بيروت – «القدس العربي»: «تقبرني / انتيغون» عرض مسرحي يفتح الجروح على الخاص والعام القريب والبعيد.
فليس وحده شقيق انتيغون جثة متروكة في العراء لأنياب الكلاب الشاردة، والطيور الكاسرة.
قبل حوالى سنتين من الآن التقيت في بيروت سيدة من غزّة وصلتها لعلاج طفليها من اصابات بليغة.
أخبرتني أن أقصى أمنيات أهل غزّة باتت في أن يجدوا من يدفنهم بعد أن تفتك بهم آلة الحرب الصهيونية، وأن لا تُترك جثامينهم في العراء متاحة لكافة انواع الحيوانات والقوارض.
«تقبرني / انتيغون» عرض جاذب للعقل والحواس، كما ويطلق صوراً تُخزّنها الذاكرة.
ويستعيد قراءات مُرّة عن تفاصيل الحياة المرصودة لآلة الموت في غزّة والضفة ولبنان.
وفي كل بلد عربي داهمه ربيع فأحرقه، وقضى على مئات الآلاف من ناسه.
ومنهم كُثر لم يُدفنوا، ولم يَعرف ذوهم مصيرهم.
قد يكونون في مقابر جماعية وقد يكونون عظاماً منثورة على تراب اوطانهم.
الموت ما يزال مقيماً بيننا، يقترب أو يبتعد لا فرق.
وألم يفتت الصخر متمثّل بمنع الحداد.
وهذا ما حدث ويحدث في امكنة كثيرة من وطننا العربي السموح والرحوم.
في لعبة صياغة تميزت بكثير من الذكاء والحنكة والوجع اُعيد احياء أنتيغون لسوفوكليس، واُلبست لبوس عصرنا، حيث الحياة مرصودة ومرهونة لسوق الربح والخسارة، وحيث يُصار لإدارة الحكّام عن بعد، أو قرب كل وفق الدور المطلوب منه.
وإذ ببعض المتفرجين على مجريات الأمور وحال الناس في مدينة «طيبة» الموقرة، لم يتمكنوا من كبح ردة فعلهم، فصفقوا في أكثر من موقع أو جملة ثاقبة التوصيف.
مقاصد معاصرة تخللت عرض «تقبرني/ انتيغون» المسرحي الذي استمر لحوالى الساعة والربع.
عرض اخرج نص سوفوكليس» من تيابو» دون أن يخونه.
نهل من تراجيديا الماضي، وقولبها وفق مقتضيات الرقمنة والسوق والعولمة من خلال شخصية اعلامية فائقة القدرة على مواكبة اللحظة.
عرض بدأ في الأساس من الساحة الخارجية لمسرح دوّار الشمس.
جسد «بولينيكس» مسجّى على الأرض، والتراب منثور فوقه بخجل.
وقبل ولوج المسرح استفاض الإعلامي الحربوق «إنفلونسر» بنصائحه كي ينعم جمهور «طيبة» بأقصى درجات الاسترخاء.
دعاهم لشرب المليسة واليانسون وغيرهما وكذلك النبيذ.
بين «أكشن وريياكشن» ومواجهة بين الملك «كريون» وانتيغون وقانون البشرية منذ وجدت بوجوب دفن الموتى، يُعلن الملك قانونه دون خجل «حتى بالموت الناس مش مثل بعضا».
وتتمرد انتيغون.
المحطة التراجيدية الكبرى تمثّلت في انتقال الإعلام في مدينة «طيبة» إلى الرقمنة وشروط السوق.
انتقال مفزع.
خفة وحنكة تقترب من عالم السحر تمتع بها شخصية «إنفلونسر».
شخصية يُطلق عليها لقب راو، لكنه في الحقيقة يشبه بعضاً ممن نعرفهم بشحمهم ولحمهم على الشاشات العربية واللبنانية منها على وجه الخصوص.
وصف النص «إنفلونسر» بأنه «عابر للزمن.
شخصية خالدة تتعامل مع المجازر والدمار كفرص سياحية، تحوّل المأساة إلى محتوى.
والخراب إلى حملة ترويجية، والضحايا إلى أرقام قابلة للحصد الرقمي.
من خلال هذه العدسة الساخرة، تطرح المسرحية سؤالاً حادّاً: ماذا يبقى من الحقيقة حين تتحوّل الكارثة إلى عرض؟ ».
سؤال مفصلي في زمن العولمة أو الرقمنة لا فرق، فكلاهما يحوّل الناس إلى ارقام.
وفي كليهما تسليع، لا بل شطب للبشر.
السيناريو والحوار الذي تشارك في كتابته كل من عمر ليزا، ونور حجار، وإدمون حداد وسوفوكليس، أحيا مسرحية انتيغون وأعادها بكامل الأناقة والسحر الذي يتمتع به عصرنا الحاضر.
دلالات بينة أن يُقال للحاكم وجهاً لوجه «بعت البلد كرمال ترضي الأكبر منك».
والدلالة أكبر واوضح حين يصار للعبث بالديمقراطية والحرية والثورات.
وحين يَخنقُ الصمت العالم فيغض الطرف عن «مجزرة بمدرسة.
ومجزرة للرأي العام.
ومجزرة بالرأي العام.
تحقيق شفاف.
محكمة دولية.
معايير دولية.
خط اصفر.
خط أحمر.
الأرض.
الأسرى… الفساد وغيرها.
عرض مسرحي مفاجئ نصاً وحيوية ممثلين.
جمع بين الجرأة والابتكار في الصورة البصرية، سينوغرافيا رالف خوري.
وجرأة التوصيف والمقارنة بين مدينة طيبة ومُدن الحاضر بلغة ساخرة.
وإذ بهذه التجربة المسرحية تصل للمتلقي ممتعة، ومقدامة.
وقع الإخراج ادمون حداد بالتعاون مع ايلي نجيم.
والممثلون هم: جوزف زيتوني، عمر ليزا، نور حجار، ادمون حداد، محمد بعلبكي وريم مروة.
يُذكر أن عروض «تقبرني/ انتيغون» الأولى في 23 و24 و25 حزيران/ يونيو 2026 تزامنت بالصدفة مع الاجتماعات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك