" أقسم بأن أشير لمرضاي إلى النظام الذي أرى، على قدر استطاعتي وإدراكي، أنه هو الأنفع لهم في الغذاء والدواء، وأمتنع عن كل ما هو ضار ومؤذ"، قالها اليوناني أبقراط، أبو الطب الذي توفي قبل 377 عاماً قبل الميلاد، بالنظر إلى هذا التعهد المتزن والمسؤول كم تبدو ممارسات الطب وفق ما تظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعيدة بشدة عن هذا المعنى الذي من المفترض أن يقسم عليه الأطباء، بعد أن يجتازوا جميع المواد الدراسية والتدريبات اللازمة، ففي حين أن هناك صيغاً عدة لهذا القسم الذي كان يعتبر مرجعية تزيد من ثقة المريض في الطبيب، إلا أن جميعها تتفق على المعنى ذاته، وهو عدم التضليل والدقة، وصون حق المريض وكرامته.
الفوضى الطبية على" السوشيال ميديا" لا تعني أن الغالبية العظمى من الأطباء باتوا يحترفون صناعة المحتوى الهادف للربح فقط، بل على العكس، فالجانب الأكبر من مقدمي الرعاية الصحية يعملون ليلاً نهاراً من أجل تخفيف الآلام، ويستهدفون الصدقية في ما ينشرونه عبر مواقع التواصل، لكن لأن الصخب هو الأعلى صوتاً، فإن الرسائل الصحية الهادفة للجدل فقط" والفرقعات" مهما كان مشككاً بها، التي يقدمها أطباء يظهرون عبر" تيك توك" و" إنستغرام" و" فيسبوك" تجد طريقها سريعاً وتصل إلى عشرات الآلاف وربما الملايين في دقائق.
ما حدث هو تحول النصيحة الطبية الرصينة التي تكتسب ثقة يقينية من قائلها بأبحاثه العلمية وخبراته وأمانته إلى نوع من الطب الشعبي الضار، فيختلط دور الطبيب الذي ينحي كل الأمور جانباً، ويكون شغله الشاغل هو وصف الأدوية بمنتهى النزاهة، ومنح مريضه المعلومات كاملة لاتخاذ القرارات الصحيحة، بدور المؤثر الذي يسعى في النهاية إلى بيع سلعة ما، ومن غير المهم بالنسبة إليه أن يقتطع نصف الحقيقة أو أن يمنح منتجه أوصافاً غير حقيقية، ويضع له عناوين تشعل الإنترنت بغض النظر عن مدى دقته، بهدف تحقيق الشهرة والتمتع بكل مزاياها.
الشعبوية الطبية" الرقمية"الحديث هنا ليس عن القطاع الآخر الذي يرتدي بالطو أبيض ملفقاً إلى نفسه لقب طبيب أو دكتور، ويظهر في عشرات مقاطع الريلز، بينما هو في الأصل ينتحل الصفة، فهؤلاء يجري التعامل معهم قانونياً وفق إطار معين، لكن أن ينتحل بعض الأطباء الحقيقيين صفة مندوب المبيعات مستغلين الرصيد الكبير من الثقة التي بينهم وبين المرضى، ومستغلين الهيبة الكاملة التي تحضر في نفوس من يعانون مشكلات صحية مزمنة فور قول كلمات مثل" طبيب - استشاري - متخصص - أستاذ علاج"، فإن تداعيات الأمر تصبح وخيمة، فالمعلومة المضللة هنا تكتسب قوة قائلها، ومع ذلك ففي حال تسببها بضرر بالغ، فإن رحلة الإثبات بحاجة إلى نفس طويل وصولات وجولات قانونية وقوة تحمل لا يملكها المرضى في الغالب، والأدلة تصبح في بعض الأوقات شبه مستحيلة.
الملاحظ أن فوضى الوصفات الطبية والترويج للأدوية من قبل متخصصي المهنة السامية، ينتشران عبر صفحاتهم الموثقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي منذ أعوام في العالم العربي، إذ تحاول كل دولة وضع ضوابطها الصارمة لحماية المتلقين، إلا أن الوضع أصبح أكثر خطورة بعد انتشار ما يسمّى نظام الطيبات الذي روّج له طبيب التخدير المصري الراحل ضياء العوضي، الذي شُطب من نقابة الأطباء بسبب مخالفته القواعد المهنية قبل وفاته، والذي يحث ملتزميه على تناول السكريات بشراهة، وترك أدوية أمراضهم المزمنة، بحجة أنها خدعة هدفها زيادة أرباح شركات الأدوية لا أكثر.
وعلى رغم حالات الوفاة والتدهور المتزايد لمعتنقي النظام، لا سيما ممن جرى تشخيصهم بأمراض تستلزم الاستمرار على الدواء من دون انقطاع، وعلى رغم الإجراءات الصارمة التي اتخذتها المؤسسات الصحية الرسمية للتوعية وحماية المواطنين، فإن البعض لا يزال يزايد ويشكك ويدعو إلى الإيمان بهذه الحمية التي وصفها بعض الأطباء بأنها جريمة مكتملة الأركان.
المفارقة أن الطبيب أبقراط الذي يعرف جميع ممارسي المهنة قسمه الشهير، اهتم بتقنين الإجراءات الصحية ووضعها في كتب مع تلامذته، لينتقل الطب من ممارسة شعبية تحمل جوانب من الخرافات والأساطير والوعود الزائفة إلى علم منهجي، لكن في عصر التكنولوجيا الفائقة، عادت الشعبوية الطبية بقوة، بل باتت مرخصة ولديها عيادات قانونية وصفحات رسمية تروج بها لنصائح غير مثبتة أو منقوصة، بل بعض مروجيها من الأطباء الذين اختاروا لقب مؤثر وصانع محتوى وأصبحوا نجوم" الريلز" يشككون في علوم الطب نفسها ويعتبرونها ذات أغراض تجارية وتفاقم من معاناة المرضى في سبيل حثهم على شراء الدواء، فأين قسم أبقراط هنا، وأين المسؤولية الطبية؟ لا سيما أن القسم الذي يُوصف بأنه غير ملزم، تعادله نصوص نقابية وقانونية ملزمة تدعو إلى القيم نفسها.
تقول الدكتورة سامية عبدالرحمن، المتخصصة في طب المسنين والأستاذة بكلية الطب بجامعة عين شمس، إنها لا تزال تستقبل حالات لمسنين يسيرون على نظام الطيبات، ويضعون أنفسهم في وضع شديد الحرج صحياً، لأنهم بحكم السن والضعف العام أكثر عرضة للمضاعفات من غيرهم، لافتة إلى أن الأمر يصبح معقداً في المجتمعات ذات الثقافة الطبية المحدودة، وممن يرون أن من حقهم التعامل نيابة عن المريض المسن، مشيرة إلى أن بعض الأبناء والأقارب يستغلون كبار السن ويجعلونهم يسيرون على هذا النظام وغيره من الحميات الضارة دون علمهم.
وتضيف عبدالرحمن، " يمنعون عنهم الدواء الذي لا يمكن الاستغناء عنه ويجبرونهم على تلك الأنظمة، والنتيجة غيبوبة وتدهور قد يودي بحياة المريض، والحقيقة أن ذوي كبار السن في مجتمعاتنا دوماً يكون لديهم هاجس بأنهم يرغبون في إخفاء الحقيقة الطبية وخطط العلاج وطبيعة المرض عن المريض في مثل هذا العمر، بحجة أنه لن يتحمل نفسياً على رغم أنه يكون في كامل قواه العقلية، وقانوناً يجب أن يتخذ هو قراراته الطبية بنفسه، ومما يزيد الطين بلة وجود تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي يلجأ إليها ذوو المرضى أو المرضى، وقد توقعهم في كوارث، ومع انتشار ملايين الصفحات التي تدعي العلم والخبرة بينما هي تقدم منهجاً صحياً مضللاً تماماً يصبح المريض فريسة تنتظر الانقضاض، إذا ظل معتمداً على تلك المصادر فقط".
ومن وجهة نظرها ترى الدكتورة سامية عبدالرحمن أنه ينبغي تشديد الدور الرقابي من طريق هيئة رقابية مستقلة، لأن نقابة الأطباء من الصعب أن تراقب كل هذا المحتوى، ضاربة المثل بطيبات العوضي، لافتة إلى أنه لم يتم الانتباه إلى خطورة هذه الظاهرة ومحاولة تحجيمها إلا بعد فوات الأوان، لأن فضاء الإنترنت هائل.
أخيراً، شرعت النقابة العامة لأطباء مصر في وضع لائحة جديدة تضمن ضوابط ومحددات ظهور الأطباء المنتمين إليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك في وسائل الإعلام التقليدية، وهي تنص على ضرورة الالتزام بأخلاقيات المهنة، وعلى رأسها تقديم المعلومات العلمية الموثوقة والمقطوع بها كي لا تتضرر صحة المرضى، وعدم ترويج أدوية أو خدمات تقدمها أي جهات تجارية، وعدم إخفاء العلاقة التعاقدية بتلك الجهات، وحظر المبالغة والادعاء بالشفاء التام أو العكس، التهويل والتخويف، أو الاستعانة بأشخاص للترويج للإجراءات التي قدمها الطبيب.
تلك التحذيرات تبدو وكأنها تصف بصورة تفصيلية فيديوهات الأطباء الأكثر رواجاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فجزء ليس هيناً منها يحوي تلك المحاذير حرفياً التي تعتبرها النقابة مخالفات صريحة وخيانة للأمانة العلمية.
وحول ضرورة أن تقوم الهيئات الصحية المعنية بمحاولة السيطرة على هذه السوق المفتوحة، يرى جمال عميرة وكيل النقابة العامة للأطباء في مصر وأستاذ طب الأورام بجامعة القاهرة، أن الأمر ملح أكثر من أي وقت مضى بسبب طبيعة منصات التواصل التي بلا سقف، إذ يمكن أن يظهر أي شخص ليتحدث عن مجال دقيق يمس أرواح الناس من دون مساءلة ومن دون دليل علمي، فالنقابات الطبية المعنية بصورة عامة تهتم بسلامة المرضى تماماً كما تحرص على حقوق الطبيب، ففي حال التجاوز يجري التنبيه والإنذار أولاً، ثم الغرامة ثم الإيقاف الموقت، وفي ما بعد الشطب الكامل.
لكن مدى قابلية تلك الضوابط المفترض أن تعمم رسمياً على الجهات المعنية والأطباء قريباً للمراقبة والتنفيذ، يقول الطبيب جمال عميرة، إنه من الصعب مراقبة آلاف وربما مئات آلاف الصفحات، و" لكننا سنسعى بقدر الإمكان إلى رصد تجاوزات قوانين آداب المهنة وفق المستطاع".
أطباء يخاصمون المنهج العلمياللافت أن وكيل نقابة الأطباء يشير إلى أن قائمة المسموحات للطبيب في أي ظهور إعلامي محدودة للغاية، وتبتعد كل البعد عن مظاهر الترويج المنتشرة حالياً، موضحاً" المسموح له هو الإعلان عن تخصصه، وبعض الإجراءات الطبية المعترف بها، وكذلك مؤهله وشهادته، أو الحث على الالتزام بأنظمة غذائية مثبتة، دون تشويه أو تضليل معلوماتي، لكن للأسف نفسية كثر من المرضى تتأثر بالكلام الدعائي، وأنا هنا أقول إن المسؤولية تقع على الطرفين، بالطبع المريض بنسبة أقل، لكن في أقل تقدير يمكنه البحث والاطلاع قبل أن يعتمد طرقاً علاجية محددة أو أخذ رأي أكثر من جهة موثوق بها".
أمّا الطبيبة سامية عبدالرحمن، فتقترح أن تكون المواجهة بالسلاح نفسه، أي أن تقوم إحدى الهيئات المحايدة غير الهادفة للربح بحملة تثقيف صحي على طريقة فيديوهات الريلز القصيرة، وأن تُصنع بطريقة جذابة هدفها إعطاء المعلومة الصحيحة بأسلوب لافت وذكي، يمكنه أن يصبح ’ترنداً‘ أيضاً لكنه ’ترند‘ إيجابي".
أطباء الأسنان يروجون لإجراءات معينة ويظهرون مع حالات تتغزل بمهارتهم، مع استعراض كيف كانت الأسنان وإلى أي مرحلة وصلت بعد العمليات، وأطباء التغذية والجهاز الهضمي يروجون لأدوية يزعمون أنها تريح مرض الكبد الدهني وضرورية لمستأصلي المرارة، حتى المهدئات العشبية أصبحت محور محتوى إعلاني لاستشاري الصحة النفسية، وطب الأمراض الجلدية أحد أكثر المجالات انتشاراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نتابع يومياً نصائح شديدة الجاذبية، وهي تعد المرضى بنتائج مذهلة تقال بيقين كامل، وبينها الدعوة إلى شراء مكمل غذائي بعينه، لأنه الأفضل في إنهاء التصبغات، وشراء تلك التركيبة الكريمية، لأن لا شيء غيرها يمكنه أن يعيد إلى الجلد نضارته، ثم فيديو ثالث مصنوع بطريقة درامية مليئة بالحماسة عن الاكتشاف الذي سيغير حياة مستخدميه ويخلصهم نهائياً من الصلع.
والخطة دوماً هي التركيز على منتجات بعينها باهظة الثمن دون الحديث عن بدائلها الأرخص، التي قد تكون أكثر تأثيراً وأقل في الآثار الجانبية، والوعود القاطعة بأن تلك العلاجات تصلح لجميع الحالات تزيد من حجم الإقبال، أمّا نهاية القصة الحزينة المتكررة، فهي سيل التعليقات التي تشكو من عدم تأثير تلك المنتجات أو تسببها بكارثة، فبدلاً من أن تساعد في إطالة الشعر على سبيل المثال تزيد من معدلات سقوطه، بالطبع مصير تلك التعليقات يكون هو الحظر، لتظل الصورة الناصعة لطبيب يعلن في نهاية الفيديو عن عنوان عيادته الفارهة، داعياً الزبائن إلى الزيارة، وواضعاً رابطاً لشراء الأدوية التي يبيعها لمصلحة شركات معينة.
نصف الحقيقة أو الاتجار بالوهموفي سبيل كل ذلك يجري اللجوء إلى تكنيك نصف الحقيقة، من طريق دعم وجهة النظر المروج لها بسرد جزء واحد فقط من نتائج بعض الدراسات العلمية، أو التركيز على معلومة غير مكتملة، أو نظرية علمية ثبت عدم صحتها في ما بعد، فيما الكلام ظاهرياً يبدو علمياً تماماً وله ثقل بينما في الحقيقة هو وسيلة لاعتلاء" الترند" وزيادة عدد المتابعين، وأيضاً جذب أكبر عدد من المتلقين ليضغطوا على روابط شراء بعض العلاجات، أو اتخاذ قرار بزيارة العيادة ودفع مبالغ مالية طائلة.
بالطبع كل مقدم خدمة مفيدة ذات غرض نبيل من حقه أن يتقاضى أجره المجزي عليها، لكن تحويل المريض إلى زبون يفسد المنظومة العلاجية في مجتمع بعض الأطباء" الإنفلونسر"، حيث تجتاح الظاهرة العالم كله، بحثاً عن الشهرة والربح الخيالي، فالترويج للأدوية لم يعد في نطاق محدود يقتصر على المترددين على العيادات فقط، إنما بات يستهدف المتابعين الذين يقدرون بالملايين في بعض الأوقات، وهوس الربح السريع والنجومية يجعل عدم التدقيق أمراً متوقعاً، فتزداد قائمة الأدوية التي تنتظر دورها الإعلاني المغلف بطريقة طبية مقنعة.
الأمر يطاول النصائح الغذائية الغريبة كذلك، وحتى الترويج لإجراءات جراحية، مع وعود لامعة وبراقة ببساطة الإجراء ومضمونية النتيجة، فقط إذا اتخذ المريض قراره بزيارة المركز الطبي المعني، ثم لا تتوقف الحملة، ففي بعض الأوقات يمكن أن ينشر الطبيب محتوى يتحدث فيه عن القصص الإنسانية للحالات التي عالجها لتتحول حياة المرضى إلى" ريلز"، بل الأمر وصل في بعض الأوقات إلى نشر صور الحالات من دون استئذان، وهو موقف شائع لا ينكشف إلا بتدوينات المرضى الذين يصرخون بأنهم لم يمنحوا إذناً باستخدام معلوماتهم الشخصية، في حين أن وكيل نقابة الأطباء في مصر يقول إن مشاركة الحالات والظهور بصورة عامة" أمر غير مسموح بالمرة".
عودة مرة أخرى إلى قسم أبقراط من خلال عبارة تولي اهتماماً كبيراً لفكرة الحفاظ على أسرار المريض في هذا القسم العلمي الذي من المفترض أنه بمثابة إعلان عن الالتزام الأخلاقي للطبيب ناحية المريض الذي يكون في أضعف حالاته، وهي تقول" سوف أحتفظ بكل ما أراه أو أسمعه من أسرار الناس التي ينبغي ألا أكشفها، ما لا يجب ذكره مما تصل معرفتي إليه في حدود مهنتي أو خارجها أو في مخالطتي اليومية مع الناس، بل أكتمه سراً.
"من يعود بالطب إلى عصر العلوم الزائفة؟تعتقد الدكتورة سامية عبدالرحمن أن القيم التي أقرها قسم أبقراط تصلح لكل وقت، لافتة إلى أن فكرة ظهور المرضى بعد شفائهم للترويج للطبيب أو لدواء معين توحي بأن كل حالة يصلح معها الإجراء العلاجي نفسه، وهذا أمر ضد الأمانة العلمية، الضوابط العلاجية تقول إن كل حالة لها خصوصيتها، وبروتوكولات الدواء تقضي بأن يجري اللجوء إلى دواء معين في المرحلة الأولى، وفي حال عدم الاستجابة ينتقل إلى مرحلة أخرى بخطة أخرى وهكذا.
تشير استشارية طب المسنين إلى أن كثيراً من المروجين الذين يتعاملون مع الطب كسلعة، يلعبون على نفسية المرضى الذين يبحثون عن ملاذ، فتنتهي بهم الحال للسير وراء سراب، وتتابع" لهذا نجد النصائح السطحية المليئة بوعود مزيفة تنتشر أسرع من الحقيقة، لأنها تبعث على الراحة في نفس المريض، فرسائل الطبيب يجب أن تكون منضبطة، وتتحمل مسؤولية ملايين المرضى الذين قد يستمعون إليه، أي يكتفي بالحديث عن الأعراض والوقاية والعدوى وعلامات التحذير، لا أن يتحول محتواه لإعلانات دعائية مثل إعلانات المنظفات، أي تسطيح المعلومة واختزالها لتصبح بلا أبعاد وتركز على نصف الحقيقة وتزور النصف الآخر بهدف البحث عن متابعين وتحقيق أرباح من الطرفين سواء المريض أو المنتج الذي يروج له، وهذا شهادة الزور بعينها".
وتشدد الطبيبة سامية عبدالرحمن على خطورة الإفصاح عن أسماء الأدوية على لسان أطباء لديهم رخص مزاولة المهنة، إعلامياً، وبخاصة في ظل نظام صحي يسمح بشراء غالبية الأدوية من دون وصفة طبية، مما قد يشجّع مريضاً على تشخيص نفسه بنفسه وشراء الدواء واستعماله بالفعل فتتدهور صحته تماماً، داعية أيضاً إلى الانتباه إلى عدم تجاهل الأعشاب التي تروج لها فيديوهات الأطباء على أنها آمنة سواء كانت في شكل طبيعي تماماً أو في شكل حبوب دوائية، مضيفة" هي في النهاية مركب كيماوي، وينبغي التعامل معه بحذر".
وهو ما تشير له أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هالة يسري نفسه، التي ترى أن فوضى النصائح عبر مواقع التواصل الاجتماعي" حوّلت كل شيء إلى تجارة"، مشددة على أنه قبل أعوام طويلة كان يجري استعمال الأعشاب الآمنة في مجتمعات كثيرة بطرق مقننة، ما يسمى الاستخدام العاقل، وأضافت" قبل هوجة تلك الفيديوهات التي تدعو إلى استخدام وصفات شعبية دون تقنين، كانت أفراد المجتمعات التي تزدهر فيها تلك الزراعات على سبيل المثال لديهم خبرة في استخدامها السليم، وكان يجري تبادل المعارف، لأنهم يعلمون حدود الكميات المطلوبة لكل حالة، لكن حالياً وفي ظل هذا الانتشار الرهيب لقنوات مدّعي الطب يسهل جذب من ليس لديه ثقافة صحية أو خبرات أو تعليم كافٍ، أو عقلية نقدية، ولهذا ينبغي على الجميع التيقن من أي نصيحة قبل الالتزام بها".
ولفتت أستاذ علم الاجتماع أن حتى الأعشاب ينبغي توثيقها وتقنينها، والتعامل معها كثروة قومية، من خلال نشر طرق استخدامها الآمن من طريق الجهات المعنية، ووفقاً لخبرتها في مجتمعات ريفية وصحراوية، تشير الدكتورة هالة يسري إلى أنه على رغم بساطة تلك المجتمعات، فالثقافة هنا مهمة للغاية، لأن الخبرات المعرفية المتوارثة بخصوص هذا المجال تواجه العلوم الزائفة المنتشرة عبر فضاء الإنترنت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك