رويترز العربية - مسؤول: إيران لم تشارك في المحادثات الفنية بسبب أحدث الهجمات قناة القاهرة الإخبارية - بسبب التوترات الإيرانية.. الوقود الأحفوري يعود إلى صدارة الحسابات الاقتصادية العالمية قناة التليفزيون العربي - ما الذي يقال إسرائيليًا بشأن تأجيل إنفاذ بنود الاتفاق وما التفاصيل التي تُسرب بشأن إطار التفاهم؟ رويترز العربية - إسرائيل تدمر بنية تحتية لحزب الله في جنوب لبنان قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - هل ما زالت سياسات إيران تثير مخاوف إقليمية؟ التلفزيون العربي - بالفيديو.. جيش الاحتلال الإسرائيلي يطلق النار على مدنيين في عابدين بدرعا التلفزيون العربي - لإطلاق حوار وطني.. فصائل فلسطينية تطالب عباس باجتماع للأمناء العامين الجزيرة نت - الجزائر تسعى لاستقطاب خبرات الصين واستثماراتها في التعدين الجزيرة نت - إعلام إسرائيلي يسرب أجزاء من "الملحق الأمني السري" للاتفاق مع لبنان العربية نت - هوليوود تراهن على الأبطال الخارقين لإنعاش موسم الصيف
عامة

"ليالي سان دوني"... الأرواح التائهة في متاهات الشتات

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

ما من بيت يدوم. تنهار الجدران والطمأنينة تحت وطأة القصف والخوف، يتبعثر القتلى والناجون على حدٍ سواء، أرواح تعرف طريقها إلى العالم الآخر، وأخرى تضل، فيترصدها الشتات. وعند حدود بعيدة، هناك، يلتقي التائه...

ما من بيت يدوم.

تنهار الجدران والطمأنينة تحت وطأة القصف والخوف، يتبعثر القتلى والناجون على حدٍ سواء، أرواح تعرف طريقها إلى العالم الآخر، وأخرى تضل، فيترصدها الشتات.

وعند حدود بعيدة، هناك، يلتقي التائهون الوافدون من جغرافيات متباعدة، تتقاطع مصائرهم داخل قصر تشيده الكاتبة لنا عبدالرحمن، في روايتها الأحدث" ليالي سان دوني" (دار العين).

لم يكُن قصر" لو شاتو" واقعاً محضاً ولا خيالاً خالصاً، بل هو مزيج موجع من الحقيقة والخيال، فلطالما كانت الأبنية القديمة المهجورة في فرنسا ملاذاً ومأوى للمهاجرين، غير أن الكاتبة لا تستدعي القصر بوصفه فضاءً مكانياً يتشكل من حجارة صماء، بل تسرب إليه أنفاساً وحياة، تؤنسنه ليكون بطلاً آخر بين أبطال السرد، وتوظفه محركاً رئيساً للأحداث، يراقب ويحتضن ويحتفظ بالذكريات ويقابل اقتلاع الشخوص من أرضها بثباته في أرضه.

يواجه بوحها بصمته وما يخفيه في طياته من تاريخ وأسرار وحيوات.

عبر تقنية تعدد الأصوات تشرع الشخصيات (يوسف ودرصاف وكامي وعبير وماثيو وأبو الطيب ومازن ونايا)، في سرد تجربة الاقتلاع والتشظي، وبينما تبرز الشخوص عبر أصواتها مثل شظايا متناثرة، ينطلق الراوي العليم في جمع تلك الشظايا في نسيج واحد، فيربط بين الحكايات المتفرقة، ويضفي على السرد موضوعية الرؤية وشموليتها.

تنطلق الرحلة السردية من نظرات متلصصة تقتنصها عينان غريبتان تراقبان القصر في صمت، بينما يختبئ صاحبها بين ظلال أشجار السرو.

وعبر هذه البداية تبث الكاتبة حالاً من التوجس والترقب والانتظار، وتعد قارئها بأحداث مشوقة، فتدفعه إلى متابعة الرحلة أملاً في اكتشاف هوية المراقب وغاياته، وما سيقترفه بحق القصر وساكنيه المقتلعين من بلاد بعيدة الذين تجمعهم على رغم تباين خلفياتهم، وحدة خبيثة وخوف مظلم وفقد طاعن في الألم وعيش على الحافة واغتراب، وفن بات سبيلهم الوحيد للمقاومة والنجاة.

منذ اللحظة الأولى ينتزع القصر موقعاً مركزياً في السرد، تبرزه الكاتبة بالوصف الكثيف" بدا مثل لوحة سوريالية حية، تحمل ندوب الزمن.

نوافذه المكسورة، تبدو مثل عيون نصف مغلقة تطل على عالم تخلى عنها" (صفحة 5).

وعبر ما ترصده من سماته وطبيعة غرفه وجدرانه، تحوله إلى ذات حية، لها خبرة طويلة مع الألم والفقد، ومرآة تعكس ما يعتري ساكنيه من هشاشة وكسور نفسية.

كما تمهد عبر وصفه بلوحة سوريالية، لتجاور المتنافرات، إذ لا يجمع ساكنيه إلا الشتات، بينما ينحدرون من بلدان وطبقات وثقافات متباينة.

وبهذا يتحول القصر إلى عالم مصغر" ميكروكوزم"، يجسد تناقضات وأزمات الواقع.

كذلك تبث هذه الصور الوصفية للقصر مناخاً من الغرابة والرهبة وعدم اليقين.

ومن جدرانه، يمتد الوصف إلى الحياة الفرنسية التي تشبه دوائر متكررة، فيرسم أجواءها القلقة التي تشعر المرء على الدوام بأنه هدف مشروع للسرقة، ويطاول الفرنسيين المنفصلين عن مشاعرهم والمنحازين إلى عقولهم، وكذا الشخصيات الرئيسة في السرد، إذ تحرص الكاتبة على تصوير بنيتهم الجسدية وفوضاهم النفسية، فتبرز بنية" كريم" الضخمة وشقرة" مازن" ووجهه المثلث وتناقضات" أبي الطيب" وقناع القوة الذي تخفي" عبير" خلفه هشاشتها.

وتوظف هذه الأبعاد في بناء الشخصيات، وتوجيه مساراتها السردية" هو الوحيد القادر على إنهاء هذا الصراع.

بجسده العملاق سوف يعمل على ردع صاحب الزجاجة.

ما إن وصل كريم حتى خفت صوت صاحب الزجاجة، كريم بيده العملاقة دفعها من يده، كما لو أنه يحرك ريشة بخنصره" (صفحة 175).

تستدعي الكاتبة حمولات معرفية متنوعة إلى فضاء السرد، تضيء عبرها ملامح الواقع الفرنسي وطبيعة غجر المانوش والقديس سان دوني و" الزواج الأبيض" والتنوع العرقي وسياسات الهجرة والانتقائية في اختيار المهاجرين.

وتتيح من خلال هذا الخطاب المعرفي الذي ينساب عبر بنية السرد بوصفة جزءاً أصيلاً منها، توسيع الأفق الدلالي للنص، ولا سيما أنه يتيح انفتاحه على أبعاد تاريخية واجتماعية أكثر رحابة واتساعاً.

وبالمثل تستدعي تجليات ثقافات تقليدية، تتسرب إلى السرد عبر شخصيات منتمية لخلفيات عرقية مختلفة.

فتحضر ملامح الثقافة الأفغانية عبر شخصية" درصاف"، وتتجلى في الطعام التقليدي مثل خبز النان وطبق القابولي بلو واللغة الدارية والموسيقى والأغاني الأفغانية.

وتستثمر الكاتبة ما تستدعيه من ثقافات محلية في تعميق بناء الشخصيات، وتعزز من خلالها طرحها لقضايا الهوية، كما توظفها في تحقيق الإيهام بالواقعية، وإثراء الحسية السردية التي تدعم بدورها تماهي القارئ مع النص.

وتضيء عبدالرحمن مواطن العطب في المجتمع الإنساني، وتسائل حروباً لا تتوقف وتكشف عن محاولات مستمرة لطمس هوية الشعوب ومحو ذاكرتها وتلحق بقوارب تبحر نحو الموت.

تحاكم أوطاناً حولتها القسوة إلى قبور وتدين فوقية ذكورية وسلطة أبوية تشوه أجساد النساء وأرواحهن.

تتطرق إلى ما ينوء به الواقع من ضغوط نفسية وتفاوت طبقي وعنصرية وعبودية حديثة.

كما ترصد قاعاً سحيقاً يخطو الناس نحوه مدججين بالاغتراب، مجردين من القيم ومدفوعين باليأس بعد انهيار الأحلام والأفكار الكبرى.

وهذا الاشتباك مع قضايا الواقع الشائكة، تعضده أسئلة وجودية حول الحياة والموت والمصير، غير أن الكاتبة ما تلبث أن تخلخل ثقل هذا المناخ القاتم، بما تسلكه من نزوع صوفي، يتجلى في استدعاء أقوال جلال الدين الرومي" خارج حدود الصواب والخطأ، هناك حقل، سألقاك هناك، كأنني أهدئ روحي الثائرة" (صفحة 38).

إضافة إلى ما تنتهجه من حكمية، تسعى عبرها إلى إزاحة اليأس وتحفيز الأمل" جوهر الحياة أن نظل نلاحق أحلامنا/ الدنيا لا تعطينا ظهرها، نحن من نجلس في الاتجاه المعاكس، إنها حياتك عليك أن تعيشها من دون أن تؤذي أحداً أو تتعرض للأذى".

تشيّد الكاتبة عوالمها السردية من شبكة من التقابلات الفنية، تتجسد خلالها ثنائيات الشكل والمضمون، الثراء والفقر والوطن والمنفى والشرق والغرب والعقل والعاطفة والحقيقة والقناع.

وتشرع في المقارنة بين مقاومة الآخر حين يستعمر الوطن، وبين الإذعان له، حين تتطلب النجاة فراراً إليه.

وتعرج على الصور فتفكك ابتسامة التقطتها عدسة الكاميرا، بينما يختبئ خلفها حزن جاثم فوق الصدور.

وتتتبع انهيار أحلام أبطالها بحياة أكثر سهولة، على أعتاب واقع شاق تفرضه قسوة الهجرة واللجوء.

ترصد فردية الحياة في باريس، مقابل ترابط المجموع في" لو شاتو"، وحرية المرأة في فرنسا مقابل امتهانها في شرق ترتع فيه سلطة أبوية غاشمة وذكورية بغيضة" طلب مني الغرق في مستنقع يهين كرامتي، يقتل جسدي ويميت روحي.

قامت بنزع المعطف البالي ثم كشفت عن ظهرها، بانت عليه آثار حروق تنتشر في أماكن مختلفة، تابعت قصتها: كان يطفئ سجائره في ظهري حين أرفض طاعته، لذا فررت منه، أنا خائفة، لا أريد العودة" (صفحة 186).

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ومثل عالمها الخارجي تفيض دواخل الشخوص بسيل من التناقضات، فيجمع" أبو الطيب" بين اهتمامات رجل الشارع والفيلسوف وبين النخبوية والشعبوية وبين حياة فوضوية يعتنق فيها نظرية اللاعمل، والتزام أسري نحو ولديه.

أما" مازن" فيجمع بين التظاهر والصدق وبين قدرة على التكيف وذاكرة لا تغادر الماضي.

في حين يجمع" كريم" بين جسد عملاق وقلب عصفور!عبر هذه البنية التقابلية وما يعتري الشخوص من تناقضات، تؤجج الكاتبة شعلة الصراع، وتوظفها لإضاءة قضاياها الرئيسة حول الشتات وغياب المأوى والوجود المهدد والوقوف على الحافة.

فيتجلى الصراع الخارجي بين المركز والهامش، وبين نظام يُعِد اللاجئين وبالاً، بينما لا ينفكون هم يناضلون لانتزاع اعترافه بشرعية وجودهم فيه.

وفي المقابل يتجلى اتجاه عكسي من الصراع تسلكه" كامي" الفرنسية، رفضاً للنظام نفسه ورغبة في التحلل منه.

ويتجلى صراع آخر على مستوى الأجيال، يكشف عن هوة عميقة بين الآباء وأبنائهم، ولا سيما بين" يوسف" وأمه حين يأبى المضي في طريق رسمته له، وكذا بين" عبير" وابنتها، وبين" كامي" وأبويها.

وفي ثنايا السرد تظهر صراعات أخرى بين المواطنين الفرنسيين وغجر المانوش وبين الشرطة والمهاجرين.

ويندلع الصراع أيضاً بين" يوسف" وزوجته" ياسمين" وبين" أبي الطيب" وزوجته الأوكرانية" ديجا" وبين" وداد" وزوجها الليبي، مما يحيل إلى تلاشي الحب واستحالة صموده أمام تباين غايات البشر واختلاف طبائعهم.

وفضلاً عن مستواه الخارجي، يظهر مستوى داخلي من الصراع، تشتعل جذوته في العوالم الداخلية للشخوص، مما يضفي مزيداً من التوتر الدرامي على الأحداث ويسهم في تنامي الشخصيات.

فيحتدم داخل" يوسف" المنقسم بين استقرار مع زوجة متسلطة، وتشرد في حياة يضمن فيها حريته.

وتنقسم" عبير" بين رغبة في مسامحة أمها، وعدم قدرتها على أن تغفر لها تركها رضيعة.

ويراوح" ماثيو" الذي يمارس الطب في الخفاء، ما بين رغبة في مدح مهاراته وخوف من الفضيحة والمساءلة.

وتكابد" كامي" صراعاً بين إيمان بضرورة اعتزال الحداثة، وبين شك يتسرب إليها من حياة تخلو من مظاهر الرفاهية.

في حين تشهد العوالم الداخلية لـ" درصاف" صراعاً قاسياً بين حب لـ" يوسف"، ورغبة في أمان مادي يضمنه ثراء" ليام" " أقف على مفترق طريقين بين ليام ويوسف.

أدرك أني لا أكون أنا مع ليام، لكن ما جدوى أن نكون نحن، ولا نتمكن من الحياة في المكان الذي نريده وبالطريقة التي نختارها" (صفحى 209).

وعلى رغم ما يفشيه الصراع من هشاشة الشخوص وعمق مأزوميتها، فإن الكاتبة تعمد بالمقابل إلى إحاطة بعض الحوادث بالغموض، فلا تفصح عن هوية العينين اللتين تراقبان القصر، ولا عن ملابسات مقتل" خديجة"، ولا عن مآلات الشخوص، لتضمن دفع قارئها إلى محاولة اكتشاف المخبوء وملء الفجوات السردية، عبر ترك مقعد التلقي والمشاركة الفعلية في لعبة السرد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك