يدهشني أن تنصرف بعض الأصوات السياسية، وهي تستشعر المأساة الإنسانية في الأبيض، إلى مناشدة طرف واحد باتخاذ خطوة أحادية، بينما تتجاوز السؤال الذي أنتج المأساة نفسها.
فقبل أن نسأل: من يرفع الحصار؟ ينبغي أن نسأل: لماذا أصبحت المدينة أصلًا مسرحًا للحرب؟ ولماذا ظل الجيش السوداني، منذ نشأته الحديثة وحتى اليوم، ينظر إلى المدن باعتبارها فضاءه الطبيعي، لا إلى الحدود التي يفترض أن تكون ميدانه الأول؟هذه ليست واقعة معزولة فرضتها حرب أبريل، وإنما نمط مؤسسي يستحق التأمل.
فالدولة السودانية ورثت، شأنها شأن كثير من الدول التي خرجت من عباءة الاستعمار، مؤسسة عسكرية لم تُصمم ابتداءً لحراسة الحدود، وإنما لإدارة الداخل وضبط المجال السياسي والاجتماعي.
ولهذا لا يبدو غريبًا أن يصبح تمركز الجيش في قلب المدن جزءًا من تكوينه التاريخي، وأن تتحول المدن، كلما اختلت موازين القوى، إلى خطوط دفاعه الأخيرة.
وهذا ما أسميه صراحةً “العقيدة المكانية للدولة العسكرية السودانية”!ولعل هذا ما يجعل العودة إلى أعمال تيموثي ميتشل، ولا سيما كتابه Colonising Egypt، ضرورة فكرية لا ترفًا أكاديميًا.
فقد أوضح ميتشل أن الدولة الاستعمارية لم تكتف بالسيطرة على الأرض، بل أعادت تشكيل الفضاء العمراني بحيث يصبح وسيلة للرقابة والانضباط.
لم تكن المدينة مجرد مكان للحياة المدنية، وإنما جزءًا من هندسة السلطة.
وما ورثته دول ما بعد الاستعمار لم يكن المباني وحدها، بل أيضًا كثيرًا من المنطق الذي حكم توزيع القوة داخل المجال المدني.
ويتقاطع هذا التحليل مع ما طرحه ميشيل فوكو في حديثه عن السلطة بوصفها تنظيمًا للمكان قبل أن تكون مجرد احتكار للعنف.
فالسلطة الحديثة، في تصوره، تُمارس نفسها عبر توزيع الأجساد والمؤسسات داخل الفضاء، بحيث يغدو المكان نفسه أداة للضبط.
ومن هذا المنظور، يصبح السؤال عن علاقة المؤسسة العسكرية بالمدينة سؤالًا عن طبيعة السلطة، لا عن الهندسة العسكرية وحدها.
ويضيف أشيل مبيمبي بعدًا آخر لهذ النقاش حين يربط بين السيادة وإدارة الحياة والموت داخل المجال السياسي.
ففي الدول التي تعاني أزمات بنيوية، لا يعود الفضاء المدني منفصلًا بوضوح عن المجال العسكري، وتصبح حماية المدنيين تحديًا مستمرًا يفرض مساءلة بنية الدولة وآليات عمل مؤسساتها.
ومن هذه الزاوية، فإن الأبيض ليست أول مدينة يجد الجيش نفسه فيها وسط المدنيين، ولن تكون الأخيرة ما لم يُطرح السؤال البنيوي.
فحين يفقد أي جيش قدرته على فرض المبادرة في المجال العسكري المفتوح، تصبح المدينة ذاتها جزءًا من معادلته الدفاعية.
وهنا لا يعود النقاش متعلقًا بمدينة بعينها، بل بطبيعة المؤسسة العسكرية وعلاقتها بالمجال المدني.
ولهذا تبدو المناشدات التي تُصاغ بلغة إنسانية خالصة، من دون مساءلة البنية السياسية والعسكرية التي أنتجت الأزمة، وكأنها تعالج النتيجة وتتجاهل السبب.
فالمطلوب ليس الاكتفاء بالدعوة إلى إجراءات إنسانية عاجلة، وإنما أيضًا فتح نقاش جاد حول الشروط التي تجعل تلك الإجراءات قابلة للاستمرار، وحول مسؤولية جميع الأطراف في تهيئة بيئة تسمح بها.
فالممارسة الدولية لا تُدار بالمناشدات الأحادية فقط، إنما بتحديد ثلاث خطوات متلازمة: هدنة متفق عليها، وممرات إنسانية آمنة، ثم مسار تفاوضي يعالج جذور النزاع.
أما تجاوز هذه الترتيبات والاكتفاء بالنداءات الأخلاقية، فلا يفضي غالبًا إلى حماية مستدامة للمدنيين، إنما يزيد ارتباكهم ويفاقم من معاناتهم.
ختاماً، لعل الأبيض ليست المدينة المحاصرة حقًا؛ المحاصَر هو الخيال السياسي السوداني الذي اعتاد رؤية الثكنة جزءًا من المدينة، ولم يعد يتساءل لماذا وُجدت هناك.
وحين يصبح وجود الجيش في قلب العمران أمرًا بديهيًا، يغدو الحصار حدثًا عارضًا، بينما تكون المأساة الحقيقية قد وقعت قبل ذلك بسنوات طويلة.
فالسؤال الذي سيبقى بعد انتهاء المعارك ليس: من فك الحصار؟ بل: من أقنع السودانيين أصلًا بأن المدن ينبغي أن تحرس الجيوش، بدل أن تحرس الجيوش حدود البلاد؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك