أكد أمجد فتحي، الحقوقي، أن الدولة المصرية تبنت، خلال السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو، رؤية جديدة في إدارة ملف حقوق الإنسان، انتقلت به من المفهوم التقليدي الذي يركز على الحقوق المدنية والسياسية إلى مفهوم أكثر شمولًا، يربط بين حقوق الإنسان والتنمية المستدامة وبناء الدولة الحديثة، انطلاقًا من أن الحق في التعليم والصحة والسكن اللائق والعمل والحماية الاجتماعية يمثل ركائز أساسية للكرامة الإنسانية، ولا يقل أهمية عن باقي الحقوق والحريات.
ترسيخ مبادئ المواطنة والمساواة وعدم التمييزوأوضح فتحي أن دستور عام 2014 شكّل نقطة تحول رئيسية في هذا المسار، بعدما أرسى منظومة متكاملة من الحقوق والحريات العامة، ورسخ مبادئ المواطنة والمساواة وعدم التمييز، كما منح اهتمامًا غير مسبوق بحقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، وأكد التزام الدولة بالاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
دمج البعد الحقوقي داخل منظومة العمل الحكوميوأشار الحقوقي إلى أن الدولة عملت، بالتوازي، على تطوير الإطار المؤسسي للملف الحقوقي، من خلال إنشاء اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان لتنسيق السياسات الوطنية ومتابعة تنفيذ الالتزامات الدولية، إلى جانب تعزيز دور المجلس القومي لحقوق الإنسان، وإنشاء وحدات وإدارات متخصصة لحقوق الإنسان داخل الوزارات والمحافظات، بما أسهم في دمج البعد الحقوقي داخل منظومة العمل الحكومي بصورة أكثر تنظيمًا واستدامة.
مراجعة عدد من القوانين المرتبطة بحقوق الإنسانوأضاف أن التطور لم يقتصر على الجانب المؤسسي، وإنما امتد إلى تحديث البيئة التشريعية، حيث شهدت السنوات الماضية مراجعة عدد من القوانين المرتبطة بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، الذي أعاد تنظيم العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني، من خلال إجراءات أكثر مرونة لتأسيس الجمعيات وممارسة أنشطتها، مع وضع إطار قانوني واضح للتمويل والحوكمة والرقابة، بما يحقق التوازن بين حرية العمل الأهلي ومتطلبات الشفافية وحماية الأمن القومي.
بناء قدرات المؤسسات الوطنيةوتابع أن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عام 2021 مثّل محطة مهمة في تطوير هذا الملف، إذ عكس انتقال الدولة من التعامل مع القضايا الحقوقية بمنطق ردود الأفعال إلى تبني رؤية استراتيجية طويلة المدى، تستهدف تطوير التشريعات، وتعزيز الحقوق والحريات، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وبناء قدرات المؤسسات الوطنية، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
وأشار إلى أنه، رغم ما تحقق من تطورات تشريعية ومؤسسية، فإن تطوير منظومة حقوق الإنسان يظل عملية متواصلة تتطلب استمرار العمل على تعزيز فاعلية تنفيذ القوانين، وترسيخ الضمانات الدستورية، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتعميق ثقافة الحقوق والواجبات داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
واختتم الحقوقي حديثه مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في مواصلة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، وضمان حماية الحقوق والحريات وتعزيز سيادة القانون من جهة أخرى، بما يعكس التطور التدريجي الذي يشهده المنظور الحقوقي المصري، ويؤسس لبيئة أكثر دعمًا للحقوق والتنمية وبناء الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك