز ريغا.
وحققت قائمة" بيرون–بيرون" فوزاً كبيرا في انتخابات 23 سبتمبر/ أيلول من عام 1973 بنسبة 62 في المئة من الأصوات، وبذلك بدأ بيرون ولايته الرئاسية الثالثة والأخيرة.
لكن الوضع الداخلي في البلاد، وكذلك الخارجي، كان مضطرباً، فقد كانت مجموعات مسلحة ثورية وأخرى شبه أمنية تمارس العنف داخل الأرجنتين، بينما كان سياق الحرب الباردة يهيمن على الساحة الدولية، وكانت معظم دول أمريكا الجنوبية تحت حكم أنظمة عسكرية.
ومع تدهور صحة خوان بيرون، تولّت إيزابيل مهام الرئيس بالإنابة عدة مرات، ثم خلفته رسمياً بعد وفاته بأزمة قلبية في 1 يوليو/ تموز من عام 1974 عن عمر يناهز 78 عاما.
وقالت إيزابيل عند وفاة زوجها: " ليُرشدني الله ويقوّيني لأقوم بالمهمة التي منحني إياها الله وبيرون".
لكن حكمها جاء في وقت اضطراب سياسي وعنف واسع النطاق.
وجدت إيزابيل بيرون عند وصولها إلى الحكم دولة تعاني من أزمات متعددة: تضخم اقتصادي مرتفع، وانقسامات سياسية حادة داخل الحركة البيرونية نفسها، وتصاعد العنف المسلح بين الجماعات اليسارية المتطرفة والقوى اليمينية، إضافة إلى ضعف المؤسسات الحكومية، وقد جعلت هذه التحديات حكمها يبدو منذ البداية هشاً وغير قادر على ضبط التوازن الداخلي في البلاد.
ومن أبرز ما ارتبط بفترة حكمها تصاعد نفوذ خوسيه لوبيز ريغا، وزير الشؤون الاجتماعية ومستشارها الأقرب، الذي يُنسب إليه تأسيس منظمة التحالف الأرجنتيني المناهض للشيوعية، وهي جماعة شبه عسكرية اتُّهمت بتنفيذ عمليات اغتيال واختطاف واستهداف للمعارضين السياسيين والناشطين اليساريين، وقد أسهم نشاط هذه المنظمة في تصاعد العنف السياسي، وتعميق الانقسام المجتمعي، وزيادة حالة الفوضى التي سبقت الانقلاب العسكري عام 1976.
واقتصادياً، حاولت حكومة إيزابيل بيرون مواجهة التضخم من خلال إجراءات تقشفية وضبط للأسعار، لكنها لم تنجح في وقف التدهور، ومع الوقت، تفاقمت الأزمة المالية، وازدادت معدلات البطالة، وتراجعت الثقة في الحكومة، ما أدى إلى احتجاجات واضرابات متكررة من النقابات العمالية التي كانت تاريخياً قاعدة دعم للحركة البيرونية نفسها.
وسياسياً، دخلت الأرجنتين في حالة استقطاب حاد بين التيارات المختلفة، فقد تصاعد العنف بين الجماعات المسلحة اليسارية مثل" المونتونيروس" وبين المجموعات اليمينية المدعومة ضمنياً من بعض أجهزة الدولة، وفي ظل هذا المناخ المضطرب، فقدت الحكومة قدرتها على فرض السيطرة، وأصبحت البلاد عملياً على حافة حرب أهلية غير معلنة.
وفي خضم الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العميقة التي كانت تعيشها البلاد، واجهت إيزابيل بيرون أيضاً أزمات صحية متعددة أجبرتها على التغيب عن واجبات الرئاسة في عدة مناسبات.
ومع استمرار الانهيار السياسي، بدأ الجيش الأرجنتيني يزداد نفوذاً داخل المشهد العام، فقدم نفسه كقوة" إنقاذ" من الفوضى، وفي 24 مارس/ آذار من عام 1976، قام الجيش بانقلاب عسكري أطاح بإيزابيل بيرون، وهو الانقلاب الأخير الذي شهدته الأرجنتين، والذي أدى إلى بدء فترة دموية أسفرت عن اختفاء نحو 30 ألف شخص، بحسب ما تؤكد منظمات حقوق الإنسان.
لم تكن فترة رئاستها طويلة، إذ استمرت أقل من عامين، كما تُعد من أطول رؤساء الدول بقاءً في السجن، حيث أمضت أكثر من خمس سنوات محتجزة.
وبدأ احتجازها أولاً في مقر الإقامة الرئاسي في نيوكوين في وسط غرب الأرجنتين، ثم نُقلت إلى قاعدة بحرية في أزول داخل مقاطعة بوينس آيرس، وبعد ذلك إلى مزرعة سان فيسنتي، وهي ملك لبيرون، حيث يُقال إنها كانت تعتني بكل شيء حتى بتجهيز المنزل بالستائر.
وفي يوليو/ تموز من عام 1981 أُطلق سراحها بشرط مغادرة البلاد، فسافرت إلى إسبانيا حيث تعيش حتى اليوم، وتشير التقارير إلى أنها، تعيش في ضواحي مدريد شبه معزولة، وتكرس حياتها للدين الكاثوليكي، مع دائرة اجتماعية ضيقة جداً وبمساعدة مرافقة وسائق خاص.
وقد زارت الأرجنتين مرات قليلة، كما طُرحت محاولات لتسليمها قضائياً على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم ضد الإنسانية خلال فترة حكمها، ففي عام 2007 أصدر قاضٍ أرجنتيني مذكرة اعتقال بحقها بتهم السماح للقوات المسلحة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة حكمها، وتم توقيفها مؤقتاً رغم حصولها على الجنسية الإسبانية، لكن في عام 2008 رفضت المحكمة الوطنية الإسبانية طلب تسليمها، معتبرة أن التهم لا ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وأنها سقطت بالتقادم.
كما أن فترة حكمها ارتبطت بشكل وثيق بصعود العنف السياسي المنظم، سواء من اليمين أو اليسار، وهو ما جعل الأرجنتين في تلك المرحلة ساحة مفتوحة للصراع الدموي بين مختلف القوى، وانتهى الأمر بتدخل الجيش الذي برر انقلابه بالحاجة إلى إعادة النظام، لكنه أدخل البلاد في مرحلة من القمع الواسع والانتهاكات الحقوقية التي لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الوطنية الأرجنتينية حتى اليوم.
ويقول فيرناندو بورتا، وهو ناشط بيروني سابق اعتُقل بشكل غير قانوني خلال فترة حكمها، في الفيلم الوثائقي" منزل بلا ستائر": " إنها شخصية يصعب فهمها وتتركنا في حالة من الذهول حيث لا يوجد فيها أي بريق سياسي، بل تتركنا في حالة من الارتباك".
ومن جانبها، تقول نيلدا غاريه، النائبة السابقة بين 1973 و1976 ووزيرة الأمن في الأرجنتين لاحقاً، في الفيلم نفسه: " إيزابيل تمثل فصلاً أسود في تاريخ البيرونية".
وتضيف: " لا أحد يدافع عنها داخل الحركة البيرونية، فهي شخصية غائبة تماماً اليوم، وأعتقد أن انتقادها يُعد وسيلة للدفاع عن البيرونية نفسها".
وتظل المقارنة بينها وبين إيفيتا حاضرة دائماً.
فإيفيتا تُقدَّم كرمز طموح وقوي، بينما تُصوَّر إيزابيل كشخصية أكثر هدوءًا وغموضاً، وفي النهاية، تبقى صورتها مثار جدل بين النسيان والاتهام والتفسير التاريخي المختلف.
وفي النهاية، يذكر أن إيزابيل بيرون ليست أول رئيسة منتخبة في العالم، إذ إن وصولها إلى رئاسة الأرجنتين عام 1974 كان عبر خط الخلافة الدستورية بعد وفاة زوجها الرئيس خوان بيرون، وليس عبر انتخابات رئاسية مباشرة، أما أول امرأة تُنتخب رئيسة لدولة في العالم عن طريق الاقتراع المباشر فهي الرئيسة الأيسلندية فيغديس فينبوغادوتير، التي فازت في انتخابات عام 1980 وأصبحت أول امرأة تتولى رئاسة دولة بشكل ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك