في مدينة بون الألمانية، حيث انعقد مؤتمر الإعلام العالمي GMF 2026، لم يكن الذكاء الاصطناعي موضوعاً من بين مواضيع، بل كان محور أغلب جلسات المؤتمر.
من قاعة" Plenary Chamber" التي ناقش فيها خبراء ومسؤولون كيف تستخدم الحكومات السلطوية الخوارزميات لتضييق هامش الصحافة، إلى" كشك DW" حيث عُرضت أحدث تقنيات الطب الشرعي الرقمي لكشف التزييف، وصولاً إلى ركن هادئ أجرينا فيه حواراً مع رائد أعمال تونسي شاب يعمل على نموذج للتعرف بالصوت باللهجات المحلية، كانت الأسئلة نفسها تتردد: كيف يتعامل الشباب العربي مع هذه التقنية؟ وهل يكتفون باستهلاكها أم يتجاوزون ذلك إلى صنعها؟السياق العالمي: أرقام صعبة لا يمكن تجاهلهاقدّمت سهانا أودوبا، أستاذة أنثروبولوجيا الإعلام في جامعة LMU بميونخ، الإطار الذي تجري فيه كل هذه النقاشات حين قالت: " أظهر مشروع 'أنواع الديمقراطية' في تقريره الأخير انخفاضاً حاداً على المستوى العالمي في الديمقراطية.
74% من سكان العالم، أو 6 مليارات شخص، يعيشون في دول استبدادية اليوم.
فقط 7% من سكان العالم يعيشون في ديمقراطيات ليبرالية.
"هذه الأرقام ليست مجردة؛ فهي تعني أن غالبية الشباب العربي يستخدمون الذكاء الاصطناعي في سياقات تضغط فيها القيود السياسية والتنظيمية على ما يمكن بناؤه والتعبير عنه.
وهو ما أكده الواقع الميداني لرواد الأعمال أنفسهم، كما سنرى لاحقاً.
وأضافت أودوبا تحذيراً جوهرياً حول طبيعة نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتها: " نماذج الذكاء الاصطناعي يتم إنتاجها من خلال سلسلة من الخطوات المتعمدة، وهذه قرارات بشرية"، مستشهدةً بنموذج DeepSeek الصيني الذي" لن يعطيك معلومات عن مذبحة ميدان تيانانمن"، وبما تحاول دول الشرق الأوسط من" مواءمة النماذج مع الأنظمة القيمية المحلية".
كيف يستخدم الشباب العربي الذكاء الاصطناعي؟استناداً إلى تحليل مركّب يشمل ثماني دول عربية هي الإمارات، السعودية، مصر، الأردن، المغرب، تونس، لبنان، سوريا، تتصدر قائمة الاستخدامات التعليم والبحث الأكاديمي بنسبة 72% من الشباب، يليه كتابة المحتوى والترجمة بـ 65%، ثم البرمجة والتطوير بـ 53%.
وتتوزع الاستخدامات الأخرى على إنشاء الصور والتصاميم (47%)، والمساعدة المهنية والوظيفية (42%)، والترفيه والمحادثة (38%)، والتسويق الرقمي (33%)، والاستشارات الصحية (23%).
غير أن هذه الأرقام لا تتوزع بالتساوي جغرافياً.
في دول الخليج، تتمركز الاستخدامات حول البرمجة والتطوير والتسويق، في ظل رؤية المملكة 2030 ومبادرات الإمارات في الذكاء الاصطناعي.
أما في شمال أفريقيا (مصر، المغرب، تونس)، فيغلب استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والترجمة، ارتباطاً بثنائية العربية-الفرنسية السائدة.
وفي بلاد الشام (الأردن، لبنان، سوريا)، تبرز كتابة المحتوى والترجمة بشكل أوضح، مدفوعةً بانتشار العمل الحر في أوقات الأزمات الاقتصادية، وذلك وفقاً لتقديرات ودراسات أكاديمية للمنطقة العربية للفترة 2023-2025.
أما على صعيد الشرائح العمرية، فإن فئة 20-24 سنة هي الأكثر نشاطاً في جميع البلدان المدروسة، إذ تصل نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي في السعودية لهذه الفئة إلى 64.
4% للذكور و64.
3% للإناث، فيما تبلغ في مصر 49.
3% للذكور و46.
3% للإناث.
وفي سوريا، تنخفض الأرقام بفعل الأوضاع الاستثنائية لتصل إلى 29.
8% للذكور و26.
8% للإناث.
وكلما تقدّم الشباب في العمر، تحوّل الاستخدام من تجريبي فردي إلى إنتاجي اقتصادي، بحسب ما تشير تحليلات بيانات Google Trends للمنطقة العربية.
الجدير بالذكر أنه لا توجد إلى الآن بيانات رسمية حكومية أو أممية مفصلة حول استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الدول العربية.
"نماذج ناجحة: حين تُولَد الشركة من فجوة لغويةفي الجانب التطبيقي الأكثر إلهاماً، كان محمد أمين، رائد الأعمال التونسي الشاب ومؤسس شركة DJO Assist المتخصصة في تقنيات التعرف على الصوت، يروي قصة مختلفة تماماً عن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمنطقة العربية.
يصف محمد المشكلة التي انطلق منها: " في تونس، المذيعون يقضون ساعات في الاستماع إلى التسجيلات الصوتية في الإذاعات.
المذيع يجب أن يظل ساعة كاملة يستمع إلى التسجيل الصوتي ثم يخرج تقريراً.
هذا العمل مُرهق ويستغرق وقتاً طويلاً.
" لكن الحل لم يكن بالاعتماد على النماذج العالمية الجاهزة، ويضيف محمد: " عندما تكتب على ChatGPT أو Gemini، هذه الأنظمة لا تعلم كيف تخزن المعلومات بشكل صحيح للهجات العربية.
"ولذلك قام مع فريقه باعتماد حل مختلف: " صنعنا نموذجا خاصاً بنا، بناءً على نموذج Google الموجود، وطورناه حسب قاعدة البيانات الخاصة بنا.
عملنا عليه مرات كثيرة ثم أخرجنا موديل واحد يُحمّل على Cloud وموديل صغير للأجهزة أطلق عليه اسم DjO Edge.
"والتحدي الأعمق كان ظاهرة التبديل اللغوي (Code-switching) التي يعرفها كل عربي: " المشكلة الرئيسية هي code-switching استخدام أكثر من لغة في نفس الجملة.
مثل تونس: نتحدث عربي وإنجليزي وفرنسي في نفس الوقت.
النظام يكتب كل كلمة باللغة الأصلية كما قيلت، ولا يترجمها.
"وأضاف محمد بُعداً تقنياً واجتماعياً لا يقل أهمية: " في الدول العربية توجد مشكلة الاتصال بالإنترنت.
الواي فاي غير متوفر دائماً.
في أماكن كثيرة ما فيها إنترنت.
نحن في تونس أفضل من الآخرين، لكن في أماكن في سوريا وغيرها لا يوجد عندهم إنترنت، وهذا الجهاز يحل المشكلة.
"خريطة الشركات الناشئة: 178 شركة ومليار دولارقصة محمد أمين ليست استثناءً، بل تعبير عن تيار أوسع.
فاستناداً إلى بيانات منصة MAGNiTT للربع الأول من 2025، ثمة 178 شركة ناشئة عربية تعتمد الذكاء الاصطناعي موزعة على ست قطاعات ركزنا فيها على ثماني دول، بتمويل إجمالي يبلغ 1.
14 مليار دولار.
ووفقا لمنصتي ومضة وMAGNiTT، يتصدر قطاع التقنية المالية هذه الخريطة بـ47 شركة وتمويل يبلغ 285.
5 مليون دولار، في مقدمتها Tamara السعودية (110 ملايين دولار) في التقييم الائتماني، وTabby الإماراتية (58 مليون دولار) في كشف الاحتيال، وPaymob المصرية (50 مليون دولار) في المدفوعات.
ويأتي قطاع التجارة الإلكترونية الأعلى تمويلاً بـ412.
3 مليون دولار بقيادة Noon الإماراتية وSalla وZid السعوديتين.
أما قطاع التعليم الرقمي فيضم 32 شركة بتمويل 128.
7 مليون دولار منها Almentor المصرية وNoon Academy السعودية.
وفي الصحة الرقمية تبرز Vezeeta المصرية (63.
5 مليون دولار) وOkadoc الإماراتية.
وفي الزراعة الذكية التي تتمركز في المغرب وتونس ومصر تقود Pure Harvest الإماراتية (30.
5 مليون دولار) وSowit المغربية وiGrow المصرية.
وأخيراً التسويق والمحتوى حيث تنشط Lucidya السعودية في تحليل المشاعر، وTarjama الإماراتية في الترجمة الذكية.
وحين سُئل محمد أمين عن القطاعات الأكثر جذباً لرواد الأعمال الشباب في تونس، أجاب بلا تردد: " في مجتمع الـشركات الناشئة startups وهم شباب طبعاً - المجالات التي يستخدمون فيها الذكاء الاصطناعي أكثر هي: المجال الصحي، الزراعة، التعليم للأطفال، والتسويق.
"ذكاء اصطناعي في مواجهة التزييف: حرب لا تنتهيفي جلسة" معلومات استخباراتية للمصلحة العامة"، اتضح وجه آخر لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو الوجه التحذيري.
وكشفت رايتشل بايغ، رئيسة قسم الأوردو في DWوعضو فريق تدقيق المعلومات في المؤسسة، عن ظاهرة تتصاعد وتهم الكثيرين خصوصاً الشباب الذي يسعى خلف المعلومات الموثوقة: " الشيء الجديد تماماً بالنسبة لي في هذه التصعيدات الأخيرة هو ألعاب الكمبيوتر، ثم لقطات الشاشة المأخوذة منها والتظاهر بأنها طائرات حربية تهاجم ليلاً أو في الصباح الباكر.
"وأوضحت أن الأدوات المتاحة في الغرب، كصور الأقمار الصناعية لدحض الادعاءات الكاذبة، " لا تزال في الجنوب العالمي شيئاً مكلفاً للغاية، أو هناك معرفة أقل بأن هذه الشركات تتعاون فعلياً مع الصحفيين على الأرض.
"وقدّم شعيب بُرق، المؤسس والمدير التقني لشركة Decision Labs، الذي يعمل بتمويل من وكالة الفضاء الأوروبية على نماذج لكشف التزييف في صور الأقمار الصناعية، ملاحظة بالغة الدلالة: " الطريقة التي تدرب بها نموذجاً لاكتشاف التزييف العميق هي أن تعلمه كيف يبدو التزييف العميق.
" ثم خلص إلى النتيجة الحتمية: " نحن ننتقل إلى منطقة نرى فيها المزيد والمزيد من التزييف عالي التطور الذي لا يمكننا تمييزه بأعيننا.
نحتاج إلى محاولة هزيمة AI بـ AI.
"الجدير بالذكر أن هناك الكثير من المبادرات الشبابية في المنطقة العربية تقوم بعمليات تدقيق المعلومات وقد اعتمد الكثير منها مؤخراً على تقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة على كشف التلاعب بالصور والفيديوهات سواء تلك المتصلة بالعالم العربي او حول العالم.
ولا تكتمل الصورة دون الحديث عن القيود.
يقول محمد أمين: " المجالات التي تنجح هي المجالات التي لا تتعمق كثيراً في المواضيع الحساسة للدولة، لأن هناك الكثير من القوانين التي قد تمنعك أو تضع قيوداً.
" وهي شهادة تتقاطع مع ما تقوله أودوبا من أن" دول الشرق الأوسط تحاول مواءمة النماذج مع الأنظمة القيمية المحلية"، وهو واقع يضع رواد الأعمال الشباب أمام خيارات صعبة بين الابتكار والحذر.
الخطر الأكبر في سوء التوظيفوفي هذا السياق، قدّم ياسبر شتاينلاين، مدير الذكاء الاصطناعي التحريري في DW، خلاصة واقعية من داخل غرفة الأخبار: " أفضل ما لدينا كصحفيين، هو أننا واعون لكل شيء وأي شيء، لكننا لا نعرف دائماً ماذا نفعل به.
" وحدّد شتاينلاين الخطر الأكبر في سوء التوظيف، إذ قال: " أنا قلق أكثر بشأن الأشخاص الذين يستخدمون LLMs (النماذج اللغوية الكبيرة) لأشياء ببساطة غير مصممة لها.
نماذج اللغة الكبيرة لن تكون مؤهلة أبداً بطبيعة تصميمها التقني لإعطائك معلومات، هذا ليس ما بُنيت من أجله.
"لكنه في الوقت ذاته أكد إمكانية الاستخدام الصحيح: " كصحفي، أنت مجهز وفي موقع فريد لاستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز عملك الخاص.
يجب أن تكون حذراً، يجب أن تكون واعياً متى تأخذ الأمر بعيداً جداً.
"من مؤتمر بون إلى مختبر محمد أمين في تونس، تبرز ملامح جيل عربي جديد يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بنضج وبراغماتية.
178 شركة ناشئة و1.
14 مليار دولار ليست مجرد أرقام، وإنما هي دلالة على تحول في العلاقة مع التقنية.
عندما تشير التقديرات إلى أن 72% من الشباب يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعليم، و65% للمحتوى والترجمة، و53% للبرمجة، فهذه ليست مجرد أرقام تقديرية، وإنما هي انعكاس صورة لجيل لا يكتفي بالاستهلاك.
يختتم محمد أمين حديثه مع DW عربية بالقول: الفرص الحقيقية ليست في مطاردة أحدث ما يصدر من وادي السيليكون، بل في رؤية المشكلات المحلية بعين مختلفة: اللهجة، والاتصال، والتعليم، والصحة، ثم بناء الحل الذي يخدم هذه الاحتياجات بالتحديد.
فالمستقبل العربي للذكاء الاصطناعي لن يُكتب في الغرب، بل في تونس والقاهرة وعمّان والرياض ودبي، إن توفرت الجرأة والبيئة التنظيمية الداعمة معاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك