شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا في اهتمام الحكومات الأوروبية بملف الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي، وفي مقدمتها الجماعة الإرهابية، وذلك في ضوء تقارير أمنية وبرلمانية أوروبية تناولت طبيعة عمل عدد من الجمعيات والمنظمات التي تنشط في مجالات حقوق الإنسان والعمل الخيري والإغاثي والاندماج المجتمعي.
وترى أجهزة أمنية في بعض الدول الأوروبية أن هذه المنظمات تمثل جزءا من شبكة أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الفكري والسياسي للجماعة داخل المجتمعات الأوروبية، وأثار هذا الملف اهتماما متزايدا بعد صدور تقارير رسمية في فرنسا والنمسا وألمانيا، تحدثت عن وجود شبكات مؤسسية تعتمد على الجمعيات والمراكز الثقافية والدينية والحقوقية لبناء حضور طويل الأمد داخل أوروبا، مستفيدة من القوانين التي تكفل حرية تأسيس الجمعيات والعمل الأهلي، إضافة إلى فرص الحصول على منح حكومية وأوروبية مخصصة للمشروعات الاجتماعية والثقافية ومكافحة التمييز.
وتشير تقارير برلمانية أوروبية إلى أن بعض الجمعيات التي أثيرت حولها تساؤلات حصلت خلال سنوات سابقة على منح مالية ضمن برامج أوروبية مخصصة لدعم مشروعات الاندماج المجتمعي ومكافحة العنصرية، وهو ما دفع عددا من أعضاء البرلمان الأوروبي إلى مطالبة المفوضية الأوروبية بإعادة مراجعة آليات منح التمويل، والتأكد من عدم وصول الأموال العامة إلى منظمات قد تكون مرتبطة بجماعات ذات أهداف سياسية أو أيديولوجية.
بناء نفوذ من خلال المؤسسات المدنية والتعليميةوتؤكد أجهزة أمنية في ألمانيا أن الإخوان تعتمد بصورة كبيرة على بناء نفوذها من خلال المؤسسات المدنية والتعليمية والخيرية، أكثر من اعتمادها على النشاط السياسي المباشر، معتبرة أن هذه الآلية تمنحها حضورا مستداما داخل المجتمعات الأوروبية، كما أشارت تقارير رسمية في النمسا إلى وجود شبكة من المؤسسات التي ترتبط بعلاقات فكرية أو تنظيمية مع الجماعة، مع التأكيد على أن تقييم كل مؤسسة يتم بصورة منفصلة وفق الأدلة المتوافرة.
تقرير مجلس الدفاع والأمن الوطني في فرنساوفي فرنسا، أصدر مجلس الدفاع والأمن الوطني خلال عام 2025 تقريرا تناول أنشطة الجماعة داخل البلاد، مشيرا إلى أن الإخوان يسعون إلى توسيع نفوذهم عبر الجمعيات المحلية والمؤسسات التعليمية والثقافية، مع التركيز على العمل المجتمعي أكثر من النشاط الحزبي.
وأوصى التقرير بتشديد الرقابة على مصادر التمويل، وتعزيز الشفافية المالية، ومراجعة آليات الرقابة على الجمعيات التي تتلقى دعمًا عامًا.
أما على مستوى مصادر التمويل، فهناك تنوع القنوات المالية التي تعتمد عليها هذه الشبكات، وتشمل التبرعات الفردية، وعائدات الوقفيات والاستثمارات العقارية، والمنح الحكومية والأوروبية المخصصة لمشروعات اجتماعية وثقافية، إضافة إلى التبرعات القادمة من مؤسسات خيرية داخل أوروبا وخارجها، وترى بعض الدراسات أن تنوع مصادر التمويل يمنح هذه المؤسسات قدرة على الاستمرار والتوسع، حتى في ظل تشديد الرقابة الأمنية.
أبرز الجمعيات التي عملت الجماعة على إنشائها في دول الغرب كانت الجمعية الإسلامية الأمريكية عام 1993، والجماعة الرابطة الإسلامية الممثلة للجماعة في بريطانيا، والمنظمات الإسلامية للإغاثة، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، واتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وهناك أيضا الهيئة الدينية الإسلامية فى النمسا، ويعد أنس الشقفة أحد أبرز قياديها أنتخب رئيسا لـ الهيئة الدينية الإسلامية الجهوية فى فيينا، والتى تخدم مقاطعات: فيينا والنمسا المنخفضة وبورجنلاند، وطالبت دائرة الرقابة المالية النمساوية الإتحادية إلى طلب فحص السجلات المالية للهيئة وهى المرة الأولى التى تقوم فيها هذه الدائرة التى يطلق عليها" ريشنونكهوف" لاتخاذ مثل هذا الأجراء نحو هيئة دينية فى النمسا.
وتتألف من 4 هيئات جهوية هى الهيئة الدينية الجهوية فى فيينا وتخدم مقاطعات فيينا والنمسا المنخفضة وبورجنلاند، والهيئة الدينية الجهوية فى لينز تخدم مقاطعات والنمسا العليا وسالزبورجو، والهيئة الدينية الجهوية فى بريغنز تخدم مقاطعات وتيرول & فورألبرجو، والهيئة الدينية الجهوية فى جراتس تخدم مقاطعات وشتايرمارك وكيرنتنو، وكذلك أكاديميّة التّربيّة الدّينيّة: ترتبط الأكاديميّة بالعديد من الرّوابط مع تنظيم الإخوان ومن أبرز القيادات" أمينة الزّيّات" التى تولت فى منصب مدير أكاديميّة التّربيّة الدّينيّة.
وفي السنوات الأخيرة، اتجهت عدة حكومات أوروبية إلى مراجعة منظومة تمويل الجمعيات، وفرض متطلبات أكثر صرامة للإفصاح عن مصادر الأموال وأوجه إنفاقها، كما شهد البرلمان الأوروبي نقاشات متكررة حول ضرورة وضع معايير أكثر دقة لضمان عدم استغلال برامج الدعم العام في خدمة أجندات سياسية أو أيديولوجية.
وبذلك، يظل ملف المنظمات المرتبطة بالإخوان في أوروبا من أكثر الملفات تعقيدا، نظرا لتداخل العمل الأهلي مع الاعتبارات الأمنية والسياسية، وهو ما يجعل مسألة الرقابة على التمويل والشفافية المالية محورا رئيسيا في النقاش الأوروبي حول مستقبل هذه الجمعيات ودورها داخل المجتمعات الأوروبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك