كلما أقبل يوم عاشوراء" ذكرى استشهاد الإمام الحسين ـ رضى الله عنه ـ، يبرز هذا السؤال إلى الواجهة، هل كان الإمام الحسين- رضى الله عنه- بحاجة إلى زعامة سياسية ليخرج مطالبًا بالخلافة؟ ، ألم تكن تكفيه زعامته الدينية؟ !
هذا السؤال طُرح فى إحدى المحاضرات، عندما كنت طالبة فى مرحلة التمهيدى الماجستير من أحد أساتذتى الكبار، لقد مر عليه حوالى ثلاثة عشر عاماً، لقد استغرق هذا السؤال فترة طويلة من التفكير والقراءات والتحليلات؛ حتى أتمكن من الإجابة عليه.
كنت أسأل نفسى دائما حقاً ألا تكفيه زعامته الدينية؟ !، هل كان حقاً فى حاجة إلى زعامة سياسية؟ ، والآن وبعد مرور هذا الزمن الطويل من التفكير وقراءة الكثير من الكتب المصادر والمراجع، المؤيد منها والمعارض، أستطيع الإجابة على هذا السؤال من وجهة نظرى.
لم يكن الإمام الحسين- رضى الله عنه- بحاجة إلى" زعامة سياسية" كمنصب يسعى وراءه، بل العكس هو الصحيح؛ فقد كان يُمثل القيادة الشرعية والروحية التى احتاجها المجتمع لإصلاح الانحراف السياسى الذى حاول الأمويون وضعه وإجبار الأمة الإسلامية على قبوله، لقد استجاب لنداء الفئة المعارضة ورسائلها؛ بهدف إعادة الوضع السياسى إلى ما سار عليه الخلفاء الراشدين، فلم يكن هدفه الأساسى مجرد الوصول إلى كرسى الحكم والزعامة.
إن انتقال الخلافة للأمويين سلب الأمة حقها فى اختيار الحاكم الأصلح، فما فعله الأمويون مثل اغتصاباً للسلطة أدخل الأمة فى حالة من الصراع.
إن استشهاد الإمام الحسين ـ رضى الله عنه ـ يعد حدثًا مفصليًا واغتيالاً سياسيًا غير مجرى التاريخ الإسلامى، وأسس لمرحلة جديدة سُطرت أحداثها بالدماء، فاغتيال الإمام الحسين يعد الاغتيال الرابع فى الإسلام بعد الخلفاء الراشدين الثلاثة: عمربن الخطاب، عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ.
ولكن ـ من وجهة نظرى ـ فقد كان الاغتيال السادس بعد اغتيال كلاً من أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب والحسن بن على – رضى الله عنهم أجمعين-، فبعض المصادر ذكرت لنا أن الخليفة أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- تم دس السم له، كما ذكرت لنا المصادر أن الإمام الحسن بن على – رضى الله عنه- مات مسموماً.
إن اغتيال الإمام الحسين يعد علامة فارقة؛ حيث مهدت لإنهاء حقبة الحكم القائم على الشورى والانتقال إلى الحكم الوراثى المطلق.
وقد يرى بعض الباحثين أن نظام الشورى، الذى طبقه الخلفاء الراشدون من قبل، لم يكن نظاماً صالحاً، بعد أن اتسعت رقعة الدولة، وتطورت أجهزتها الإدارية، وانقضى جيل الصحابة، ويلائم هذا النظام البيئات القبلية والبيئة الراشدية بما كانت لها من مقومات خاصة لقرب عهد الخلفاء الراشدين فى عهد الرسالة، وإن كان قد أثبت عدم صلاحيته فى عهد عثمان بن عفان بفعل ما نشب من خلافات بين المسلمين، تحولت إلى ثورات خطيرة ترتب عليها أحداث مفجعة، مما دفع معاوية إلى حصر الخلافة فى بيت معين مع الاحتفاظ بمظهر البيعة.
والآن نقف أمام سؤال أخر يطرحه العقل البشرى، ما الأساس الموضوعى الذى يؤهل الإمام الحسين- للمطالبة بالخلافة-، خاصة أنه أمام دولة ناشئة وقوية بحجم الدولة الأموية، تغيب فيها الآليات الدستورية السليمة كالشورى.
إن مأساة كربلاء تركت بصمة خالدة، فتحولت ذكرى الاستشهاد إلى صرح يعلم الأجيال" قوة المبادئ وروعة الإيمان" فى وجه الظلم الاجتماعى، فى حين تلاشت أسماء الطغاة.
وفى النهاية لايمكننا إلا أن نقول، إن الإمام الحسين حمل عبء القضية الإسلامية المطروحة آنذاك بوصفه ابن بنت رسول اللهﷺ وقد فرضت عليه الأحداث السياسية واجباً وموقفاً حرجاً يختلف عن موقف عامة المسلمين، فخرج مدفوعاً لما أحدثه معاوية من تغيير فى منهج الحكم، ثم باعتباره نفسه صاحب حق في الخلافة بعد وفاة معاوية.
دكتوراه التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك