حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجبنحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين الناس.
اتصال قصير، رسالة تهنئة، زيارة عائلية، تعزية، سؤال عن مريض، حضور مناسبة، أو حتى ابتسامة في وجه قريب أو صديق.
هذه الأفعال البسيطة هي التي تجعل العلاقات أكثر دفئًا، وتمنع الحياة من أن تتحول إلى معاملات جافة.
لذلك لا يصح أن ننظر إلى المجاملات الاجتماعية نظرة سلبية مطلقة.
فالمجاملة في أصلها ليست نفاقًا، ولا تصنعًا، ولا عبئًا دائمًا.
بل هي في كثير من الأحيان تعبير عن الذوق، وحفظ للمودة، ومراعاة للخواطر، وإعلان بأن الإنسان لم ينس قريبه أو صديقه أو جاره في فرحه أو حزنه.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المجاملة من فعل جميل إلى واجب ثقيل.
هنا لا يعود الإنسان يسأل نفسه: هل أريد أن أشارك؟ هل أستطيع أن أحضر؟ هل يناسبني أن أتصل الآن؟
بل يبدأ بسؤال آخر: ماذا سيقول الناس إن لم أفعل؟ هل سيغضب فلان؟ هل سيقال إنني قصّرت؟ هل سيُفهم غيابي على أنه تجاهل أو تغير في العلاقة؟في هذه اللحظة تتحول المجاملة من معروف اجتماعي إلى عرف ضاغط.
والعرف هنا لا يعني العادة البسيطة فقط، بل يعني ذلك السلوك الذي يتكرر بين الناس حتى يصبح متوقعًا، ثم يتحول مع الزمن إلى معيار يحاسِب الناس بعضهم بعضًا عليه.
لا توجد ورقة مكتوبة تقول لك: يجب أن تحضر، أو يجب أن تتصل، أو يجب أن تبارك، لكنك تشعر أن ترك ذلك سيكلفك عتبًا أو سوء فهم أو برودًا في العلاقة.
وهذا هو الجانب الذي لا نتوقف عنده كثيرًا.
نحن نتحدث عادة عن تكاليف الزواج، وتكاليف العزاء، وتكاليف المناسبات الكبرى، لأنها ظاهرة وواضحة.
لكن هناك تكاليف أخرى لا تظهر في الفواتير.
هناك تكلفة الوقت، وتكلفة القلق، وتكلفة الشعور بالذنب، وتكلفة إدارة العلاقات، وتكلفة أن يظل الإنسان مراقبًا لما يجب أن يفعله تجاه كل قريب وصديق وزميل.
قد تكون المجاملة رسالة صغيرة، لكنها أحيانًا تأتي بعد تفكير طويل: من يجب أن أهنئ؟ من قد يزعل إن ما رديت عليه؟ هل تكفي رسالة؟ هل يجب أن أتصل؟ هل يجب أن أزور؟ هذه الأسئلة، حين تتكرر، تصنع عبئًا نفسيًا غير معلن.
ولعل من أكثر العبارات حضورًا في هذا الباب عبارة: “حفظ الخاطر”.
وهي عبارة جميلة في أصلها.
فالمجتمع الذي لا يحفظ خواطر الناس يصبح قاسيًا.
لكن حفظ الخاطر يتحول أحيانًا إلى ضغط عندما يصبح مطلوبًا من الإنسان أن يحفظ خواطر الجميع، بينما لا يحفظ أحد خاطره هو، ولا يراعي ظروفه أو تعبه أو مرضه أو ضيق وقته.
المطلوب إذن ليس إلغاء المجاملات.
فهذا غير ممكن، ولا هو مطلوب أصلًا.
المجتمع بلا مجاملات سيكون أكثر برودة، وأقل رحمة، وأضعف صلة.
المطلوب هو تهذيب المجاملات، وإعادتها إلى معناها الأصلي: المودة لا المحاسبة،
المشاركة لا المراقبة،
المعروف لا الإحراج.
نحتاج إلى عرف اجتماعي جديد، أرحم وأوسع.
عرف يقبل الاعتذار من غير تفتيش في النوايا.
عرف يفهم أن عدم الحضور ليس دائمًا تقصيرًا، وأن الرسالة قد تكفي أحيانًا، وأن الاتصال القصير قد يكون صادقًا، وأن الإنسان لا يستطيع أن يؤدي كل الواجبات الاجتماعية بالطريقة نفسها وفي كل وقت.
كما نحتاج إلى تخفيف لغة العَتَب والمحاسبة: لم يتصل، لم يحضر، لم يبارك، بس أرسل برسالة، تغيّر علينا، كبر راسها علينا.
هذه العبارات الصغيرة هي التي تجعل الناس يجاملون خوفًا لا محبة، ويحضرون دفعًا للحرج لا رغبة في المشاركة.
المجاملة الجميلة هي التي تترك أثرًا طيبًا في النفس.
أما المجاملة التي ترهق الإنسان، وتدفعه إلى التمثيل الاجتماعي المستمر، وتجعله يخاف من كل غياب أو تأخر أو اعتذار، فهي بحاجة إلى مراجعة.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع بلا مجاملات، بل إلى مجتمع أكثر رحمة في فهم المجاملات.
مجتمع يحفظ المعروف، لكنه لا يحوله إلى عبء.
يقدّر الحضور، لكنه لا يجرّم الغياب.
يفرح بالسؤال، لكنه لا يعاقب من منعته ظروفه.
فالعلاقات لا تقوى بكثرة المحاسبة، بل بحسن الظن، وسعة الصدر، وقبول أعذار الناس.
ولعل أرق ما يختم به هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الكلمة الطيبة صدقة”.
فالمجاملة حين تكون كلمة طيبة، خفيفة على صاحبها، دافئة في أثرها، صادقة في معناها، تصبح بابًا من أبواب الرحمة، لا عبئًا من أعباء الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك