منذ أسابيع قرأت كتابا للكاتب بلال فضل بعنوان" البهاريز"، وقد ورد فيه ذكر عدد كبير من الكتب المتنوعة، من بينها كتاب" مسافر على الرصيف" للكاتب المصري الراحل محمود السعدني.
وبالمصادفة، وقعت عيني على الكتاب في رفوف المكتبة العامة، فاستعرته وقررت قراءته، ثم الكتابة عنه.
لا يمكن حصر الكتاب في كونه رصدا للحركة الثقافية في مصر فقط، رغم أن هذا الجانب حاضر بقوة، لكنه في العمق يقدم بانوراما عن جيل كامل من الأدباء والمثقفينما كنت أعرفه عن (محمود السعدني) هو أنه كاتب ساخر يلقب بـ" الولد الشقي"، وهو الشقيق الأكبر للفنان صلاح السعدني وتوفي عام 2010، ولحق به شقيقه صلاح عام 2024.
ورغم أن اسمه كان حاضرا في أكثر من سياق ثقافي وإعلامي، فإن هذا الكتاب يعد أول كتاب من أعمال السعدني أقرؤه، بعيدا عن الاقتباسات والسمعة الأدبية المتداولة.
صدر كتاب" مسافر على الرصيف" في طبعته الأولى والثانية عن مركز الأهرام للترجمة والنشر في القاهرة عام 1407هـ/1987م.
ويقع في 112 صفحة من القطع المتوسط، ورغم صغر حجمه، فإنه كثيف المادة وغني بالشخصيات والتجارب، ويعطي انطباعا بأنه أقرب إلى شهادة ثقافية وإنسانية أكثر من كونه كتابا أدبيا تقليديا أو توثيقا لسير ذاتية.
ولا يمكن حصر الكتاب في كونه رصدا للحركة الثقافية في مصر فقط، رغم أن هذا الجانب حاضر بقوة، لكنه في العمق يقدم بانوراما عن جيل كامل من الأدباء والمثقفين الذين تركوا أثرا واضحا في المجال الثقافي المصري خصوصا والعربي عموما.
ويصف السعدني شخصيات الكتاب (ليسوا جميعا من الأدباء) بأنهم “ملح الأرض وزبد الحياة”، ولولاهم لما كنت مصر، فكل شخصية تمثل أنموذجا أوسع من صاحبها.
يحوي الكتاب سبعة عشر مقالا بعناوين مختلفة ولكنها متصلة في ذات الوقت.
تتمثل الفكرة المركزية في الكتاب في قهوة عبد الله، ذلك المقهى الشعبي في الجيزة الذي تحول إلى ما يشبه المؤسسة الثقافية غير الرسمية.
هناك قضى السعدني سنوات طويلة، ومنه بدأت علاقاته الحقيقية مع عالم الأدب والصحافة والنقد.
وازدهرت قهوة عبد الله في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي إبان العصر الذهبي للجيزة وكانت تقع في ميدانه على ناصية شارعين من أهم شوارعها (عباس وسعد).
لم يكن المقهى مجرد مكان لتناول المشروبات أو التسلية، بل كان فضاء مفتوحا للنقاشات الأدبية والفكرية، حيث يلتقي الشعراء والروائيون والنقاد، وتتشكل على طاولاتها أفكار واتجاهات وتجارب.
ومن خلال هذا المكان البسيط، تبلور وعي السعدني الأدبي خلال عشرة أعوام، وانطلقت تجربته الحقيقية في الكتابة.
ومن أبرز رواد هذا المقهى الذين يذكرهم الكتاب من مصر وغيرها: أنور المعداوي، زكريا الحجاوي، عبد الرحمن الخميسي، ونزار قباني، محمود حسن إسماعيل، ولاحقا جيل آخر مثل يوسف إدريس، صلاح عبد الصبور، صلاح جاهين، رجاء النقاش، وغيرهم من الأسماء التي شكلت جزءا مهما من المشهد الثقافي العربي في تلك المرحلة.
يتناول السعدني جانبا مهما من العلاقة بين السلطة والمثقفين، خصوصا في مرحلة ما بعد ثورة يوليو/تموز 1952، حيث يرى أن التدخل في المؤسسات الثقافية أدى إلى تضييق المجال أمام عدد كبير من المبدعينيخصص السعدني مساحة لافتة للناقد (أنور المعداوي) تنبض بالمحبة والحزن على مآسي حياة المعداوي، ويقدمه بوصفه أحد أبرز الشخصيات النقدية التي أثرت في مسيرته المبكرة، ويشير إلى أن المعداوي كان سببا مباشرا في دعم بداياته، حين رفضت مجلة (الميزان) نشر قصة له، ولكن حين قرأها المعداوي في قهوة عبد الله كتب له توصية فنشرتها مجلة (الآداب) في بيروت وكانت مجلة تحظى باحترام كبير في الوطن العربي.
هذا الدعم المبكر يعكس أهمية العلاقات الثقافية في تشكيل مسار المبدعين، وكيف يمكن لموقف نقدي واحد أن يغير مسار كاتب بالكامل.
يتناول السعدني جانبا مهما من العلاقة بين السلطة والمثقفين، خصوصا في مرحلة ما بعد ثورة يوليو/تموز 1952، حيث يرى أن التدخل في المؤسسات الثقافية أدى إلى تضييق المجال أمام عدد كبير من المبدعين.
فقد خضعت بعض المؤسسات لحالة من التوجيه والرقابة، مما خلق مناخا من الحذر والخوف داخل الوسط الثقافي.
وانعكس ذلك على حرية التعبير، وأدى إلى تراجع الإنتاج الأدبي أو انطفاء تجارب إبداعية مبكرا.
ويشير الكتاب إلى أن هذا المناخ لم يكن مجرد ظرف إداري، بل تحول إلى حالة عامة أثرت على طريقة تفكير المثقفين أنفسهم، وعلى قدرتهم على التعبير الحر.
ذلك أن السلطة فضلت أهل الولاء(الثقة) على أهل الخبرة، وهناك من دفع الثمن سجنا (السعدني نفسه اعتقل سنتين في الواحات) أو قطع الرواتب أو منع النشر.
ومن القضايا اللافتة في الكتاب العلاقة بين الأدب والفقر؛ إذ يوثق السعدني عددا كبيرا من الأدباء الذين مروا عبر" قهوة عبد الله" عاشوا ظروفا مادية صعبة، رغم ما امتلكوه من موهبة وحضور.
هذا التناقض يفتح سؤالا قديما ومتكررا: لماذا يرتبط الإبداع غالبا بالفقر؟ ولماذا يعجز كثير من المبدعين عن تحقيق استقرار مادي رغم نجاحهم الأدبي؟ويشير السعدني إلى أن بعضهم اضطر إلى ترك المجال الأدبي والبحث عن أعمال أخرى توفر لهم حياة كريمة، وهو ما يعكس هشاشة الوضع الاقتصادي للمبدعين، مع حالات استثنائية قليلة.
يذكرنا كتاب" مسافر على الرصيف" بالدور الذي لعبته المقاهي في تشكيل الوعي الثقافي العربي، باعتبارها فضاءات بديلة للمؤسسات الرسمية، وبيئة خصبة للنقاش والإبداعيقدم الكتاب في مجمله شهادة ثقافية وإنسانية على مرحلة مهمة من تاريخ الأدب العربي الحديث؛ فهو لا يكتفي بسرد أسماء أو ذكريات، بل يعيد بناء مشهد كامل من العلاقات كالصداقات والعداوات والمقالب والصراعات والمنافسات والتجارب والحوارات التي دارت في فضاء واحد هو قهوة عبد الله.
وهو فعلا سفر في نفس المكان أو على الرصيف كما يقول عنوانه؛ وبالمناسبة أكد السعدني في مقدمته أنه جاب بلاد الله الواسعة وتجول فيها، ولكن سفره وهو جالس في قهوة عبد الله كان أهم وأغزر تجربة سفر في حياته.
و كل شخصية تمر في الكتاب تكاد تصلح أن تكون موضوعا مستقلا لرواية أو عمل درامي، لما تحمله من تفاصيل إنسانية وصراعات وتجارب متباينة.
في اللهجة الدارجة نستخدم كلمة (قهوة) للدلالة على المشروب المعروف أو لاسم مكان حسب السياق، وحاليا استبدلت كلمة أجنبية لن أكتبها بكلمة مقهى وكلمة قهوة للإشارة إلى ذلك المكان!وفي النهاية، يذكرنا كتاب" مسافر على الرصيف" بالدور الذي لعبته المقاهي في تشكيل الوعي الثقافي العربي، باعتبارها فضاءات بديلة للمؤسسات الرسمية، وبيئة خصبة للنقاش والإبداع، وكانت قهوة عبد الله واحدة من أبرز هذه الفضاءات، التي بقيت حاضرة في ذاكرة الأدب العربي عبر شهادة محمود السعدني، بوصفها أكثر من مجرد مكان، بل تجربة ثقافية كاملة صنعت جزءا من تاريخ الحركة الأدبية والثقافية في مصر وغيرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك