حين تجلسُ لتتأمَّل حركة التَّاريخ المُعاصر، وتدقِّق النَّظر في التقارير الإستراتيجيَّة التي تصدر عن مراكز صناعة القرار في الغرب، تكتشفُ أنَّ الأخطر ليس دائمًا ما يحدث على جبهات القتال، أو في أروقة البورصات العالميَّة، بل إنَّ الأخطر -والأكثر عمقًا وتأثيرًا- هو ما يجري داخل" البنية الأساسيَّة" للمجتمعات البشريَّة، وأعني بكلامي هنا: الأسرة.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أنَّنا لسنا أمام مجرَّد تحوُّلٍ اجتماعيٍّ عابرٍ، بل نحن أمام أزمةٍ كُبْرى تعيشها الحضارة الغربيَّة، أزمة ناتجة عن تحوُّل طروحات" النسويَّة المتطرِّفة" من حَركات تطالب بحقوق مشروعة، إلى أيديولوجيا" صِراع صفريٍّ" شامل ومحتدم بين الرَّجل والمرأة، وهو صراعٌ -لو تفحَّصنا أبعاده- لا يهدفُ إلى إقرار العدالة، وإنَّما يعيدُ إنتاج نظريَّة الصِّراع الطبقيِّ، ولكن هذه المرة داخل غرف النَّوم، وتحت سقف البيت الواحد، حيث يُصبحُ الرَّجل هو" البرجوازي المستبِد"، وتصبح المرأة هي" البروليتاريَا المستضعَفة".
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف تحوَّلت الوعود البرَّاقة للحريَّة النسويَّة في الغرب، إلى جحيم نفسيٍّ يُطارد المرأة، وإلى خريفٍ سكانيٍّ يُهدِّد حضارة بأكملها بالزَّوال؟الإجابةُ عن هذا السؤال، تكمنُ في أنَّ المنظومة الغربيَّة لم تمنح المرأة" الحريَّة"، بل استبدلت بوصاية الأسرة، " وصاية السُّوق"، لقد تمَّ تفكيك الملاذ الآمن للمرأة (وهو الأُسرة) بدعوى الاستقلال، لتُترك المرأة وحيدة في مواجهة طاحونة رأس المال الشَّرسة، وتمَّ التَّرويج لهذا الأمر من خلال بعض المصطلحات البرَّاقة مثل" المرأة السوبر"، حيث أوهمت النسويَّة المتطرِِّفة، المرأةَ بأنَّ إثبات الجدارة يجب أنْ يكون بالتخلِّي عن الفطرة، ومنافسة الرجل في سوق العمل بذات السَّاعات، والجهد الشَّاق، وهذا لم يُقلِّل الأعباء، بل تضاعفت، فأصبحت تُعاني ممَّا يسمِّيه علماءُ الاجتماع في الغرب" الورديَّة الثانية"، حيث تعمل 8 ساعات في المكتب، ثمَّ تعود لتبدأ عملًا كاملًا آخرَ في رعاية الأطفال والمنزل، دون أدنى دعمٍ أُسريٍّ؛ ممَّا قاد إلى مضاعفة نِسب الاكتئاب والقلق لدى النساء، مقارنةً بالرِّجال، وفقًا لتقرير جمعيَّة علم النفس الأمريكيَّة.
وكانت النتيجة الحتميَّة لما سبق، هي تفكُّك العائلة الممتدَّة (الأجداد، الأخوة، الأقارب)؛ ففي السَّابق كان عبء التَّربية والضَّغط النفسي يتوزَّع على شبكة أُسريَّة متكاملة، أمَّا اليوم، فالمرأةُ الغربيَّةُ تُواجه الضغوط منفردةً، ليس هذا فحسب، بل إنَّ التَّشجيع المستمر على العلاقات خارج إطار مؤسَّسة الزَّواج، والتَّرويج للاستقلال التَّام عن الرَّجل، أدَّى لوقوع ملايين النِّساء في فخِّ" الإعالة المنفردة"، وبحسب مكتب الإحصاء الأمريكيِّ فإنَّ 40% من الأُسر التي تُعيلها أُمََّهاتٌ عازباتٌ تعيشُ تحت خط الفقر المُدقع، حيث تجد المرأة نفسها الأبَ والأُمَّ والمموِّلَ ومصدرَ الأمانِ بمفردها، وهو ما يفوق طاقة القدرة البشريَّة والنفسيَّة.
وحين نفتحُ ملفَّات الإحصائيَّات الرسميَّة الصَّادرة عن المؤسَّسات الغربيَّة نفسها، يتكشَّف لنا حجم المأساة، فالمنظومة الرأسماليَّة والفرديَّة المُطلقة التي غذَّت هذا الصِّراع الصفريِّ، تقود المجتمعات الغربيَّة الآن، نحو ما يمكن تسميته بـ" الانتحار الديموغرافيِّ الخفيِّ"، فتراجع معدَّلات الخصوبة أصبح ظاهرةً مرعبةً، ففي دول مثل إيطاليا وألمانيا، بل وحتَّى في اليابان التي تبنَّت النموذج الغربيَّ حرفيًّا، حيث تراجعت معدَّلات الخصوبة؛ لتصل إلى 1.
14 طفل لكلِّ امرأة، وفقًا لبيانات المعهد الوطنيِّ للإحصاء في إيطاليا، في حين أنَّ النسبة البيولوجيَّة المطلوبة لإحلال وتجدُّد الأجيال، واستمرار الحضارة هي 2.
1 طفل لكل امرأة.
وهذا الجفافُ السكانيُّ سببه الرئيس هو العزوفُ عن الزَّواج، فالشابُّ أو الفتاةُ في الغرب باتَا ينظرَان إلى مؤسَّسة الزَّواج بوصفها" حقلَ ألغامٍ قانونيًّا" وفخًّا اقتصاديًّا، نتيجة القوانين التي صاغتها النسويَّة المتطرِّفة والتي تحوِّل الانفصال إلى عمليَّة انتقاميَّة مدمِّرة؛ ممَّا أدَّى في النهاية إلى انهيار معدَّلات تأسيس الأُسر، ولم يتوقَّف الأمرُ عند تفكُّك الخريطة السكانيَّة، بل امتدَّ ليتغلغل في العمق النفسيِّ للمرأة، التي أُريد لها أنْ" تتحرَّر"، فإذا بها تقعُ تحت استعباد من نوع آخر، استعباد المنظومة الماديَّة الشاقَّة، حيث تؤكِّد الدِّراسات الموثَّقة الصادرة عن جمعيَّة علم النفس الأمريكيَّة، أنَّ النساء في الغرب يسجلنَ اليوم، ضعف معدَّلات الاكتئاب والقلق، مقارنةً بالرِّجال.
وأخيرًا وليس آخرًا، فإنَّ ما نشهده اليوم، في الغرب ليس" تحرُّرًا للمرأة"، بل هو" تفكيكٌ للإنسان"، وتحويل المجتمع إلى جزيئات منفردة متصارعة يسهل على الآلةِ الرأسماليَّة استهلاكها وتسليعها، وفي المقابل، يظلُّ النموذجُ الإسلاميُّ -بقواعده القائمة على السَّكن والمودَّة والرَّحمة وتكامل الوظائف، مصداقًا لقولهِ تعَالَى: «هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ» وقول نبِّيهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»- ليس مجرَّد خيارٍ دينيٍّ للمسلمِينَ، بل هو طوقُ النجاة الوحيد لحماية الحضارة الإنسانيَّة من تدمير ذاتِهَا بذاتِهَا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك