شهدت العائلة المالكة في بريطانيا خلال الأعوام القليلة الماضية سلسلةً من الأزمات والأحداث الدراماتيكية المتلاحقة – هاري، وأندرو، وحالتي إصابة بالسرطان، ووفاة الملكة إليزابيث الثانية - تفوق ما قد تواجهه معظم العائلات العادية طوال حياتها.
ومع ذلك، فإما أن أفراد العائلة المالكة، خلف كل مظاهر البذخ والاحتفالات الرسمية، لا يختلفون كثيراً عن أي عائلة تعيش على وقع الأزمات، أو لأنهم يرون أن الشفافية هي الخيار الصائب في زمن تتزايد فيه الحساسية تجاه الإنفاق العام، فقد كسر الملك تشارلز تقليداً امتد لعقود من الزمن، من خلال نشر إقراره الضريبي الشخصي، وكشف عن أنه سدد لمصلحة الضرائب البريطانية 12.
9 مليون جنيه استرليني (نحو 17.
3 مليون دولار أميركي) خلال السنة الضريبية الماضية، وهو مبلغ يمثل أكثر من نصف دخله الخاص المتأتي من" دوقية لانكستر" [محفظة عقارية واستثمارية تاريخية مملوكة للملك البريطاني بصفته ملكاً، وتؤمن له دخلاً خاصاً يُستخدم في تمويل نفقاته الرسمية وبعض نفقاته الشخصية، وهي منفصلة عن أموال الحكومة وعن المنحة السيادية].
قد لا يبدو" نشر شخص لإقراره الضريبي" حدثاً استثنائياً في حد ذاته.
لكن في ظل الغموض شبه الهزلي الذي طالما أحاط بالشؤون المالية للمؤسسة الملكية، فإن ما أقدم عليه الملك تشارلز ربما يمثل أهم تطور دستوري تشهده العائلة المالكة منذ أزمة التنازل عن العرش عام 1936.
هذا، بالطبع، إذا استثنينا ما شهدته الأسرة منذ ذلك الحين من حالات طلاق وفضائح ووفيات.
ففتح أبواب القصر أمام قدر من الشفافية المالية يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين العائلة المالكة والرأي العام.
ويعود جانب كبير من استمرارية مكانة العائلة المالكة – وتوصيف" استمرارية" هنا أدق من كلمة" جاذبية" - إلى اختيارها البقاء بمنأى عن هموم الحياة اليومية التي تشغل رعاياها، وإلى أنها، في المجمل، لم تواجه تحدياً حقيقياً لهذا التعالي الذي يكاد يكون أولمبياً.
وعندما أُعلن عام 1993 أن الملكة إليزابيث الثانية ستبدأ بدفع الضرائب، استُقبل القرار بدهشة وامتنان، لا بتعليقات من قبيل: " ما الذي استغرق كل هذا الوقت؟ "يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)مما لا شك فيه أن نجلها الملك تشارلز يأمل في الحصول على رد الفعل نفسه، لكن من غير المرجح أن يحظى به.
ويعود ذلك من جهة إلى أنه لا يتمتع بالشعبية نفسها التي حظيت بها الملكة الراحلة، ومن جهة أخرى إلى أن التفاصيل الدقيقة لإقراره الضريبي تكشف عن أرقام قد تثير كثيراً من التساؤلات والدهشة، ولا سيما لجهة الزيادة شبه المضاعفة في المبالغ الممنوحة للمؤسسة الملكية، عبر المنحة السيادية المرتبطة بعائدات" عقارات التاج".
لكن السبب الأهم يكمن أيضاً في أن الملكة إليزابيث كانت بارعة في الحفاظ على استقرار الأمور وتجنب إثارة الجدل قدر الإمكان، وهو ما يفسر لماذا كانت - خلال لقاء الناس في الفعاليات العامة التي لا حصر لها إبان فترة حكمها - تكتفي غالباً بسؤالها المعتاد: " هل جئتم من مكان بعيد؟ "يمكن القول إن الملك تشارلز قطع شوطاً بعيداً من زاوية معينة، عبر فتح أبواب قصر باكنغهام - وهو المكان الذي لن يقيم فيه مطلقاً على رغم إنفاق 369 مليون جنيه استرليني (487 مليون دولار) من أموال دافعي الضرائب على أعمال تجديده - أمام تدقيق مسؤولي الضرائب، وما يرافق ذلك من مساءلة شعبية.
وفي حين أن البعض قد يبدون تذمراً من أن هناك أموراً لا تزال طي الكتمان (مثل الأرشيف الملكي الشديد السرية في" البرج المستدير" في قلعة ويندسور)، فإن ما حدث يُعد خطوة مهمة على الصعيد الشخصي للملك تشارلز والمؤسسة الملكية عموماً.
ويستحق الملك التقدير والثناء على ما أبداه من رؤية استباقية واتخاذه مثل هذا القرار الحاسم.
مع ذلك، قد يجد نفسه اليوم متسائلاً عما إذا كان قد ذهب بعيداً في خطوته أكثر مما ينبغي.
ففكرة العائلة المالكة البريطانية - على عكس نظيرتها في هولندا مثلاً حيث قد يظهر أفرادها وهم يجوبون بسعادة شوارع المدن على متن درّاجات - تقوم أساساً على ابتعادها عن الشؤون اليومية العادية.
وإذا ما نظرنا إلى" المؤسسة" الملكية باعتبارها مجرد امتداد لحياتنا العائلية الخاصة، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول السبب الذي يجعل أفرادها يستحقون تخصيص مئات الملايين من الجنيهات الاسترلينية لهم من المال العام، وما إذا كان الجمهور يحصل في المقابل على قيمة حقيقية مقابل هذا الإنفاق.
يبقى أنه خلال الأعوام القليلة الماضية، بذل كل من الملك تشارلز - وبدرجة أكبر نجله ولي العهد الأمير ويليام - جهوداً حثيثة لإزالة هالة الغموض التي تحيط بهما، وذلك عبر التفاعل المباشر مع الناس، وإجراء مقابلات صريحة، ومحاولة الظهور عموماً بمظهر أكثر قرباً إلى الناس.
على المستوى الشخصي، يمكن النظر إلى ذلك باعتباره أمراً إيجابياً.
إلا أن هذه الخطوات، إلى جانب ما تلاها لاحقاً من إجراءات غير مسبوقة، تحمل في طياتها خطر تحويل العائلة المالكة إلى مجرد مؤسسة تجارية عادية.
وفي ظل الاضطرابات التي شهدتها الأسرة في الأعوام الأخيرة، قد يهمس البعض بأن الوقت قد حان لإيفاد مدققي الحسابات إلى المنطقة ذات الرمز البريدي SW1 [حيث يقع قصر باكنغهام وقصر سانت جيمس] لإخضاعها لمراجعة أكثر دقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك