فيما توشك الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل أن تضع أوزارها مع تفاؤل حذر إثر التوقيع الإلكتروني في جنيف على مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، والتي تم بموجبها فتح مضيق هرمز للملاحة مرة أخرى، هناك دروس عديدة على دول الخليج أن تستفيد منها لتجنيب المنطقة حربًا ثالثة.
وأولى هذه الدروس؛ مواصلة نجاح استراتيجيتها الأمنية خلال الحرب كعقيدة توظيف الأمن وحماية المصالح القومية للخليج.
فقد أدركت دول الخليج مجتمعة، عيانًا بيانًا، الاعتداءات التي تمت عليها من قبل إيران، فحتى عُمان، الدولة الخليجية التي رعت مفاوضات أميركا وإيران قبل الحرب، لم تسلم من اعتداء إيران.
تدرك دول الخليج، بما أبدته من صبر عزيز على عدم الانجرار إلى حرب مع إيران بالرغم من الاعتداءات التي طالتها، نقول: تدرك تمامًا أن ذلك الصبر العزيز الذي أبدته دول الخليج هو الذي منع المنطقة من الانجرار إلى حرب كارثية قد لا يعود معها الاستقرار أبدًا.
لهذا، بالرغم من الاعتداءات الضارة وغير المبررة من طرف إيران، فقد كانت دول الخليج تعرف تمامًا أن التعقيدات التي طالت المنطقة طوال نصف قرن من إجراءات السياسة الإيرانية في الإقليم كانت تعكس بوضوح؛ خطورة ما تجر إليه تلك السياسات في النهاية.
فالعقيدة الدينية التي وضعها النظام الإيراني كأيديولوجيا لسياساته تعكس تمامًا كم هي المخاطر التي ستجلبها على تلك المجازفات، وهذا ما حدث بالضبط سواء خلال حرب الـ12 يومًا في حزيران (يونيو) الماضي، أو هذه الحرب الأخيرة.
قد يتبادر إلى البعض أننا حين ندعو إلى ضرورة الاستراتيجية الأمنية للخليج أن حديثنا سينحصر عن استراتيجية دفاعية، والحقيقة أن الاستراتيجية الأمنية أكبر بكثير من الاستراتيجية الدفاعية.
فالاستراتيجية الأمنية يدخل في مضمونها الموقف المحايد الذي اتخذته دول الخليج من الحرب على إيران، أولًا بعدم الدعوة لضرب إيران قبل الحرب، ثم ببذل الجهود الحثيثة لقطع الطريق على الحرب، لا سيما جهود سلطنة عُمان الشقيقة، وختامًا بالصبر العزيز الذي أبدته دول الخليج بعدم الانجرار إلى الحرب، بالرغم من الضربات التي تلقتها.
والحقيقة التي لا ينتبه إليها كثيرون، لا سيما أولئك الذين يرفعون شعارات أيديولوجية قصيرة النظر؛ هي أن الرؤية الاستراتيجية الأمنية لدول الخليج التي تجلت خلال الحرب، هي رؤية تضمر حقائق تستصحبها دول الخليج وتحرص عليها، فيما كل من أميركا وإسرائيل بعيدتان عن وعي تلك الحقائق.
وبالرغم من أن مصلحة أميركا ودول الخليج تتفق على عدم حصول إيران على سلاح نووي، لا سيما ما كشفته الحرب من اعتداء سافر على دول الخليج، إلا أن الحقائق الاستراتيجية والثوابت التي تنظر إليها دول الخليج في علاقتها مع إيران، والتي كانت حافزًا قويًا لدول الخليج على عدم الرد بالرغم من الاعتداءات الإيرانية هي:أولًا: تدرك دول الخليج أن إيران جزء من جغرافيا الخليج، والجغرافيا ثابت لا يتحرك، وهذه الجغرافيا الإيرانية بطبيعة الحال ليست جزءًا لا من جغرافيا إسرائيل ولا الولايات المتحدة، ومن ثم فإن النظرة البعيدة المدى التي تقبلت بها دول الخليج أخف الضررين وفوتت أدنى المصلحتين تكمن في إدراك أن الصبر العزيز على تلك الاعتداءات هو في حقيقته تأمين استراتيجي، على المدى البعيد، ليس لمصلحة الخليج فحسب بل حتى لمصلحة الشعب الإيراني، الذي قتل النظام الإيراني منه أكثر من 30 ألف متظاهر خلال شهري كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) الماضيين بحسب تقارير صحافية غربية، وبالتالي فإن التصعيد المباشر بالرد من قبل دول الخليج على الاعتداءات الإيرانية سيكون بمثابة إجراء قصير النظر إذا ما استصحبنا الكلفة الكبيرة لذلك أي بدخول المنطقة في نفق مظلم وطويل المدى من عدم الاستقرار.
لهذا آثرت دول الخليج ذلك الصبر الاستراتيجي حفاظًا على أمن المنطقة وأمن الشعب الإيراني أيضًا.
فدول الخليج تدرك تمامًا أن مصالح الشعب الإيراني تتوافق مع مصالح شعوبها في حب الاستقرار والرخاء وسياسة حسن الجوار بخلاف سياسات النظام الإيراني التي أغرقت بعض دول المنطقة في فوضى لا تزال تعاني منها.
ثانيًا: تدرك دول الخليج أن تداعيات الحرب في حال انجرارها إليها ستكون كارثية على المنطقة على نحو لا يطاق، لأن الوضع حينئذ سينفلت ويتحرك الخراب بصورة جنونية في المنطقة مخلفًا وراءه مشكلات قد لا تنجو منها المنطقة لعشرات السنين القادمة، فلا قدّر الله لو دخلت دول الخليج في الحرب وأصبحت الحرب حربًا شاملة، فسيعني ذلك احتمالات قوية لسقوط النظام الإيراني، بدلًا من تفكيكه، وسيجر سقوط النظام الفوضى في بلاد يسكنها 90 مليونًا، الأمر الذي سيعني فوضى واسعة، وخرابًا كبيرًا وتدفق اللاجئين إلى دول الخليج وأوروبا، إلى جانب ما سيعنيه ذلك من احتمال لتحول الحرس الثوري الإيراني إلى عصابات تمتلك أسلحة خطيرة.
فتخرج الأمور عن السيطرة، ويكون المتضرر الأكبر هما الطرفان اللذان ليس لهما مصلحة في هذه الحرب، دول الخليج والشعب الإيراني، فيما لا تتضرر أميركا، التي تبعد عن إيران آلاف الكيلومترات، وإسرائيل التي تمتلك استراتيجيات دفاعية متقدمة.
هكذا من خلال التفكير على هذا النحو من المآلات الخطيرة للحرب، حال انجرار دول الخليج إليها، سندرك قيمة وجدوى الصبر الاستراتيجي الذي أبدته دول الخليج من خلال تلك الاستراتيجية الأمنية الناضجة.
إن دول الخليج لا تزال تؤمن بأن الاستقرار والرخاء هو المصير الأخير لها ولشعب إيران، وفي سبيل هذه الغاية ستتخذ كل الوسائل التي تحققها، مهما بدت تلك الوسائل لدى بعض قصار النظر، أنها استراتيجية لا تعكس هوية دفاعية للخليج.
إن الناظر في أطراف هذه الحرب اليوم: إيران، أميركا، إسرائيل، يدرك تمامًا أن إيران هي الطرف الأضعف، مهما أوحت به اعتداءاتها على دول الخليج، وإذا ما بدا الطرف الإيراني يائسًا نتيجة لمآل سياساته التخريبية في المنطقة فمن الخطورة بمكان لدول الخليج مواجهته باستراتيجية دفاعية متهورة، وهي تدرك أنه كيان يحتضر أو يتغير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك