إيلاف من واشنطن: كشفت مجلة “بوليتيكو” الأميركية، في تقرير تحليلي واستقصائي بارز نُشر اليوم الاثنين 29 يونيو 2026، عن تحول عميق وهيكلي متزايد في طبيعة العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ معتبرة أن الفجوة والتوتر القائمين بين الجانبين لا يرتبطان فحسب بالتصريحات الحادة لـ نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، وإنما يعكسان تغيراً إستراتيجياً ومؤسسياً متنامياً في توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي باتت تمنح الأولوية المطلقة للمصالح الاقتصادية والسياسية الأميركية المباشرة، حتى عندما تتعارض كلياً مع الحسابات الأمنية لتل أبيب.
وأوضح المقال المشترك لثلاثة من أبرز صحفيي المجلة —فيليسيا شوارتز، وأليكس غانجيتانو، وداشا بيرنز— أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو كانت تراهن على أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ستعيد صياغة مرحلة" الشيك على بياض" والدعم الأميركي المطلق، ظناً منها أن إسرائيل ستبقى مستثناة من العقيدة الانعزالية “أميركا أولاً”؛ غير أن التطورات الدبلوماسية الأخيرة بددت هذا التصور الحالم؛ إذ بدأت تل أبيب تدرك أن واشنطن لن تتردد في تقديم مصالحها، ما يعكس تراجعاً ملحوظاً في التنسيق السياسي، تجسد في انخفاض زيارات نتنياهو إلى واشنطن وتراجع وتيرة الاتصالات المباشرة مع البيت الأبيض.
وبحسب التقرير، بدأت ملامح هذا التصدع بالظهور عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية المشتركة التي استهدفت العمق الإيراني في فبراير/شباط الماضي؛ حيث حذر فانس إسرائيل علانية من أنها فقدت معظم حلفائها دولياً، داعياً إياها إلى عدم التفريط بالدعم الذي يقدمه ترامب لكونه" ليس أمراً مضموناً إلى أجل غير مسمى".
ونقلت المجلة عن مسؤولين ومصادر مطلعة أن تصريحات فانس تعكس توجهاً راسخاً يرى أن إسرائيل فقدت مكانتها الاستثنائية.
ويعود ذلك إلى تنامي نفوذ جيه دي فانس في صنع القرار؛ إذ يتبنى رؤية راسخة تفيد بأن مصالح واشنطن لا تتطابق بالضرورة مع مصالح إسرائيل، وأنه لا ينبغي الانخراط في حرب شاملة ضد إيران دفاعاً عنها.
ومع مشاركة فانس المباشرة في صياغة مفاوضات الملف الإيراني، أصبحت هذه الرؤية مهيمنة داخل الإدارة، مدفوعة بقناعة أن التهدئة مع طهران تخدم أهداف ترامب الحيوية في خفض أسعار النفط العالمية وضمان أمن الملاحة في الخليج، حتى وإن لم تبدد المخاوف الإسرائيلية المرتبطة بالترسانة الصاروخية الإيرانية ونفوذها الإقليمي.
وامتد هذا التحول البنيوي ليلقي بظلاله على لهجة الرئيس دونالد ترامب نفسه، الذي وجه انتقادات لاذعة ومباشرة لنتنياهو بسبب عملياته العسكرية في جنوب لبنان، معتبراً أنها تهدد جهود البيت الأبيض الرامية لإنجاح المسار الدبلوماسي والاتفاق المؤقت مع إيران؛ وفي حين تنظر واشنطن للتفاهم مع طهران كمصلحة إستراتيجية عليا، ترى إسرائيل أن التهديدات القادمة من لبنان تمثل أولوية أمنية لا يمكن تأجيلها.
وتختتم" بوليتيكو" تقريرها بالإشارة إلى أنه برغم رهان الحكومة الإسرائيلية على أن الأزمة عابرة ومقترنة بشخص فانس، إلا أن المقربين من الإدارة يؤكدون وجود توافق صلب لإعادة صياغة الشراكة الثنائية بما يخدم المصالح الأميركية أولاً، وسط تزايد حدة الاستقطاب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في البلدين؛ حيث يسعى نتنياهو للحصول على طوق نجاة سياسي من ترامب قبل الانتخابات الإسرائيلية، مقابل حرص جيه دي فانس على تعزيز موقعه داخل الجناح الجمهوري تمهيداً لطموحاته الرئاسية المستقبليّة في عام 2028.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك