قضى المترجم المصري طه محمود طه قرابة ربع قرن في ترجمة رواية الكاتب الأيرلندي جيمس جويس" عوليس"، إلى جانب إنجازه كتاب" موسوعة جيمس جويس"، الذي يشرح عوالمه ويفسّرها، ويتوقف عند أعماله ومفاتيح قراءتها.
هذا التفاني، أو هذا الارتباط الطويل بين المترجم والكاتب، يشكّل جوهر كتاب" لم يُعثر عليه: وقائع تمشية بجوار عوليس.
بحثاً عن دكتور طه" (ديوان، القاهرة، 2025) للكاتب محمد فرج، إذ يبحث في تلقّي جيمس جويس عربياً، وفي سيرة مترجمه المصري، ومصير أعماله المفقودة.
بدأ الفضول الذي صنع الكتاب، من اختفاء ترجمة طه محمود طه لرواية جويس" يقظة فينيغان"، وصعوبة العثور عليها، قبل أن يتحول البحث إلى تقصٍّ أوسع في سيرة المترجم وأثره، وموقعه داخل الثقافة المصرية.
ويجمع الكتاب التحقيق الصحافي، والسيرة الثقافية، والنقد الأدبي، والتأمل الشخصي، في بناء سردي يستخدم منهج" التمشية"، أي التجوال بين الأمكنة، مدينة القاهرة، والدراسات الثقافية.
ويستدعي هذا المنهج، على نحو ما، تقاليد كتابية عرفها فالتر بنيامين في قراءته لبودلير ومدينة باريس، حيث يتحول التجوال بين الشوارع والقصاصات والأرشيفات إلى طريقة في فهم الأدب والتاريخ معاً.
وهكذا، يستخدم فرج، جويس، وحكاية ترجمته رواية" عوليس" إلى العربية، للحديث عن قضايا ثقافية وسياسية، مثل تحولات القاهرة إثر ثورة 25 يناير، ووضع الأرشيف المصري، وعلاقة ما هو سياسي، بما هو ثقافي داخل الصحف.
وقد استعان فرج بأرشيفات كل من" أخبار الأدب" و" دار الهلال" و" الأهرام".
كما تناول علاقة طه محمود طه بجماعات اليسار المصري وصراعاتها، وما تعرّض له، بدرجات متفاوتة، من نفي أو تهميش داخل الوسط الثقافي.
أيضاً يناقش أثر هذا كله، في استقبال ترجمته لجويس.
يبحث في تلقّي جويس عربياً، وفي سيرة مترجمه المصري طه محمود طهويتوقف الكتاب عند صعوبات ترجمة جويس إلى العربية، والمرونة التي تعامل بها طه مع مستويات العربية المختلفة، بما في ذلك العامية وأغاني الأطفال، في محاولة لمجاراة تعدّد الأصوات والطبقات اللغوية في النص الأصلي.
كما يستعرض تاريخ ترجمة" عوليس" إلى العربية، بدءاً من محاولة لطفي جمعة في الأربعينيات، مروراً بترجمة طه محمود طه، وصولاً إلى ترجمة صلاح نيازي.
وقد صدرت ترجمة طه عام 1982 في طبعة محدودة لا تتجاوز 500 نسخة، في مجلدين يقعان في 1382 صفحة، عن" المركز العربي للبحث والنشر".
ومشروع طه في الترجمة، بدأ منذ الستينيات، من خلال ترجمة وتأليف كتب عن الأدب الإنكليزي، وبدء ترجمة" عوليس" في فصول مستقلة، قبل أن يعكف على كتابة وترجمة" موسوعة جيمس جويس".
وتتجاوز هذه الموسوعة 600 صفحة، وتضم ترجمات لمقاطع من نصوص جويس ودراسات عنها، ويحتل الجزء الأكبر منها تتبّع رواية" عوليس".
أيضاً، وعلى الرغم من حضوره الأكاديمي والثقافي، اضطر طه إلى نشر ترجمة عوليس، على نفقته.
وقد عاد إلى الرواية بعد اكتشاف أخطاء في النسخة الإنكليزية التي ترجم عنها، واستمر العمل على النسخة الثانية سبع سنوات، إلى أن صدرت بعد تلافي أخطاء الطبعة الأولى عن" الدار العربية" عام 1994.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك