سلفيت – «القدس العربي»: مع بداية شهر أيار/ مايو من كل عام يعاين المتجول في شوارع مدينة رام الله والبيرة ومفارقها الرئيسية باعة يفردون بسطاتهم المؤقتة لبيع ثمرة «الفقوس» (تشبه الخيار).
سيطرح الغريب عن المكان سؤالا حول مصدر ثمار الفقوس في ظل عدم وجود سهول فسيحة في المنطقة ليكون السؤال: من أين جاء هذا الكم من الباعة الذين تخصصوا في بيع الفقوس؟والحقيقية أن حكاية هذه الثمرة الشهية التي يتم الاحتفاء بها سنويا تبدأ على بعد نحو 40 كم من مدينة رام الله والبيرة، وتشكل لوحة مضيئة في التمسك بالأرض وحمايتها من الاستيطان، تقودها النساء في بلدة حدودية تتبع لمحافظة سلفيت وسط الضفة الغربية وتحمل اسم «دير بلوط».
زارت «القدس العربي» البلدة وعاينت حقولها التي تمتد على مساحة 1000 دونم مخصصة للزراعات الصيفية وأبرزها الفقوس، إلى جانب البامية والثوم والبصل والحمص الأخضر.
الخ.
من يزور البلدة الحدودية سيدهش من المكان، فبعد سلاسل جبلية ووديان عميقة يفاجئك سهل فسيح وممتد، ومن فرط مظاهر الاستيطان من مستوطنات وبؤر وبوابات وحواجز ستشك لوهلة أنك ستجد البلدة في إمكانية بلوغ المكان الذي تقصده، وهذا يعني أن الخوف قد نال منك في طريق الوصول إليها.
وبعد مفرق يعج بالإشارات التي كتبت بالعبرية وتدلل على كثافة المستوطنات يمكن معاينة حواجز اسمنتية وبوابات صفراء وهي إشارة على أننا اقتربنا من البلدة كثيرا.
وبعد دقائق قليلة تطالعنا إشارة تحمل اسم البلدة ليدخلنا شعور الأمان، وبعد ثوان معدودة تبدأ مظاهر البلدة بالبروز، فالطريق الذي يمتد لنحو كيلو مترين يرتمي على يمينه ويساره سهل فسيح، وعلى جانبي الشارع تفترش النساء تحت ظلال أشجار خضراء، الأرض، عارضات منتجاتهن البلدية والبعلية وأبرزها وأكثرها شهرة «الفقوس».
وحسب قسم نظم المعلومات الجغرافية في «مركز أبحاث الأراضي» فإن بلدة دير بلوط تقع إلى الغرب من محافظة سلفيت، على بعد 20 كم عن مدينة سلفيت، حيث تعتبر القرية من آخر القرى في المحافظة من الجهة الغربية والملاصقة للخط الأخضر، وبلغت المساحة الإجمالية للقرية حوالي 13941 دونماً، منها 503 دونماً عبارة عن مسطح التكوين.
ويقدر عدد سكان قرية دير بلوط نحو 5 آلاف نسمة، اعتماد غالبيتهم على الزراعة كمصدر للدخل لديهم بعدما فقدوا عملهم داخل الخط الأخضر.
علامة تجارية مرتبطة بالأرضيستقبل الناشط الشبابي داوود عبد الله القادمين فرادا وجماعات، يدير «استراحة وكوفي شوب السهل الأخضر»، وضعت على طرف الشارع، وتحديدا مقابل النساء البائعات، عن ذلك يقول: «أعمل هنا منذ سنوات، بُنيت الاستراحة من أجل توفير مكان يقدم بعض الخدمات للزوار، يمكنهم الاستراحة هنا، هذه نقطة نتحدث من خلالها عن قصة المرج، كما أنهم يشترون من المزارعات اللواتي يجلسن في الجوار».
يتابع داوود حديثه لـ»القدس العربي»: «كنا مجموعة من الشباب، فكرنا بدعم البلدة بكل ما نملك من إمكانيات، وفكرنا في الاستثمار بثمرة «الفقوس» التي تعتبر علامة خاصة بالبلدة وكذلك بالنساء اللواتي يشكلن لوحة خاصة بالعلاقة بالأرض».
يهمس داوود بأذان الزوار ويخبرهم بضرورة أن يتوزع الشراء على جميع المزارعات اللواتي يجلسن بجانب معروضاتهن بحيث يشمل الجميع، يقول: «من المهم أن نشتري من الجميع.
نحن عائلة واحدة، صحيح الرزق على الله لكن من المهم التركيز على هذه الدعوة».
يشير في حديثه إلى ما يحدث في المكان أيام الجُمعات من كل أسبوع: «الجمعة يتحول المكان إلى سوق كبير، مئات السيارات تصطف هنا من أجل الشراء ودعم المزارعات بشكل مباشر، غالبا ما يأتي المواطنون هنا من أجل شراء منتج بعلي (من دون ماء سقاية)، وهذا يعزز الصمود، لكن السؤال: هل يصمت الاحتلال على هذا المشهد الجميل؟ المؤكد لا».
وحسب داوود فإن الجنود يستفزهم مشهد قدوم مئات العائلات، فما يكون منهم إلا اقتحام الشارع الرئيسي وإطلاق الغاز السام، بهدف طرد الفلاحات من أراضيهن والزوار أيضا، «إنهم يخلقون تجربة مليئة بالخوف بالنسبة للقادمين بهدف الشراء والتنزه وممارسة عادة قطف المزروعات».
يتابع: «يحدث تقريبا كل جمعة، يسعى الاحتلال لفصل جبري في علاقة الفلسطيني بأرضه، لكن المزارعين يعودون فور انسحاب الجنود إلى حقولهم وبسطاتهم وكأن شيئا لم يكن».
رافق ذلك خلال الأشهر الأخيرة إغلاق طرق زراعية، ونصب بوابات حديدية وسواتر ترابية، إلى جانب إقامة حواجز على مداخل البلدة وقرية رافات المجاورة، ما أدى إلى عزل أجزاء واسعة من السهل ومنع المتسوقين والمركبات الزراعية من الوصول المباشر إليه، الأمر الذي انعكس سلبا على حركة البيع والإنتاج الزراعي.
وحول سر علاقة النساء بالأرض يشدد داوود: «النساء جزء من الأرض، وقبل سنوات، عندما تجمع شباب البلدة المليء بالحماس، رأينا أن يكون تسويق البلدة من خلال حقيقة يمكن معاينتها بشكل مباشر، فالنساء هن الأكثر حضورا بالأرض، والأكثر نشاطا، إنهن في الحقول منذ ساعات الفجر ولغاية الساعة الثامنة صباحا».
ويرى داوود في حضور الزوار من محافظات الضفة الغربية وسكان الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 برسالة معنوية ووطنية.
«المزارعات بنبسطوا فيكم.
والمسألة تتجاوز عملية الشراء، الحضور المعنوي رسالة دعم لهن، ولا سيما وأن «دير بلوط» عبارة عن ثكنة عسكرية محاطة بالاستيطان جنوبا وغربا وشرقا».
يكمل حكاية البلدة: «عام 2010 أطلقنا مهرجان الفقوس لسبع دورات، جاءت حرب الإبادة فتوقف المهرجان، كان لدينا هدف أن يشتري المواطنون من المزارعات مباشرة، بدلا من أن يتحكم تاجر أو اثنان بالسوق كله».
وتابع: «اندفاع الفلسطينيين إلى القدوم من أجل الشراء قاد إلى تقليل عرض المنتجات في الحسبة المركزية برام الله، هذا أمر حافظ على ثبات السعر المناسب، وهذا ما يحقق الجدوى الاقتصادية للمزارع».
وتشير المعلومات الرسمية التي يسردها شباب البلدة إلى أن «دير بلوط» تشكل موقعا استراتيجيا، فمنها يبدأ ما يطلق عليه «إصبع ارئيل» الاستيطاني، الذي يفصل الضفة من الشمال للجنوب عبر سلسلة جبال بنيت عليها عشرات المستوطنات، وهو أمر يفصل حلم إقامة دولة فلسطينية مترابطة الجغرافيا.
في معرض سرده يفتخر بالجمعيات النسوية والتعاونية التي تقوم باستيعاب الفائض في كميات الفقوس وتحوله إلى مخلل يتم تسويقه في عموم الضفة الغربية، إلى جانب مشاريع تطويرية مرتبطة بنتاجات الأرض وأيدي الفلاحات.
وبحرص يضيف: «هذا موسم صيفي لكنه موسم زراعي وطني، هذا ما نريد التأكيد عليه، محيط البلدة مليء بالمستوطنات التي تستعد للانقضاض على السهل، وبالتالي القدوم هنا رسالة وطنية».
والبلدة محاطة بحزام استيطاني، حيث استولى الاحتلال على 26 ألف دونم من أراضي البلدة، وأقام عليها مستوطنات «ليشم، إيلي زهاف، وبيدوئيل».
وهو ما قلصت مساحتها من 35 ألف دونم قبل عام 1948 إلى 11 ألفًا اليوم، والأخيرة تقع 95% منها تحت سيطرة الاحتلال الفعلية لكونها تحمل تصنيف مناطق «ج».
ابتسام وعلاقة رومانسية بالأرضتمارس ابتسام فضل موسى، فعل الزارعة منذ أربعين عاما، وهي إلى جانب ذلك تنشط في «جمعية الإبداع التعاونية» المتخصصة في دعم النساء وإدارة مشاريع ترتبط بالمنتجات المحلية مثل الفقوس، والمخلل، والمفتول والصناعات الغذائية.
وبرومانسية واضحة ترفع شعارها قائلة لـ»القدس العربي»: «المرأة تتحدى الصعوبات وهي ترفع شعار: «باليد الأولى أحمل فأسا، وبالأخرى أحمل كتاب».
تضيف: «صباح كل يوم تخرج نساء البلدة إلى حقولها تمام الساعة الخامسة فجرا، في تلك اللحظات الهادئة يسقط الندى على وجوه الفلاحات ويمتزج مع عرقهن، فيما تتكفل أشعة الشمس بالباقي، وهو ما يجعلن ملكات السهل الأخضر».
في أثناء حديثها، المزارعة موسى تبدو واضحة تماما: «العمل بالأرض بديل للذهاب للعمل بالمستوطنات الكثيرة التي تحاصرنا، الأرض بديل، وهي مصدر خير ورزق لنا جميعا».
بوضوح يمكن رؤية أن المزارعة موسى ليست «فلاحة» تقليدية، فإلى جانب نشاطها في دعم عشرات النساء وتوفير بيئة عمل دائمة لهن تضيف: «سافرت إلى ألمانيا وتجولت في 16 مدينة ألمانية وقدمت تجربتي في العمل الزراعي، كما زرت السويد وقدمت حكاية نساء القرية، لقد تلقيت عرضا للبقاء هناك، لكنني رفضت ذلك من دون تفكير».
تخبر الحضور قائلة والابتسامة على محياها: «هناك ماركة تجارية مسجلة اسمها «ساحوري يا فقوس» نسبة إلى بلدة بيت ساحور قضاء بيت لحم، وهنا يوجد ماركة تجارية اسمها «بلوطي يا فقوس»، إنه «منتج زراعي يحمل روح البلدة ويمجد فعل المزارعات».
وفي البلدة، التي تتربع فوق تلة في مواجهة السهل، يتداول السكان سبب التسمية، البعض يخبرنا أنها تعود لكثرة شجرة البلوط البري في تلتها وجبالها المحيطة، فيما يخبرنا قسم أخر إلى أنها تعود إلى راهب روماني يدعى «بلوتوس» عاش فيها وبنى ديرا هناك ما زالت معالمه حتى اللحظة.
في تجربة المزارعة ابتسام موسى تشدد على أن الأرض منتجة، «يمكن أن يكون العمل الزراعي مجديا إذا فكرنا بطريقة إبداعية، الحقل هو الذي ساهم في تعليم فتيات البلدة، تعليم لم يجعلهن بعيدات عن الأرض.
جيل من النساء متعلمات وهن مدرسات وموظفات لكنهن بذات الوقت مزارعات في الحقول».
تتابع حديثها: «راتب زوجي كان للمصاريف اليومية، لقد عشنا عليه، أما الأرض فكانت سبب تعليم أبنائي جميعهم».
رويدا رويدا يتضاعف حديث ابتسام برومانسية تقول في وصف علاقتها بالأرض: «ريحة التراب لها نكهة خاصة، بجوز تقولي عني بحكي بغرابة بس أنا بحس بريحة الأرض.
».
وتضيف: «في مرات كثيرة لا أتحدث عن مصدر قلقي وزعلي للعائلة.
أما الأرض فهي المكان الذي يسمح لي بالحديث عن كافة همومي.
الهم بروح مع البوح للأرض، الأرض صديق وفي.
علاقتي فيها قوية.
هنا أفرغ طاقتي السلبية وكافة همومي».
سألنا ابتسام عن سر التمسك بالأرض فقالت: «رغم وجود الجيش والمستوطنين وهجماتهم أجد الأمان هنا.
أنا مرتبطة بالأرض وهذا كلام أعيشه ولا أتحدث عنه فقط.
هنا أشعر أن جذري بالأرض ورأسي في السماء».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك