لعلها مفارقة أن يولد" عيد الأب" من رحم أبوةٍ تقمصت دور الأمومة.
فحين أطلقت الأميركية سونورا سمارت دود دعوتها عام 1909، أرادت تكريم والدها؛ الجندي الذي خلع درع الحرب بشجاعة، ليرتق جوارب أطفاله الستة، بعد أن خطف الموت زوجته.
ذلك لا يعني بالضرورة أن الأبوة لا تستحق التكريم في حد ذاتها؛ سيّما وأنها المظلة التي طالما تنعمت البشرية في كنفها بطفولتها، بغض النظر عن الوعي الواهم بأن سلطة الأب ليست سوى قيدٍ ينبغي الانعتاق منه.
تُجسّد رحلة تليماك فداحة هذا الغياب؛ فما إن ارتحل عوليس حتى عاث الطامعون فساداً في قصره وتنازعوا على الفوز بزوجته بينلوب.
ومنذ ذلك الحين، طفق الأدب يسائل نفسه: هل ما نستعيده في الرواية هو أطياف الأبوة بعد مرورها من منشور الخيال، أم أن فكرتنا عن هذا الصرح الشامخ راحت تتضخم وتُحمّله ما لا يستطيع الوفاء به؟ وهل يكمن الخطر حقاً في حضوره، أياً ما كان نوعه، أم أنه يتربص بنا في غيابه؟إذا كان تليماك الإغريقي قد جاب البحار بحثاً عن أبيه ليستعيد البيت توازنه، فإن البطل المكسيكي" خوان بريثادو"، في رائعة خوان رولفو" بيدرو بارامو"، واجه الأرواح الهائمة والأصداء المميتة في رحلةٍ انطلقت من وصية أمٍّ على فراش الموت، بحثاً عن أبيه الطاغية ليسترد حقه المادي والمعنوي.
وهي الثيمة ذاتها التي استلهمها نجيب محفوظ في" الطريق" لدرجةٍ تصل إلى حد التطابق في تصاعد الأحداث؛ غير أن الابن في كومالا الرولفية يصطدم ببلدةٍ خربة تسكنها الأشباح، لا تشبه في شيء ذلك الفردوس الذي غزلته مخيلة الأم المستبعدة.
تتكرر هذه الصدمة العنيفة بين" الأب المتخيّل" و" الأب المخيب للآمال" في رواية" ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود السنعوسي؛ فبطلها الذي وُلِد لخادمةٍ فلبينية تزوجت سراً من نجل العائلة الوحيد قبل أن تلفظها المنظومة الطبقية والتقاليد خلف البحار، ينشأ في عشوائيات مانيلا تحت وطأة الفقر، على أملٍ واهن بأن يأتي الأب يوماً لينتشله إلى وطنه الموعود كما رآه بعيني أمه.
يتخذ غياب الأب في الرواية العربية المعاصرة صوراً شتىيكبر الحالم ويتحقق الحلم ليرتحل إلى الكويت، وهناك يرتطم بعالمٍ ينكره ويلفظه، إذ يرى المجتمع في ملامحه خطيئة لا بد من محوها.
ومن رحم هذه التغريبة الموجعة، يصوغ السنعوسي مرثية جماعية، تتقاطع فيها مصائر شريحة من البشر تقاسمت مرارة الفقدان وتشوه الصورة المثالية للوطن والملاذ.
لكن الأفدح في تلك المأساة، هو أنه بمجرد الوصول إلى الهدف المنشود، تنتهي صلاحية الحلم الذي طالما استمد منه الحالم جذوة الحياة.
يتخذ غياب الأب في الرواية العربية المعاصرة صوراً شتى، فهو الغائب الحاضر حيناً، والحاضر الغائب في كثير من الأحيان، ليتحول من شخصية فاعلة إلى أسئلة معلقة كالمشانق في عنق الأبناء.
في" جبل الزمرد" للروائية المصرية منصورة عز الدين، يتسامى عن حيزه المادي ليذوب في سديم الرواة، فلا يبقى منه سوى أثر تسترجعه البطلة نور سين في رحلتها التي لا رجوع منها، كحديثه عن جبل قاف بوصفه" جوهر الحقيقة صعبة البلوغ"؛ لتغدو كلماته ميراثاً من الغموض والتشوش، ويترسخ الاغتراب كلما ترددت صدى كلماته في أذن ابنته: " نحن غرباء أبديون".
على النقيض من هذا الغياب الأثيري، تهبط رواية" أقفاص فارغة" لفاطمة قنديل إلى أرض الواقع الخشنة، فيحضر الأب بجسده ويغيب بروحه بعد أن حالت المكيفات والتصدعات النفسية دون قدرته على الرعاية والحماية، فإذا بوجوده يتحول إلى حفرة في القلب، ليس بوسع الأيام أن تردمها.
إلى جانب وحشة الغياب، فتحت الرواية قلبها على صورة أشد وطأة للأبوة، تستجلب خوف فرانز كافكا في رسالته التي لم تصل إلى أبيه قط؛ بوصفها شهادة على هيمنة ساحقة تربي في الأبناء الدونية والعجز والذنب المقيم.
كذلك نرتعب من صورة الأب عند محمد شكري في" الخبز الحافي"، ننسحق مثله تحت وطأة الفقر والاقتلاع، ونرغب في هدهدة أبنائه الجوعى بينما ينقلب جلاداً، يصفع ويركل حتى يفضي في سورياليته القاتمة إلى موت أحد أبنائه.
على الوتيرة نفسها، يقدم حنا مينه في سيرته الروائية" بقايا صور" نموذجاً لعنفٍ أبوي يتغذى على إدمان الخمر والتغيب المستمر، مستبيحاً مستقبل أبنائه وكرامتهم؛ إذ لم يتورع عن التضحية بطفولة ابنته وإرسالها للعمل خادمة سداداً لديونه، مما دفع الابن إلى قول: " لازمني إحساس سلبي عدائي، طوال أيام تجاه والدي، إحساس لم أستشعره حتى في الأوقات التي غادرنا فيها إلى جهات مجهولة".
تمتد القسوة لتشتبك مع التشكيل البصري الهزلي في" حكاية زهرة" لحنان الشيخ؛ حيث تعيش البطلة أسيرة ذعرٍ طفولي يدفعها إلى النبش بأظافرها في وجهها، لتظل بشرتها شهادة إدانة للأبوة لا تسقط بالتقادم.
وتتحد القسوة بالغياب عند ميرال الطحاوي، إذ تتقنع الأبوة بالبداوة في لحظة احتضارها التاريخي؛ فتارةً تمارس قمعاً مُغلفاً بالدلال، وتارةً تبدو ضحية منكسرة للتحولات.
في" نقرات الظباء"، نتعرف على مأساة البدوي حين يفَقَد فضاءه؛ فيحاول يائساً استرداد عالمه المتسرب عبر تربية الخيول طلباً لنقاء سلالة غدا مستحيلاً في زمن اختلاط الأنساب، لتنتهي المحاولة بمهرةٍ عقيمة في مربطٍ خالٍ.
وحين يقلع عنها ليلاحق" الصقور الحرة" بوصفها رمزاً للأنفة والانعتاق، تتحول تلك الطيور العصية على التدجين إلى كائنات مقنعة ومكبّلة بالخيوط تُطيع مدربها تحت وقع الجوع، ليجلس الأب بجوارها يرثي حاله مستعيضاً عن مجده القديم بلافتة" خبير صقور" على بابه.
في الوقت نفسه، يلوح إرث" الجد الباشا" (شيخ العرب) الذي يفرض سياجاً من العزلة والسرية على بناته العائدات من الحواضر، مرغماً إياهن على الانخراط في تقاليد القبيلة وزواج الأقارب.
مقاربات سردية بين" الأب المتخيّل" و" الأب المخيب للآمال"وسط هذا الطيف من الأبوة المشوهة، يظهر نموذج الأب الحاضن بوصفه استثناءً في السرد الروائي.
ولعل أيقونته الأشهر تتجسد في شخصية المحامي أتيكوس فينتش في رائعة هاربر لي" أن تقتل طائراً مغرداً"؛ حيث يرتفع الأب فوق صخب التمييز العنصري ليغدو البوصلة الأخلاقية لطفليه، ممرراً إليهما قيم العدالة والتسامح والشجاعة في عالمٍ يغلي بالكراهية.
نستعيد هذا الوجه الداعم للأبوة عند الروائية ديمة عبد الله في روايتها" أعشاب ضارة"، فالأب يتشكل مارداً في وعي طفولتها، يصنع من الخوارق ما يتكفل بإنقاذها من هذا العالم، ويشع نوراً يلهيها عمَّا يحيط بها من ويلات الحرب، وليس مصادفةً أن تستهل ديمة رسالة حبها إلى أبيها الشاعر، من عتبة حضوره، ثم تمنحه الكلمة الأخيرة، بأن تختتم صفحاتها بقصيدة من شعره، في إشفاق تام على نفسها من الإفلات من مداره.
تعكس ديمة حاجتنا اليوم إلى الأبوة لا بوصفها دعوةً للنكوص إلى طور الطفولة، بل استغاثة في زمن اللايقين، الذي أشعرنا بقسوة اليتم أكثر من أي وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك