إسطنبول/ جغري قوشاق/ الأناضول* زكريا قرشون، أستاذ التاريخ في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية:- المشروع تاريخي بأبعاد دينية وسياسية واقتصادية- إحياء سكة الحجاز قد يفضي إلى مركز قوة اقتصادي إقليمي جديد- المشروع يخلق طريقا تجاريا دوليا يخفف الضغط على الممرات التقليدية** كنعان أصلانلي، الباحث في قسم التكامل الاقتصادي الدولي بجامعة أنقرة يلدرم بايزيد:- سكة الحجاز الجديدة توفر لدول الخليج بديلا عن طرق التجارة المهددة بالاضطرابات- إعادة إعمار البنية التحتية السورية شرط أساسي لنجاح المشروع- الخط الجديد قابل للاندماج مع" طريق التنمية" ومبادرة" الحزام والطريق" و" الممر الأوسط"يرى خبراء أتراك أن مشروع" سكة حديد الحجاز الجديدة"، الذي أعلنت تركيا إعادة إحيائه بالتعاون مع سوريا والأردن، مرشح لأن يتحول إلى أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في المنطقة، من خلال إنشاء ممر لوجستي يربط دول الخليج بأوروبا، ويوفر بديلاً لطرق التجارة التقليدية التي باتت مهددة بالاضطرابات الإقليمية.
ويستند المشروع إلى المسار التاريخي لسكة حديد الحجاز العثمانية، التي شُيدت بين عامي 1900 و1908 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وربطت دمشق بالمدينة المنورة.
وكان وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو قد أعلن، في تصريحات سابقة، أن الجزء الممتد من السكة الحديدية بين دمشق والأردن سيُحافظ عليه بوصفه مساراً ثقافياً وسياحياً، بالتوازي مع إنشاء خط حديث مخصص للنقل التجاري واللوجستي.
وبموجب مذكرة تفاهم وقعتها وزارات النقل في تركيا وسوريا والأردن، تشمل المرحلة الأولى تمديد شبكة السكك الحديدية التركية إلى مدينة حلب شمالي سوريا، واستكمال نحو 30 كيلومتراً من البنية التحتية غير المكتملة داخل الأراضي السورية.
كما تخطط أنقرة لربط الخط مستقبلاً بالسعودية وسلطنة عُمان، مع إدراج ميناء العقبة الأردني ضمن الشبكة، بما يتيح نقل البضائع بين الخليج والبحر الأحمر وأوروبا عبر مسار بري متكامل، يسهم في مضاعفة قدرات التصدير وزيادة العائدات العابرة للدول المشاركة.
مشروع تاريخي بأبعاد دينية وسياسية واقتصاديةوفي تقييمه لأهمية المشروع، قال زكريا قرشون، أستاذ التاريخ في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية ورئيس جمعية باحثي الشرق الأوسط وإفريقيا، إن سكة حديد الحجاز كانت واحدة من أكبر المشاريع التي أطلقها السلطان عبد الحميد الثاني، وقامت على ثلاثة أهداف رئيسية.
وأوضح أن البعد الأول كان دينياً، إذ هدفت الدولة العثمانية إلى تسهيل وصول المسلمين إلى المدينة المنورة خلال رحلات الحج، مستفيدة من التطور الذي شهدته وسائل النقل آنذاك.
وأضاف أن الخطة الأصلية كانت تقضي بتمديد الخط حتى مكة المكرمة، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق، في حين أُنشئت خطوط فرعية لتسهيل الوصول إلى القدس وربط أهم المناطق المقدسة لدى المسلمين ضمن شبكة نقل واحدة.
وأشار إلى أن الهدف الثاني كان سياسياً، موضحاً أن السلطان عبد الحميد سعى من خلال المشروع إلى تعزيز مفهوم الخلافة الإسلامية وترسيخ فكرة الوحدة بين المسلمين داخل الدولة العثمانية وخارجها.
أما الهدف الثالث فكان اقتصادياً وتنموياً، إذ أسهم الخط في تسهيل نقل البضائع بين المدن الواقعة على امتداده، كما فتح المجال أمام تسويق المنتجات المحلية وربط الأسواق الإقليمية بمراكز التجارة الكبرى.
وأكد قرشون أن إعادة إحياء المشروع اليوم لن تكون مجرد استعادة رمزية للتاريخ، بل قد تفضي إلى نتائج استراتيجية ملموسة.
وقال إن اكتمال المشروع" سيسمح بظهور مركز قوة إقليمي جديد يقوم على التعاون الاقتصادي، ويمنح دول المنطقة قدرة أكبر على مقاومة الضغوط الدولية".
وأضاف أن امتداد الخط من البحر الأحمر وصولاً إلى المناطق القريبة من مضيق هرمز قد يخلق طريقاً تجارياً دولياً جديداً، من شأنه تخفيف حدة التنافس على الممرات التقليدية، والإسهام في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.
بديل عملي لاضطرابات الممرات البحريةمن جانبه، قال كنعان أصلانلي، الباحث في قسم التكامل الاقتصادي الدولي بجامعة أنقرة يلدرم بايزيد، إن المشروع اكتسب أهمية إضافية بعد تصاعد التوترات الإقليمية إثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما تبعها من إغلاقات متفرقة لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية.
وأوضح أن تركيا تعمل منذ عام 2025 على مشروع ممر يربط الخليج بسوريا والأردن ثم تركيا وأوروبا، بما يوفر بديلاً عملياً في حال تعرض المسارات البحرية التقليدية لأي اضطرابات.
وأضاف أن سكة حديد الحجاز الجديدة تمثل العمود الفقري لهذا الممر، إذ تمنح دول الخليج منفذاً برياً لتصدير واستيراد السلع غير النفطية عبر تركيا نحو الأسواق الأوروبية.
وأشار إلى أن الخط قد يمتد مستقبلاً حتى ميناء صحار على خليج عُمان، مع إمكانية ربطه لاحقاً بدول قطر والإمارات والكويت واليمن ولبنان، سواء عبر المشروع نفسه أو من خلال دمجه مع مشروع السكك الحديدية الخليجية.
إعمار سوريا أساس لنجاح المشروعويرى أصلانلي أن نجاح المشروع يرتبط بإعادة تأهيل البنية التحتية في سوريا، موضحاً أن نحو 500 كيلومتر من الخطوط بين سوريا والأردن تحتاج إلى إعادة تأهيل أو إنشاء جديد، إضافة إلى نحو 100 كيلومتر متضررة بين الحدود التركية ومدينة حلب.
وأكد أن المشروع سيوفر دفعة كبيرة للاقتصاد السوري عبر تنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية وزيادة حركة الترانزيت.
كما لفت إلى إمكانية دمج الخط مع مشاريع دولية أخرى، مثل" طريق التنمية" العراقي، ومبادرة" الحزام والطريق" الصينية، و" الممر الأوسط"، بما يربط شبكات التجارة الممتدة من آسيا الوسطى والشرق الأقصى بالخليج وأوروبا.
وأوضح أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للمشروع تكمن في توفير مسار بديل لدول الخليج لتصدير واستيراد السلع غير النفطية، إلى جانب خفض تكاليف النقل من خلال دمج عدة ممرات تجارية في شبكة لوجستية واحدة أكثر كفاءة.
ويربط" الممر الأوسط" الصين بالدول الأوروبية عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، ويخفض مدة نقل البضائع بين أوروبا وآسيا إلى نحو 15 يوماً، كما يحول تركيا إلى" عمود فقري للتجارة" يربطها مباشرة بـ21 دولة.
أما مشروع" طريق التنمية"، فيشمل طريقاً برياً وخط سكة حديد يمتدان من العراق إلى تركيا وموانئها، ويبلغ طوله داخل العراق نحو 1200 كيلومتر، ويهدف إلى نقل البضائع بين أوروبا ودول الخليج.
في المقابل، تُعد مبادرة" الحزام والطريق" مشروعاً عالمياً لإنشاء طرق وموانئ وسكك حديدية ومناطق صناعية في 65 دولة، تمثل نحو 60 بالمئة من سكان العالم، وتسهم بما يقارب ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
بدأ تنفيذ سكة حديد الحجاز الأصلية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني في الأول من سبتمبر/أيلول 1900، انطلاقاً من دمشق باتجاه جنوب الجزيرة العربية، ووصلت إلى عمّان عام 1903، ثم مدينة معان الأردنية عام 1904، ومدائن صالح في السعودية عام 1906، قبل أن تبلغ المدينة المنورة في أغسطس/آب 1908.
وبلغ طول الشبكة، مع خطوطها الفرعية، 2241 كيلومتراً، وسجلت عام 1913 نقل أكثر من 232 ألف مسافر ونحو 112 ألف طن من البضائع، قبل أن يتوقف تشغيلها لاحقاً بفعل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة مطلع القرن العشرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك