ميزة الطموح أنه يضاعف الطاقة، يضخ الأمل فى العروق، ويُطلِعُ الفردَ على نسخة ثانيةٍ منه، ربما لم يعرفها من قبل، وقد يكون أشد المتفاجئين بها.
أمَّا أشد عيوبه؛ فأنه نَهِمٌ لا يشبع، مُتطلّب للغاية، يستنزف صاحبه أشدَّ الاستنزاف، وما من ضمانةٍ له أو قيد عليه؛ فحينًا يبلغُ بالناس المرامَ، وأحيانًا يحرقهم على الأعتاب دون وصول.
لا جديد بشأن مباراة المنتخب الأخيرة فى دور المجموعات بكأس العالم، إذ كان المُرجح بالحسابات المنطقية أننا سائرون إلى الأدوار الإقصائية.
وقد تأكد العبور بالفعل قبل ملاقاة إيران، وصار اللعب على الترتيب، وهوية المنافس لاحقا، والأهم على المكانة والرمزية، وتعزيز المعنويات واستبقاء جذوتها المتوهِّجة منذ محطة التغلُّب على نيوزيلندا.
ومهما كانت الملاحظات؛ فإنها لا تنتقص شيئا من الجهد المبذول حتى الآن.
نجح حسام حسن وكتيبته فى الفوز لأول مرَّة، وسجلوا هنا أضعاف ما سجلناه فى ثلاثِ نُسَخ سابقات، وتلقوا أهدافًا أقل، أو بالأحرى لنا لا علينا.
كما كانوا أدنى للصدارة التى أحرزوها بين الجولتين بالفعل، وأفلتوا من مباراة صعبة وقاسية، دخلها الطرفُ الآخر مُحتشدًا، صاخبًا، وأقرب ما يكون إلى وضع الدروع وخوذات الحرب.
ولا نُنكر أننا كُنّا فى مجموعة سهلة نسبيًّا؛ إنما ليست أوَّل مَرّة، وقد أخفقنا مع تركيبةٍ لا تتفوّق كثيرًا فى روسيا 2018، وآخرون غيرنا غادروا البطولة بعد مواجهاتٍ شبيهة أو أقل، وبهزائم قياسية.
وقد لا يكون الصعود نفسه إنجازًا فى الأحوال العادية، لا أختلف مع القائلين بما سبقَ؛ لكنه فى حالتنا يكتسبُ قيمته من المَشقَّة، وتجذُّر اليأس، وطول الرحلة منذ دورة 1934 للآن.
سنذهب كثيرًا فى الدورات المقبلة، بعد توسيع البطولة ومضاعفة مقاعد أفريقيا، وقد نتخطَّى المجموعات تِباعًا، وربما يحملنا الطموح لِمَا هو أبعد؛ غير أن التجربة الحالية ستظل مُهمَّة فى الوقت والدلالة، مَرجِعيَّةً فى القياس، ورياديَّةً فى الأثر الذى ستسبغه على الكُرة المصرية.
وبمعنىً آخر؛ فكُلّ خطوة أوسع ستكون نتاجًا لسابقتها، لن نرضى بالأقل مستقبلاً، كما أن الدَّرَج بطبيعته لا يُصعَدُ بقفزة واحدة؛ إنما بالتراكُم والمُثابرة، وتزداد الدُّربة مع التكرار، ولياقة الصاعدين.
ومن أجل التراكُم؛ فإننا نحتاجُ وقفةً مع النفس، وقدرًا من المكاشفة المُحبّة؛ بلا تهوين ولا تهويل، ولا شخصنة أو إحالة إلى ألوان ولافتات.
لم نكُن على ما يُرام، وبدا الفريق أسوأ من مباراتيه السابقتين، أبطأ وأقل إقدامًا، ليس على موجةٍ واحدة، ولا يملك حلولاً، أو يقدر على كَبح الاختراقات المضادة.
يُرَدُّ جانب من الأسباب إلى الإرهاق، وبعض الإصابات؛ لكنَّ الجهاز فى حاجةٍ ماسّة للمُراجعة، وقراءة المُنافِس بشكلٍ أفضل، مع إدارة الساحة بديناميكية لحظيّة، وإزاحة ما يفوح من رائحة العشوائية والخشية والارتجال.
منتخبُ إيران ليس خصمًا سهلاً بالقطع، ولا وَدودًا فى خصومة الرياضة.
كان أفضل منّا بدنيًّا، تغلُب الخشونة على أدائه، وربما يستشعر الذين لا يرون الكُرةَ فى قفصٍ زجاجىٍّ مُعَقّمٍ، أنَّ لاعبيه كانوا مدفوعين باعتباراتٍ أكبر من اللقاء، والمجموعة، والبطولة كلها.
لعلَّ أهم مزايا الألعاب أنها حروبٌ غير مُكلِّفة، قادرة على امتصاص الغضب والمشاعر السلبية، وتحويلهما إلى طاقة إيجابية، خلَّاقة ومُمتعة.
وأكرَهُ خَلطَها بالسياسة؛ غير أننى أستشعرُ أن الأخيرة لم تكن بعيدة تمامًا، وأن بعض المنتخبات تُشبه بلدانها، سواء أرادت ذلك أم لم تُرِدْ.
طريقةُ الفُرس أقربُ لنظام حُكمهم: غِلظَةٌ ظاهرة، احترابٌ يطغى على الروح الرياضية، رهانٌ على الخشونة بسببٍ أو من غير.
مُناكفةٌ مقصودةٌ تُعطِّل الحسم، مع تكتيكٍ يسعى لادِّخار الطاقة قدر الإمكان؛ فيستنزف الغريم بالملل والاحتواء والارتياح الخادع، مع إضمار أن ينقَضَّ عليه فجأة، فى الدقائق الأخيرة القاتلة.
ربما أكون مُتحاملاً؛ إنما لا يُمكن استبعاد الرمزيّة تمامًا من الصورة، لا سيَّما أنَّ عددًا من لاعبيهم قضوا فترات تجنيد فى ميليشيا حرس الثورة، ومحمّلون بأيديولوجيا الولىِّ الفقيه.
وبالتبعية؛ فإنَّ لديهم موقفًا عدائيًّا تجاه المحيط العربى/ السُّنّى، تُرجِمَ أخيرًا بالعدوان على دول الخليج، وكانت مصر فى صَفِّ الأشقاء صراحةً، وبلا مُوارَبةٍ أو مُواءَمة.
وإن أُنكِر الإيرانى؛ فلا يُنكَر الإخوانى.
التسييس يُرافقنا منذ بدء المنافسات، بالتحامل والتسخيف ومحاولات الإحباط، ووضع غزّة فى جُملة اعتراضية، رغم أن الغزّيين احتفلوا بفوز مصر.
ثمّ ازداد الأمر قبل اللقاء الأخير، بإطلاق لجانِهم خطابَ الانسحاب الفجّ؛ بدعوى أن المثليِّين فى سياتل الأمريكية سيُنظّمون فعاليّات على هامش المباراة.
والمُفارقة أنهم ركَّزوا حملتهم علينا، وما وجّهوا رسالتهم المُلوّنة كقوس قُزَح لعمائم طهران، إخوانهم فى الأُصوليَّة والتطرُّف وأفكار سيد قطب!سلوك شبيه بالتعدّى على السفارات؛ ثم بجاحة وانحطاط التظاهر فى قلب تل أبيب، وادّعاء نُصرة الفلسطينيين، بتبرئة الصهاينة من دمائهم، وإلصاق جرائمهم بالآخرين!المُهم أنهم سقطوا فى الفخاخ التى حفروها، وعبرنا المكائد، كما عبرنا دور المجموعات.
ولعلّه السيناريو الأفضل من وجهة نظرى: مباراة بحظوظ متساوية مع أستراليا، وفاصل يقارب أسبوعًا.
التصدُّر كان سيُقلّص فترة الراحة يومين، مع احتمال أن نواجه السنغال مع طبيعة لقاءاتنا الصعبة بهم، وكوريا الجنوبية أو باراجواى مع فارق السرعة واللياقة.
يحقّ لنا الفرح فى كل الأحوال.
اللحاق بما فاتنا طويلاً، واستدراك أخطاء الماضى، وقصّ شريط لن يعود القليل بعده مقبولاً ولا مُشبِعًا.
سنحاول، ولن تخلو المحاولات من ملاحظات، كأى عمل بشرى.
ولا الرياضة ستبرأ أبدًا من محاولات تشويهها، أكان من غربٍ مُزدوج المعايير، أم من شرقٍ، بعضه مريض بالرجعيّة وعبادة الماضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك