التلقيب القسري.
عندما يختار التلاميذ اسم المدرس!من المدرسين من يستهين بـ" حصة التعارف"، ويرى فيها -في تصوره- ضربا من" إضاعة الوقت"، والتهرب من" التحضير" بين يدي الحصة الأولى.
ولو عرضوا الأمر على ميزان الإنصاف لوجدوه موضوعيا في بابه، مستساغا في سياقه.
عندي أن المدرس الكيس من اختصر على تلامذته جهد التلقيب، الذي قد يتجاوز حدود ساحة المدرسة، فيطارده في شارعه وحيهولقد ضربت لنفسي، في مواجهة هذا الموقف، طريقا وسطا -في تقديري-، واعتمدت حلا توفيقيا؛ لا يذهب فيه" التعارف" بحظ حصة الدرس في غير طائل، ولا تقدم فيه المادة قبل تعريف المدرس بنفسه.
فإذا كان عدد تلامذة القسم يسيرا -أو متوسطا- قدمت نفسي، مركزا على ما له علاقة بالمادة المدرسة، ثم وضعت اسمي بين قوسين وهميين كخطوط الحدود البحرية، وجعلت تحته خطين ذهنيين لا يظهران على السبورة، بل ينطبعان على شاشة العقل الباطن، ثم طلبت من كل تلميذ أن يذكر اسمه، محاولا حفظ أسمائهم لأخاطبهم بها لاحقا، تفاديا لحرج الجهل بها، وكسبا لود مناداتهم بها، ولا سيما في حالات المشاركة، والإجابة، والتشجيع، والمكاشفة.
وإذا كان العدد كبيرا جدا، اكتفيت بالتعريف بنفسي، وقد أكتب اسمي في زاوية السبورة، لعلهم يحفظونه إذا رجعوا إلى" صندوق الذاكرة".
صدفة العشوائية وسبق الترصدومن طرائف الباب ما أخبرني به زميل، ذكر أن مدرسة -في طور التدريب- دخلت قسمها الجديد في أول حصة لها، ولم يكن للتلاميذ بها عهد، فاكتفت، في تحيتهم، بإلقاء السلام عند الباب، ومن حصة التعارف بمصافحة السبورة، وتسجيل التاريخ، والمادة، والمجال، والموضوع عليها، ثم قدمت عرضا موجزا عن قصيدة السموأل بن عادياء السائرة، التي مطلعها:إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه.
فكل رداء يرتديه جميلوكتبت الأبيات المختارة من النص، ووضعت تحتها اسم الشاعر، فالتقط التلاميذ" الاسم الغريب"، وأطلقوه عليها، فصاروا يسمونها" السموأل"!وليس تعريف المدرس بنفسه مانعا، بالضرورة، من التلقيب، لكن فيه إعذارا، وحدا من احتمال ابتداع" اللقب القسري".
ويتأكد ذلك إذا كان اسم المدرس فريدا بين زملائه، بحيث يؤمن اللبس، ولا يحتاج إلى" قيد تفريقي" (القصر، والطول، واللون…).
وعندي أن المدرس الكيس من اختصر على تلامذته جهد التلقيب، الذي قد يتجاوز حدود ساحة المدرسة، فيطارده في شارعه وحيه، فلا أقل من وأد احتمال التلقيب في مهده، حتى لا يكتب له حظ الشيوع والاستطارة، الذي يكتب لتلك" النسخة الإجماعية"، التي تنافس الاسم الرسمي، وقد تغلبه بمجرد أن يقرها" برلمان التلاميذ" بـ" القراءة النهائية"!إذا كانت معرفة سبب التسمية معينة على تفهم ألقاب الشهرة في حق بعض عباقرة الأدب العربي، مثل: " المتنبي"، و" ذو الرمة"، و" ديك الجن"، فإنها -بالمنطق نفسه- قد تبطل عجب حالات التلقيب القسري في حق المدرسينومن جاري عادة التلاميذ -عندنا- أنهم إذا لم يلتقطوا عبارة من لسان المدرس أو طبشوره، تحينوا منه تصرفا أو" لازمة" متكررة، أو موقفا يؤلفون على أساسه" لقب الشهرة".
فإن لم ينفتح لهم باب التأليف، نظروا في الملامح والتقاسيم، وربما أعملوا حاسة المقارنة والتشبيه، حتى يلقبوا مدرسهم باسم أحد" المشاهير".
على أن لظاهرة التشبيه بالمشاهير وجها آخر" موضوعيا"، من صوره أن يسمي التلاميذ أستاذ الفلسفة" سقراط"، أو أستاذ الفيزياء" أينشتاين"، أو أستاذ اللغة العربية" الأصمعي"، إعجابا بتمكنه من تخصصه وتميزه في مادته.
وربما خلطوا" الموضوعية" والتنكيت، فاشتقوا له من تخصصه لقبا لا يخلو من التشفي؛ كتسميتهم أستاذ الأحياء (البيولوجيا)" الديناصور"، وأستاذ الجيولوجيا" النيزك"، وأستاذ الجغرافيا" مفتاح الخريطة"، وأستاذ العربية" الدائرة العروضية"!غير أنهم قد يتنكبون طريق الموضوعية، ويركبون بساط المزاج، فيلقبون مدرس مادة التربية الإسلامية -مثلا- باسم أحد نجوم الفن أو لاعبي الكرة!وإذا كانت معرفة سبب التسمية معينة على تفهم ألقاب الشهرة في حق بعض عباقرة الأدب العربي, مثل: " المتنبي"، و" ذو الرمة"، و" ديك الجن"، فإنها -بالمنطق نفسه- قد تبطل عجب حالات التلقيب القسري في حق المدرسين، على الأقل في التسميات التي لها حظ من الإقناع العام، رغم ظاهر الغرابة المبدئية.
ومن ذلك حال تلامذة قسم بإحدى المدارس الإعدادية، كان لهم أستاذ وقور يدرسهم مادة التربية الإسلامية, فأطلقوا عليه اسم" ژاژا"، تشبيها بممثل الشخصية التركية في مسلسل" وادي الذئاب" المشهور، بجامع نورانية الوجه، وإشراق اللحية، ونضرة المظهر الديني، رغم فارق" الدور"!وما كنت أظن أنني سأقف على حالة" التلقيب القسري" -بصورتها العامة- خارج حدود المدارس النظامية، ولا سيما في موريتانيا، حتى صادفت نظيرا لها منقولا في كتب التراث العربي، ليس في مجال الحديث عن المدرسين (أساتذة ومعلمين)، بل في حق سلك القضاة هذه المرة.
وما أشبه القصة بسابقاتها المذكورة ونظائرها المعيشة؛ إذ ذكر القاضي وكيع بن حيان البغدادي، في كتاب" أخبار القضاة"، أن أهل الكوفة كانوا يلقبون كل قاض يعين عليهم (أي يطلقون عليه لقبا عشوائيا)، فجاء قاض إليهم، وقال لهم: لا تلقبوني بلقب، يكفيني أن أخرج منكم رأسا برأس.
فلقبوه" رأس برأس"!وقد تحدثت -يوما- عن سياستي المتقدمة في التعريف بنفسي، وطريقتي في استثمار" حصة التعارف" أمام أحد الزملاء المدرسين، فقال لي: لعلك لو لم تذكر لهم اسمك، كانوا سيسمونك: " العقل الباطن"؛ لكثرة ما ستكون ذكرته لهم!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك