تُمثِّل الزيارة الرسميَّة التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى الجمهوريَّة الفرنسيَّة محطَّة مهمَّة في مَسيرة العلاقات العُمانيَّة الفرنسيَّة؛ لِمَا حملته من نتائج تظهر وضوح الرؤية التي تنطلق منها السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة في توظيف العلاقات الدوليَّة لخدمة التنمية الوطنيَّة.
فقد جاءت اللقاءات رفيعة المستوى وما صاحبها من اتفاقيَّات ومبادرات؛ لتؤكد أن سلطنة عُمان تمضي بخطوات واثقة نحو بناء شراكات استراتيجيَّة ترتبط بالأولويات الاقتصاديَّة، وتنسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وتفتح مسارات جديدة أمام الاستثمار ونقل المعرفة والتقنيَّات الحديثة، في وقت تتَّجه فيه الاقتصادات العالميَّة إلى تعزيز التعاون القائم على المصالح المشتركة والاستدامة والابتكار، مستفيدة من إرث كبير من العلاقات الدبلوماسيَّة التقليديَّة التي تقوم على الاحترام المتبادل، والحفاظ على الأمن والاستقرار، وحماية المصالح المشتركة.
ولعلَّ أبرز ما يلفت الانتباه في نتائج الزيارة اتساع نطاق الاتفاقيَّات التي شملت قطاعات تُمثِّل مفاتيح النُّمو خلال العقود المقبلة، مثل الطاقة المتجدِّدة، واللوجستيَّات، والموانئ، والطيران، والفضاء، والمياه، والاستثمار، والصحَّة، والتعليم، والشركات الناشئة.
ويعكس هذا التنوع قراءة دقيقة لاحتياجات الاقتصاد الوطني، وحرصًا على بناء شراكات تمتلك القدرة على تحقيق قِيمة مضافة للاقتصاد العُماني، ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجيَّة، وتعزيز تنافسيَّتها، كما يرسِّخ هذا النهج قدرة الاقتصاد الوطني على تنويع مصادر النُّمو، ويمنح القطاعات الواعدة فرصًا أكبر للاستفادة من الخبرات الصناعيَّة والتكنولوجيَّة، بما يرفع معدَّلات الإنتاجيَّة ويُعزِّز جاهزيَّة الاقتصاد لمتطلبات المنافسة العالميَّة، بالإضافة إلى منح القطاع الخاص مساحة أوسع للمشاركة في المشروعات النوعيَّة، ويهيئ بيئة أكثر جاذبيَّة لرؤوس الأموال والخبرات الدوليَّة، ويُعزِّز حضور سلطنة عُمان في سلاسل القِيمة الإقليميَّة والعالميَّة.
إنَّ مشاركة جلالة السُّلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ في منتدى رجال الأعمال العُماني الفرنسي حملت دلالات اقتصاديَّة مهمَّة، وأكدت المكانة التي يحتلها القطاع الخاص في مَسيرة التنمية، فالمشروعات التي أُعلن عنها خلال المنتدى في مجالات الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والصناعة، والفضاء، والنقل، والتعليم، تعكس توجُّهًا واضحًا نحو اقتصاد يقوم على الابتكار والتقنيَّات المتقدمة، ويمنح المعرفة مساحة أكبر في صناعة النُّمو، ويؤكد ذلك أن نجاح الشراكات الاقتصاديَّة يقاس بقدرتها على تحويل التقنيَّات الحديثة إلى مشروعات منتجة، وإيجاد بيئة أعمال أكثر ارتباطًا بالابتكار، وأكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات النوعيَّة التي تصنع أثرًا اقتصاديًّا طويل المدى.
كما أن العقود والاتفاقيَّات التي خرج بها المنتدى تؤسِّس لعلاقات اقتصاديَّة طويلة الأمد، وتدعم انتقال الخبرات، وتفتح فرصًا جديدة أمام المؤسَّسات العُمانيَّة للدخول إلى أسواق أوسع، والاستفادة من التجارب الصناعيَّة والتكنولوجيَّة الفرنسيَّة.
إنَّ زيارة جلالة السُّلطان إلى مقرِّ منظَّمة اليونسكو أضافت بُعدًا حضاريًّا يُعبِّر عن ثوابت السياسة العُمانيَّة في دعم الثقافة والتعليم والحوار بين الشعوب، وجاء الإعلان عن جائزة اليونسكو ـ السُّلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادِّي ليؤكِّدَ المكانة التي تمنحها سلطنة عُمان للثقافة بوصفها ركيزة من ركائز التنمية الإنسانيَّة، وتوضِّح هذه المبادرات إدراكًا متقدمًا بأنَّ الاستثمار في الثقافة والتعليم والتراث يَسير جنبًا إلى جنب مع الاستثمار في الاقتصاد، وأن المكانة الدوليَّة للدول تُبنى بتكامل حضورها السياسي والاقتصادي والثقافي في آنٍ واحد، وتكشف المحصِّلة العامَّة للزيارة عن انسجام واضح بين التحرك السياسي والاقتصادي والثقافي، وهو انسجام يعكس منهجًا ثابتًا في إدارة العلاقات الدوليَّة يقوم على بناء الشراكات، وتعزيز التنمية، وترسيخ حضور سلطنة عُمان كشريك يحظى بالثقة والاحترام، ويملك رؤية واضحة للتعامل مع المتغيِّرات الدوليَّة، وتحويلها إلى فرص تخدم الوطن وأجياله القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك