تتفاقم حالات استباحة الأمان الرقمي لفلسطينيي الضفة الغربية، إذ تستهدف حساباتهم البنكية وبياناتهم الهاتفية شبكات احتيال عابرة للحدود، لم تكتف بنهب حساباتهم وإنما تُفعلها قناةً خلفيةً لتمرير تحويلات غير شرعية.
- حتى سبتمبر/أيلول الماضي كانت العشرينية الفلسطينية روان ربحي تملك في رصيدها المصرفي 21 ألف شيكل (7100 دولار أميركي) وقبله كانت تملك حساباً بنكياً لا تشوبه شائبة قانونية، غير أنها خسرت كل ما سبق في لحظة واحدة، كيف؟ " ما إن تواصلت مع صفحة على فيسبوك تحمل اسم بنك فلسطين، حتى راح كل شيء"، تقول ربحي: " مع هذا فالمشكلة الكبرى ليست فقدان المال، وإن كان ما أملك، وإنما في تقديم شكوى قضائية ضدي بتهمة الاحتيال المالي من ضحية تقاطع اختراق حسابه معي عبر تحويل مصرفي دخل إلى حسابي ولم أعلم عنه شيئاً، وسرعان ما نُقل المال إلى حساب ثالث".
عقب التواصل مع الصفحة الإلكترونية، جرى تحويل ربحي إلى حساب على تطبيق واتساب مفعّل بشريحة اتصال فلسطينية، ومن هنا كانت البداية الحقيقية لما وقعت فيه وستة ضحايا آخرون يوثق التحقيق قضاياهم، إذ عرّف الطرف الآخر نفسه بأنه موظف في بنك فلسطين، كما في حالتها، أو في بنوك أخرى، مثلما وقع للضحايا الآخرين، واللافت تكرار نمط سقوط الضحايا في شباك النصاب، بعد أن يرسل بطاقة عمل باسمه تحمل شعار البنك الذي يدّعي الانتساب إليه، قبل أن يطلب حذف التطبيق البنكي.
وكما يتضح من حالة روان، فقد طلب منها المحتال الاتصال برقم مجاني يتبع فعلياً لبنك فلسطين، واستخدام خاصية مكالمة جماعية، وبهذه الطريقة ضمن متابعة خطوات تحميل التطبيق وتفعيله بفعل استماعه للمعلومات التي تقدمها الضحية لموظف البنك الحقيقي، ومن ثم تمكن من تحويل الأموال من الحساب المستهدف إلى آخر، وفق ما شرحه لـ" العربي الجديد" الناطق باسم الشرطة الفلسطينية لؤي ارزيقات.
الولاية القضائية الأردنيةوثّق معدّ التحقيق ثمانية إعلانات مموّلة لصفحات مزيفة باسم بنكي فلسطين والعربي تطلب من العملاء التواصل معها، من ضمنها التي كانت روان قد سلمت رابطها الإلكتروني إلى المباحث الفلسطينية، إذ لا تزال موجودة في الفضاء الإلكتروني حتى بعد ستة أشهر من عملية الاحتيال، وهو ما يثير تساؤلات حول دور البنوك نفسها في الإبلاغ عن هذه الصفحات، وفق ما تقوله روان وضحيتان أخريان قابلهما معدّ التحقيق.
رداً على ذلك يقول رئيس دائرة الاتصال المؤسسي والعلاقات العامة في بنك فلسطين ربيع دويكات لـ" العربي الجديد" إن لديهم تواصلاً مع منصات التواصل الاجتماعي بهدف محاربة الظاهرة، أما البنك العربي، فقد أشارت موظفة التواصل الهاتفي لديه التي أجابت عن سؤال معدّ التحقيق بتاريخ 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي إلى أنهم يجرون حملات توعية لتقليل ظاهرة الاحتيال.
بيد أن تلك الحملات تبقى بلا فعالية كما تروي روان التي توجّهت إلى جهاز المباحث العامة في الشرطة الفلسطينية، فطلب منها عدم اتخاذ أي إجراءات مالية عبر التطبيق البنكي وكذلك باستخدام رقم هاتفها، مؤكداً أنهم سيتابعون القضية.
لكنها اكتشفت أن حسابها أجريت فيه حركات مالية عدة، وهو ما ولّد لديها شكوكاً بأنه قد يجرى استخدامه في نشاطات غير قانونية، لتتواصل مع الشرطة مرة ثانية، ولم تجد ردا سوى أن" القضية قيد المتابعة"، ومن بعدها اقترحت عليها موظفة في البنك التوجه إلى الأجهزة الأمنية الأردنية لمتابعة القضية، خاصة أن بعض المشتريات من حسابها أجريت في العاصمة عمّان، ونغمة الرنين لأحد أرقام الهواتف التي تواصلت معها تشير إلى أنه خارج الضفة الغربية.
لكن وحدة الجرائم الإلكترونية في الأردن أبلغت روان بأن متابعة القضية تتطلب كتاباً رسمياً من الشرطة الفلسطينية، بحجة أنها لا تحمل الجنسية الأردنية.
هنا ترد المحامية الأردنية المتخصصة في الجرائم الإلكترونية مريم كلبونة على ما سبق بأن القانون لا يشترط أن يكون المشتكي أردني الجنسية، بل أن يتحقق عنصر الولاية القضائية على الجريمة، وفي حالة روان، توافر الشرط هذا لأن جزءاً من عملية الاحتيال وقع داخل المملكة، ما يمنح السلطات المحلية اختصاص النظر في القضية.
وتبيّن كلبونة في حديثها إلى" العربي الجديد" أن روان بإمكانها تقديم شكوى مباشرة شريطة حضورها إلى الأردن وتوفير ما لديها من أدلة، وبعد تسجيل الشكوى لدى وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لإدارة البحث الجنائي في مديرية الأمن العام، تبدأ الجهات المختصة بجمع الأدلة والتنسيق مع شركات الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي والبنوك لتتبع مسار الجريمة، وعقب استكمال التحقيقات، تُحال القضية إلى النيابة العامة ومنها إلى القضاء، غير أنها استدركت" بأن السير في الإجراءات القانونية لا يعني بالضرورة استرداد الأموال، إذ يبقى ذلك مرهوناً بنتائج التحقيق وإمكانية تعقب المبالغ المحولة واستعادتها".
تلجأ عصابات الاحتيال إلى طرق مختلفة لتنفيذ عملياتها، كما يتضح من حالة إبراهيم موسى من مدينة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية، الذي وقع ضحية الأرقام ذاتها التي كانت قد تواصلت مع روان، بعدما اتصل به أحدهم وعرّف عن نفسه بأنه موظف في جمعية خيرية تقدّم مساعدات للفلسطينيين، وطلب منه رقم حسابه البنكي، لكنه عاد بعد يومين وأكد له أن هناك مشكلة في التحويل إلى الحساب وعليه إصلاحها، وأرسل إليه رابط صفحة على الفيسبوك تحمل اسم بنك فلسطين، وفي المراحل التالية تكررت وقائع وخطوات الاحتيال التي جرت في حالة روان، والنتيجة خسارة موسى 3000 شيكل (1015 دولاراً) كان قد أودعها لدفع قسط جامعي لابنته، بحسب إفادته لمعدّ التحقيق.
ورغم تقديمه شكوى رسمية للمباحث العامة، بقي الملف عالقاً عند عبارة واحدة: " نحن نتابع القضية".
إلا أنه لم يكتفِ بذلك، بل حاول تعقب أحد الخيوط بنفسه عبر الاتصال برقم واتساب الذي استُخدم في الاحتيال عليه، وعلى الطرف الآخر، ردّ شخص قال إن اسمه علي من مدينة بيت لحم، نافياً أي صلة له بالعملية، ومؤكداً أن رقمه مسروق، وأنه يتلقّى باستمرار اتصالات من أشخاص يعتقدون أنه يقف وراء عمليات احتيال تعرضوا لها.
تواصل معدّ التحقيق مع الرقم الذي ادعى صاحبه أنه ممثل عن جمعية خيرية، وسأله عن تصريح الجمعية، فردّ" تريد أن نرسل لك حوالة على حسابك! نحن بالفعل جمعية خيرية"، وبعد عدة محادثات تضمنت استفسارات حول العمل وطريقة التواصل، توقف عن الرد الاتصالات المتكررة.
إلا أن واحدة من أبرز النقاط التي تتقاطع مع فرضية التحقيق، كون حسابه المفعل على تطبيق واتساب يحمل شعار بنك فلسطين.
بعد ذلك، وفيما يبدو تنسيقاً بين أفراد العصابة، اتصل رقم تورط في الاحتيال أربع مرات، بمعدّ التحقيق وادعى أن اسمه إبراهيم من بنك فلسطين، وقد جرى التواصل معه من طرف جمعية خيرية بهدف حلّ إشكالية في الحوالات المالية بالحساب البنكي.
تؤكد تلك الوقائع أن عصابة ينشط بعض أفرادها في الضفة الغربية والقسم الآخر في الأردن يديرون العمليات، كما قال مصدر مسؤول في الشرطة الفلسطينية رفض الكشف عن هويته، لاعتبارات وظيفية، مضيفاً" لدينا 820 شكوى منذ بداية عام 2025 وحتى نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، وبسبب ضعف الإجراءات المتخذة تتفاقم الظاهرة.
ويعزز ذلك البيانات التي نشرتها النيابة العامة الفلسطينية لعام 2024، والتي يتضح فيها أنه من أصل 1069 تهمة جرى تكييفها في نيابة الجرائم الإلكترونية والاتصالات كان نصيب عمليات الاحتيال 28 فقط، أي ما نسبته 2% فقط، رغم وقوع 1698 عملية احتيال مبلغ عنها في العام نفسه، بحسب بيانات سلطة النقد.
تهريب شرائح هاتفية إلى الأردنتكشف بيانات رسمية لسلطة النقد الفلسطينية، نُشرت في ديسمبر الماضي، عن تضاعف عدد حالات الاحتيال الموثقة خلال النصف الأول من عام 2025 ليصل إلى 1608 حالات، مقارنة بـ 786 حالة في الفترة نفسها من عام 2024.
فيما تشير ورقة بحثية أعدّها مركز صدى سوشال المتخصص في رصد الانتهاكات الرقمية وتوثيقها، نشرت في 14 ديسمبر، إلى أن القيمة المالية لعمليات الاحتيال الإلكتروني المصرفي الموثقة بلغت 4.
611 ملايين دولار خلال النصف الأول من 2025، مقابل 2.
476 مليون دولار في الفترة المقابلة من العام السابق، في وقت ارتفع فيه عدد عمليات الدفع الإلكتروني إلى نحو مليون عملية شهرياً خلال 2025، مقارنة بـ 1.
6 مليون حركة فقط خلال عام 2024 عبر منصة واحدة (e-Sadad).
سلطة النقد: تضاعف عدد حالات الاحتيال الموثقة خلال النصف الأول من 2025في المقابل، يؤكد الناطق باسم الشرطة الفلسطينية في إفادته أنه من أصل 5273 شكوى قدمت خلال العام الماضي وتندرج في إطار الجريمة الإلكترونية جرى الكشف عن ملابسات ما نسبته 79.
5% بينها قضايا احتيال مالي.
لكنه يقرّ في الوقت نفسه بارتفاع هذا النوع من الجرائم خلال العام الماضي بنسبة 36%.
ضبط شبكة من المحتالين تهرّب شرائح اتصال فلسطينية إلى الأردنويشير ارزيقات إلى أن الجرائم التي يشترك فيها أشخاص من خارج فلسطين يصعب حلّها، لأنها تحتاج إلى وقت أكبر للتنسيق مع الإنتربول الدولي، كاشفاً عن ضبط شبكة من المحتالين تشتري شرائح اتصال فلسطينية وتهربها إلى الأردن.
في المقابل، يقول أربعة من الضحايا الذين وثّق التحقيق قضاياهم إن السلطات الأردنية أبلغتهم بعدم وجود مراسلات أو متابعة من الشرطة الفلسطينية بشأنهم، ولو تحقق ذلك لكانت أموالهم عادت وملابسات الجرائم حلّت بشكل أسرع.
وهكذا فإن ربحي، وبعدما فقدت الأمل في أن تنجز الشرطة الفلسطينية أمرها، توجهت بالفعل إلى الأردن من أجل تقديم شكوى، مشيرةً إلى أنها تعيش كابوساً مستمراً منذ أكتوبر/تشرين الأول بسبب الاتصالات المتكررة على هاتفها من محتالين، وسط توقعات بأنه جرى بيع رقم هاتفها لعصابات أخرى للإيقاع بها، ما فاقم من معاناتها النفسية وأفقدها الشعور بالأمان رقمياً ومعلوماتياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك